الخميس 13 ديسمبر 2018 م - ٥ ربيع الثانيI ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / تجربة العصور الوسطى وأهمية النهوض بالتعليم

تجربة العصور الوسطى وأهمية النهوض بالتعليم

أيمن حسين

إن التأخير في إرساء نظام تعليمي جاد يثمر ثمراته ولو بعد حين، مثلما أثمر في العصور الوسطى ووضع حجر الأساس لعصر النهضة في الغرب، قد يجعلنا لا نتخلف عن ركب الشعوب المتحضرة وحسب، بل سيجعل الأجيال القادمة تدفع أثمانا باهظة لحماية أنفسها من هجمات الشرق والغرب التي لا تتوقف من أجل نهب ثرواتها والقضاء علي مقدراتنا وتحويلنا لأمم تابعة وفاقدة القدرة والإرادة.

لم تكن العصور الوسطى عصورا مظلمة بالمعنى المطلق، وإنما كانت فيها إبداعات علمية نضجت بمرور الوقت، وساهمت في تهيئة المجتمع الأوروبي لتقبل الأفكار الجديدة، وساهمت في خلق وتطوير الأفكار لهذا الانتقال، من خلال المؤسسات التعليمية التي أفرزت نظريات ومعلومات وصقلت الإمكانات الفردية، وولدت لدى الأساتذة والطلاب الرغبة في تغيير البنية الفكرية للمجتمع الأوروبي، ذلك التغيير الذي أحدث النهضة ونقل المجتمع الأوروبي من التخلف إلى عصر النهضة.
وقد كان الفرق الوحيد بين عصر النهضة والعصور الوسطى فيما يتعلق بالتعليم إنما يتمثل في أن التعليم في العصور الوسطى كان يقوم على الحفظ والتلقين دون الفهم، بينما اعتمد في عصر النهضة على الفهم، بل وتعدى ذلك للإثبات بالحجج والبراهين، وهو ما أطلق العنان للعقل الأوروبي لكي ينطلق ويبدع.
وخلال تلك الفترة استفاد الأوروبيون من الاتصال الثقافي مع العالم الإسلامي والحضارة الإسلامية السائدة في ذلك الوقت، مما ساعد في إحداث ثورة معرفية وثقافية في المجتمع الأوروبي، نقلته من أطوار الجهل والتخلف إلى آفاق العلم والتقدم.
إن تلاقح أفكار الأساتذة المتباينة أيقظت شعوب الغرب بعد سبات طويل عاشت في كنفه قرون عديدة، الأمر الذي أسهم في بعث النهضة العلمية والفكرية الهائلة التي عمت مدارس وجامعات أوروبا.
وبالنظر إلى واقع المجتمعات العربية والإسلامية، لن نجد اختلافا كبيرا بين واقعنا اليوم وواقع المجتمعات الغربية في العصور الوسطى، وإن كان الفارق أننا نملك من الإمكانيات ما لم يملكوا، ومن القدرات العقلية والبشرية ما لم يتوفر لديهم، إلا أن ما ينقصنا هو الإرادة الحقيقية لتكرار التجربة.
فتوافر الإمكانات والفرص والبيئات المناسبة للتطور العلمي والانطلاق لآفاق المستقبل الواعدة، يساعد المجتمعات العربية والإسلامية في وضع لبنات الأساس لتطور وتقدم الأجيال القادمة، خاصة وأن العالم الآن لا يعرف سوى لغة العلم والمعرفة، تلك اللغة التي باتت لا تقدر بثمن، بل وتجني المجتمعات والدول الغربية من ورائها ثروات طائلة لا يمكن تقديرها.
ولذلك، فإن مواجهة التحديات الداخلية والخارجية التي تعيشها المجتمعات العربية والإسلامية، لن يكون بشراء الأسلحة والمعدات العسكرية من الغرب على الرغم من أهمية ذلك، ولكن بالحرص على تطوير العلم والمعرفة حتى يصبح لدى الأجيال المستقبلية رصيد زاخر يمكنها من الاعتماد على نفسها بدلا من الاعتماد على الآخرين، لتوفير غذائها ودوائها وسلاحها.
ولن يتحقق ذلك في حقيقة الأمر، إلا بإعداد طالب جاد ومجتهد ومبدع، ومدرس على علم وإدراك بتطور العلوم والمعرفة، ونظام تعليمي قائم على الجدل والنقاش، بدلا من نظم التلقين التي أظلمت العقول وأهدرت المواهب، وضيعت القدرات الخلاقة التي لطالما وجدت البيئة المناسبة لاحتضانها في الغرب أمثال الدكتور أحمد زويل وغيره من عباقرة العرب والمسلمين الذين نبغوا في الخارج.
إن التأخير في إرساء نظام تعليمي جاد يثمر ثمراته ولو بعد حين، مثلما أثمر في العصور الوسطى ووضع حجر الأساس لعصر النهضة في الغرب، قد يجعلنا لا نتخلف عن ركب الشعوب المتحضرة وحسب، بل سيجعل الأجيال القادمة تدفع أثمانا باهظة لحماية أنفسها من هجمات الشرق والغرب التي لا تتوقف من أجل نهب ثرواتها والقضاء علي مقدراتنا وتحويلنا لأمم تابعة وفاقدة القدرة والإرادة.

إلى الأعلى