السبت 15 ديسمبر 2018 م - ٧ ربيع الثانيI ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الميلاد الشريف واستقامة الحياة الإنسانية (1 ـ 2)

الميلاد الشريف واستقامة الحياة الإنسانية (1 ـ 2)

د/ جمال عبد العزيز أحمد:
في كل عام تطالعنا ذكرى المولد النبوي الشريف، ويبهرنا شهرُ ربيع الأول، ذلك الشهر المشرق بميلاده الكريم، والمزهر بطلعته السنية، ورؤيته البهية، حيث يضخ فينا هذا الشهر المبارك عزماً جديداً، وعملا فريداً، ونهوضاً صادقاً، وسعياً حثيثاً بالتمسك بسنة النبي الكريم (صلى الله عليه وسلم) فتجد العلماء يتنافسون في بيان جلال سيرته، وعظمة إنسانيته، وكريم جهده، وتوضيح جوانب العظمة في شخصيته النبوية الجليلة، وكيف كانت حياته ومولده الشريف خيرَ نعمة، وأكمل منة أنعم الله بها على بني البشر في ختام حياتهم، وقد جاء في كتاب الله ـ جلّ جلاله ـ أن مبعثه ومولده وإرساله إنما هو محض فضل، وكبير من، وواسع عطاء من الله للخلق، حيث قال الله تعالى:(لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) (آل عمران ـ 164).
فهو فضل ومنة، وعطاء لا حدود له، ورحمة شاملة تامة من الله ببني البشر، حيث انتشلهم من وحْل الوثنيات المنتشرة إلى رحابة التوحيد الخالص، ومن عبادة الأوثان إلى التشريف بعبادة الرحمن، ومن الجور والطغيان إلى عدالة الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن استعباد العباد إلى عبادة رب الأرباب، ومن تشتت القلب، وعدم استقرار النفس، إلى صفاء الروح، وراحة القلب، واطمئنان الفؤاد، إنه المَن الحقيقي بمولده الشريف، ومبعثه المبارك الذي أعاد للإنسانية عزها، ومكانها، وآدميتها، ووسدها منزلتَها:(وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا) (الاسراء ـ 70)، وبمولده ومبعثه عرف الإنسانُ قدره، وأكرم نفسَه حيث كان مشرداً فكرياً، ومتعَباً ذهنياً، ومتحير: تعبداً وتقديماً لعمله، حيث كان يقدمه لآلهة مزعومة، لا تملك من أمر نفسها شيئاً، ولا يمكنها الذود عن ذاتها، حيث كان العرب لديهم عشراتُ الآلهة المصنوعة بأيديهم، ولهم توجهات عقدية صارخة، أتعبت قلوبَهم، وشتت شملَهم، وأضعفت قواهم، وصاروا بوثنيتهم مستعبَدين، وبتقديم قرابينهم متعَبين، لا يرتاح لهم قلب، ولا يسعد منهم فؤاد، ولا يطمئن لهم بال، ولا يستقرون أبدًا على حال، حياتهم حروبٌ، وظلم، وكر، وفر، وخوف، وهلع، وحقد، وطمع، وقد عرض لنا القرآن الكريم في كثير من السور المكية، والمدنية صورة عن الواقع المرير الذي كان يحياه العرب، بل كل البشر قبل مولده الشريف، وجاء ذلك في سور كاملة، أو في بعض سور، أو في بعض آيات من سور، مثل: سورة التوبة، وسورة النور، وسورة القلم، وسورة المطففين، وسورة الهمزة، وسورة الماعون، وسورة الحجرات، وسورة المجادلة، وسورة المنافقون، وسورة عبس، وسورة التكاثر، وسورة الفلق، بالإضافة إلى السور المدنية التي ورد في أثنائها علاجٌ لتلك الأمور الاجتماعية الطاحنة التي كانت منتشرة في المجتمع العربي قبل مولده الشريف، ومبعثه المبارك، بل في المجتمع الإنساني كله من قديم الأزل، وكلنا يعرف حادثةَ الإفك، وكذلك ما فعله أصحابُ القرية التي كانت حاضرة البحر، وكذلك أصحاب القرية التي كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان، فكفرت بأنعم الله، وما كان من عدل السماء، وإنزالها أشد العقوبة، ووخيم العواقب بكل ظالم، ومستبد، وكذلك أصحاب القرية التي أمطِرَتْ مطرَ السوء، وأصحاب الجنَّتين، والمجتمع المشرك التي ظهر جليا في سورة الكهف، واستنهض هممَ المجتمع المسلم، ومنهم هؤلاء الفتية الذين آمنوا بربهم، وزادهم الله هدى، وعُرفوا بأهل الكهف، وتركوا أوثانَ مجتمعهم، وراحوا يستروحون رحمة الرحمن في كهف بعيد مظلم شكلا، لكنه منير مضيء معنًى، وروحًا، وحكى القرآن الكريم لنا شريفَ مسلكهم، وتأبِّيَهم على تلك الوثنيات الآسنة، وعبادة غير الله، وكذا وضح القرآن ما كانت عليه قريش، وشرْكُها، وصدها عن سبيل الله، وعجرفة الملأ ، ووجهاء القوم فيها، وصدهم عن سبيل الله بكل طريق ووسيلة، ووقوفهم في صف الظلم، والطغيان، فبين لنا القرآن مآلاتهم الوخيمة، وعواقبَهم الأليمة، وخرابَ بيوت الفاسدين المفسدين، وكيف كان مولده ومبعثه نورًا للحيارى، وسبيلا للسالكين، ووضح عواقبَ الدعاة الصادقين، ونتائجَ المصلحين المخلصين، الذين قُتِل منهم من قُتِل، وعُذِّب منهم مَنْ عُذِّب، وما فعله فرعون من دمار، وخراب أيامَ علا في الأرض، وامتد ملكه، والذي اشتط في عنفوانه، وجبروته، وصلفه، واستكباره، فقال:(أنا ربكم الأعلى)، وما حدث كذلك من النسوة مع سيدنا يوسف ـ عليه السلام ـ وما كان من عزيز مصر إلا أن ألقى به في قعْر سجنٍ مظلمة، استمر فيه لسنواتٍ مظلومًا، رغم طهارته، وعلمه، وعفته وطاعته، ورؤيته الكريمة لمجتمعه، فكلها أمراضٌ اجتماعية كانت قد استشرت قبل ميلاده الشريف، حكاها لنا الكتابُ العزيز، وكان هناك كسرى هذا الظالم، وشرفاتُ قصره التي ينبعث منها الطغيانُ، وعبادةُ النار هنا، وهناك، وهنالك، وتقديس الحيوانات، وعبادتها من دون الله، وغيرها من ضيق الفكر، وخراب الفهم، وانعدام الرؤية، ونقصان النظر، هنا ولد الرسول، وفي هذه الأجواء، فجاءت جلائل أنواره، وانتشرت سيرته، وراح في كل مكان سلوكه وهديه.

* جامعة القاهرة ـ كلية دار العلوم بجمهورية مصر العربية
Drgamal2020@hotmail.com

إلى الأعلى