السبت 15 ديسمبر 2018 م - ٧ ربيع الثانيI ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / نهضة تكحَّلَ العين

نهضة تكحَّلَ العين

جودة مرسي

نعم باتت عُمان تشكل الأمل للنجاة؛ لذلك كان ولا يزال أبناء الليل يحاولون جرها لمستنقعهم، ولكن ـ بحمد الله ومنته ـ بقيت عُمان تصرخ في وجههم “هيهات، هيهات”.. ومع وجود قائد حكيم يعرف كيف يقود سفينته شاقًّا بها أمواج الفتن، سائرًا بها نحو بر الأمان، وقائد عُمان وللأمانة نجح وبامتياز في النأي ببلده وأهله عن السقوط في تلك الحفرة التي لا قرار لها..

نعيش هذه الأيام ذكرى عظيمة تعلو بعظمها وقدرها بقدر شموخ نهضتها الشاملة التي اهتمت بالجذور ثم البذور، فأتت الثمار فتنعم بها كل مكونات الوطن ومن يعش بين حناياه، وهي نهضة لا تخطئها العين بل تتكحَّل بها كما تكَحَّلَتِ السُّهولُ بِالخُضْرَةِ وتنعمت من خيرها وعلو شأنها، فتأتي ذكرى العيد الوطني الثامن والأربعين المجيد، ومع احتفالاتنا بهذه الذكرى العزيزة تذكرت مقالا كنت قد قرأته منذ فترة ليست بالبعيدة للكاتب والروائي البحريني جعفر سلمان عبر من خلاله عن تقديره وحبه لعمان وقائدها ـ حفظه الله ورعاه ـ والذي قال فيه (من يعيش في منطقتنا لا بد أن يلاحظ في خضم الفتن التي تموج بدولنا وشعوبنا، والتي تتقاذف بنا يمينًا وشمالا، تلك التي أجرت دماءنا أنهارا، لا بد أن يلاحظ فنّار عمان الذي كان ولا يزال يضيء أفق ظلامنا الدامس من بعيد ليقول، هنا أرض لا تعرف الفتن إليها من سبيل.) هذه السطور القليلة الكلمات الكثيرة المعاني عبر من خلالها الكاتب عن الحالة العمانية المتفردة التي تشع نورا يترجم إلى أمن وأمان يلتحف به كل زائر ومقيم على أرض السلطنة في منطقة لاقت ما لاقته وتشبعت بما حدثنا به الكاتب وأشار إليه في مقاله، ليكون التفرد في الأمن والأمان إحدى خصائص عُمان.
ولم يكتفِ الكاتب في مقاله بهذا فقط، بل تستخلص من مقصده أن وراء هذا التفرد، وهذه الميزة من الطمأنينة والسلام مع النفس ومع الآخر قائدا أسس نهضة إنسانية بحكمة استثنائية تلتمس خطوطها ونتائجها مع كل مناحي الحياة وتفاعلاتها باختلافها واتفاقها برقيها وتحضرها، وفي مقدمتها الضيافة التي تحمل عنوان الكرم المصحوب بابتسامة الترحيب الصادقة فتشعر أنك من أهل البيت لا من زائريه، فتترك عينك لتتكحَّلَ بهذا التفرد في تنفيذ تعاليم الدين بصلة الرحم والمتمثل في التلاحم الأسري ثم العائلي والمجتمعي الذي لن تجد مثيله إلا في عُمان، وحرص الأهل كل الأهل على التلاحم والتفاعل مع ما ينير المكان، فتشتف أنهم لا يبحثون إلا على إثراء الثقافة والتحضر بعلاقات إنسانية بالغة المعاني، مما يفقد الآخرين أمل الفتن، كما قال الكاتب (بل باتت عمان بحكمة قيادتها تشكل حالة استثنائية عرفنا من خلالها أننا كشعوب يمكن أن نرتقي عاليًا لمصاف الإنسانية، بعدما كدنا نعتقد بأننا لا نصلح إلا للتناحر والبغضاء وبأننا باقون في قعر الحضارة، نعم باتت عُمان تشكل الأمل للنجاة؛ لذلك كان ولا يزال أبناء الليل يحاولون جرها لمستنقعهم، ولكن ـ بحمد الله ومنته ـ بقيت عُمان تصرخ في وجههم “هيهات، هيهات”.. ومع وجود قائد حكيم يعرف كيف يقود سفينته شاقًّا بها أمواج الفتن، سائرًا بها نحو بر الأمان، وقائد عُمان وللأمانة نجح وبامتياز في النأي ببلده وأهله عن السقوط في تلك الحفرة التي لا قرار لها، فكما يقال إن الحكمة هي وضع الشيء في موضعه الصحيح، وقائد عمان أثبت أن لديه الكثير من تلك المسماة بالحكمة حين نجح في وضع بلده في موضعه الصحيح.) واختتم بنصيحة العارف لمجريات الأمور بقوله (أعزائي العُمانيين، بل أحبتي العُمانيين: ربما يوجد بينكم من لا يزال غير مقتنع بما كتبت، أقول ربما لأني لم أجد أحدًا منكم إلى الآن يختلف مع ما كتبت، لكن إن حدث ووجد فأرجو منهم أن يتوقفوا قليلًا، أن يصمتوا قليلًا، أن يتأملوا قليلًا، أن ينظروا إلى محيطهم ثم ينظروا إلى بلدهم، حينها سيعرفون حجم النعمة التي أنعم الله بها عليهم، أحبتي لقد كنت جادًّا وأنا أكتب العنوان، فقوموا يا أصدقاء وصلوا ركعتي شكر لله، اشكروه على قيادتكم التي نجحت وبامتياز بالعبور بكم في بحر الفتن، تلك الفتن التي لم تبق بلدًا إلا وأغرقته، فالنعم تبقى وتدوم بالشكر، وأنتم يا أعزائي في نعمة عظيمة أدعو الله أن يبقيها لكم، نعمة يُراد لها من قبل البعض أن تزول.) إن الكاتب والروائي جعفر سلمان حين يكتب ويثني هذا الثناء عن حقيقة على أرض الواقع، وهو المعروف عنه وكما يقول، لم يسبق له أن قام بامتداح حاكم أو مسؤول، فهذا يؤكد صدق مشاعره في كل ما قاله، وبالفعل كل من عاش على هذه الأرض الطيبة شعر بما قاله الكاتب ووصفه لها بحسه الروائي الرائع، واهدئ فؤاده وأطمئنه أن العُماني يغلب عليه الطابع الإيماني وهو دائم على صلاة الشكر على النعم التي أنعم الله بها عليه، وفي مقدمة هذه النعم عاهل البلاد جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ وأن عُمان وبفضل تلاحم أهلها فإن أي سوء أو أحقاد تأتي على أبواب قلاعها الحصينة تباد من جذورها، فكل عام وجلالة السلطان وأهل عُمان في تقدم ورقي وأمان على الدوام.

إلى الأعلى