الأحد 24 مارس 2019 م - ١٧ رجب ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / قراءة في مؤتمر (التجديد في الفتوى بين النظرية والتطبيق): مقاصد الإفتاء في الأمور العامـة وشؤون الدولـة (3 ـ 3)

قراءة في مؤتمر (التجديد في الفتوى بين النظرية والتطبيق): مقاصد الإفتاء في الأمور العامـة وشؤون الدولـة (3 ـ 3)

قراءة ـ علي بن صالح السليمي:
المؤتمر العالمي (التجديد في الفتوى بين النظرية والتطبيق) الذي عُقد بالعاصمة المصرية (القاهرة) خلال الفترة من 16 الى 18 أكتوبر 2018م اشتمل على عدد من المحاور وأوراق العمل الهامة.
ومن ضمن ما قُدِّم خلال المؤتمر كانت لنا هذه القراءة في بحث بعنوان:(مقاصد الإفتاء في الأمور العامة وشؤون الدولة) لسعادة الشيخ أحمد بن سعود السيابي ـ الأمين العام بمكتب الافتاء.
وثانياً ـ لا جوار ولا أمان إلاّ للإمام: الجوار هو العهد والأمان والإنقاذ، ويعني ذلك أن ولي الأمر (الحاكم) هو المخوّل في إعطاء الأمان والجوار لمن كان مطلوباً من الدولة لأسباب أمنيـّة، وهذه القضية يتجاذبها دليلان، الأول: إنه عندما أخلت قريش بالهدنة التي بينهم وبين رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وأدركوا خطورة ذلك أرسلوا أبا سفيان لتجديد الهدنة مع النبي (صلى الله عليه وسلم)، ولمــّا وجد صدوداً منه ـ عليه الصلاة والسلام ـ استجار ببعض كبار الصحابة فلم يكن لهم ليجيروه، حتى لجأ إلى فاطمة الزهراء بنت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ليستجير بابنها الحسن بن علي بن أبي طالب الذي كان طفلاً صغيراً قائلاً لها: هل لك أن يجير ابنك هذا فيكون سيد الناس إلى آخر الدهر؟ لكنها أجابته قائله ما بلغ هذا أن يجير بين الناس، وما يجير أحد على رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وصار قولها هذا قاعدة فقهية، أنه لا جوار ولا أمان إلا للإمام، والثاني: حديث:(المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم ويردّ عليهم أقصاهم وهم يد على من سواهم ..) الحديث، وبأن النبي (صلى الله عليه وسلم) أمضى جوار أم هاني بنت أبي طالب أثناء فتح مكة قائلاً:(قد أجرنا من أجرت يا أم هاني)، كما أجارت زينب بنت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) زوجها أبا العاص بن الربيع وكان مشركاً، فأمضى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) جوارها وأمانها، قائلاً: إنه يجير على الناس أدناهم، وقد ناقش الفقه الإباضي هذه المسألة عندما أجار أبو الوضاح وهو والي الإمام الجلندى بن مسعود آل الجلندى على إبرى المدينة العمانية المعروفة، حيث أجار الوالي أناساً كان الإمام قد أهدر دماءهم، وقال الإمام: لا جوار لهم عندي ولا أمان دون الإمام، وأمر بقتلهم، فقتلوا، وقد أثار ذلك جدلاً فقهياً حتى رفع الموضوع إلى إمام المذهب ومرجعه آنذاك أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي في البصرة بالعراق ومن معه من مشايخ المذهب، فكان جوابهم أن لا إمان دون الإمام، وفي رأيي: أنه إذا كان قد سبق في ذلك حكم قضائي فلا جوار ولا أمان إلاّ للحاكم، وأما إذا لم يسبق فيه حكم فإنه من الجائز إعطاء الأمان والجوار من سائر المسلمين بشرط إمضاء الحاكم إياه، والقصد من ذلك استتباب الأمن والإستقرار في المجتمع، وحتى لا يكون هنالك افتئآت على الحاكم والحكم والقضاء.
وثالثاً ـ إن قتلته وإن تركته فواسع لك: معاملة الأسرى في الإسلام تبدأ من أسرى معركة بدر الكبرى، حيث كان الأسرى سبعين من أهل مكة، فشاور فيهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فأشار إليه أبو بكر الصديق بقوله: قومك وأهلك لعلهم يتوبون، وخذ منهم فدية تقوّي بها أصحابك على العدو، وأشار إليه عمر بن الخطاب قائلاً: اقتلهم فإنهم أئمة الكفر، كذّبوك وأخرجوك، وقد أغناك الله عن فدائهم، وأشار إليه عبدالله بن رواحة قائلاً: أضرم عليهم ناراً في واد كثير الحطب، فأخذ النبي (صلى الله عليه وسلم) برأي أبي بكر الصديق ، وأخذ منهم الفداء، فنزل قول الله تعالى:(مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ اللّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (الأنفال 67 ـ 68)، وبعدها صار أمر الأسرى إلى الحاكم باعتباره ولي الأمر ولذلك قال علي بن عزرة السامي الأزكوي، وهو أحد علماء عمان للإمام الوارث بن كعب الخروصي في أمر القائد العباسي عيسى بن جعفر، إن قتلته فواسع لك، وإن تركته فواسع لك، وكان عيسى بن جعفر بعثه الخليفة هارون الرشيد على رأس ستة آلاف مقاتل لغزو عمان، فدارت معركة بينهم وبين العمانيين بقيادة مقارش بن محمد اليحمدي والي صحار، في منطقة (حتى) فهزم الجيش العباسي، وأسر قائده عيسى بن جعفر، وسجن في حصن صحار، فشاور الإمام الوارث بن كعب العلماء في قتله أو إطلاقه فقال له: علي بن عزرة ـ ولعله كان في مقدمة العلماء ـ إن قتلته فواسع لك، وإن تركته فواسع لك، والقصد من تفويض ولي الأمر (الحاكم) في تقرير مصير الأسرى باعتباره رأس هرم السلطة في الإسلام، وحتى لا يكون هنالك اختلاف، ولا افتئآت على ولي الأمر، لأن قراره بعد التشاور حكم حاسم للخلاف.
ورابعاً ـ درء الحد بالشبهة: الحد في اللغة: هو المنع، ومنه سمّي البواب حداداً، لأنه يمنع من الدخول، وفي الشرع: اسم لعقوبات مخصوصة مترتبة على أسباب معلومة، سميت بذلك لأنها تمنع العاصي غالباً من العودة إلى تلك المعصية التي حدّ عليها، وتطلق الحدود أيضاً على مطلق الأحكام التي حدّها الله لعباده ومنعهم من مجاوزتها وذلك معنى قوله تعالى:(وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (البقرة ـ 229)، والشبهة: هي في كون الشيء لم يتيقّن كونه حراماً أو حلالاً ، وهي في الفعل ، ما تثبت بظن غير الدليل دليلاً، وفي المحل، ما يحصل بقيام دليل ناف للحرمة، وفي الحديث:(ادرأوا الحدود بالشبهات) وهو وإن كان لا يخلو من ضعف إلاّ أن الأمة عملت به، لأنه رواه عدد من أئمة الحديث من طرق عدة، وقعّد منه الفقهاء قاعدة (درأ الحدود بالشبهات)، وذلك إذا كان اللفظ غير صريح أعتبر شبهة، فيحمل على المعنى الخفي فاللفظ الذي يوجب به الحد، واحتمل حمله على معنى آخر فإنه يسقط به الحد ولا يحمل على ظاهره، قال أبو مالك غسان بن محمد بن الخضر الصلاني الصحاري: إن قال رجل لرجل : يا نغل ، فهذه لفظة تنصرف إلى غير القذف، فقد يكون نغلاً في الفعل، يقال يناغل في فعله، وقيل في مخنــّث، إنه لا يحد، لأن التخنث في اللغة هو عطف الشيء ولينه، والحد يدرأ بالشبهة، ومن ذلك ما وقع في نزوى على عهد الإمام سالم بن راشد الخروصي فإنه سمع رجلاً يقول لرجل يا مخنث أو يا خنيث فأمر الإمام بإقامة حد القذف عليه، فعلم بذلك عامر بن خميس المالكي الذي كان رئيس القضاء والإفتاء، فقال للإمام: لا يعني قول الرجل له يا مخنث رميه باللواطة، وإنما قرينة الحال تدل على أن المراد الليونة والتكسّر، وذلك بقصد إثارة همته بالإسراع في تنفيذ المطلوب منه العمل به، لأن التخنث في اللغة (اللين والتكسّر) كما جاء في الرواية: إن النبي (صلى الله عليه وسلم) خنّث سقاء فشرب منه، أي: ألانه وعطفه، ويقال للطعام الفاسد (متخنث)، فأفتى المالكي الإمام بدرأ الحد لوجود الشبهة، وهناك رجع الإمام عن إقامة حد القذف على ذلك الرجل القائل، والقصد من الفتوى درء الحد بوجود شبهة في اللفظ وقرينة الحال، ولئن يخطىء الحاكم في العفو خير من أن يخطىء في العقوبة، ولأن إقامة الحد على المحدود لها تبعات نفسية واجتماعية وذلك هو المقصود من قوله تعالى:(وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ) (النور ـ 2).
وخامساً ـ في الزكاة: الزكاة ركن من أركان الإسلام الخمسة المعروفة، قرنها الله عزوجل بالصلاة حيث الآيات العديدة الآمرة بالصلاة والزكاة، وكذلك الروايات الصحيحة، ومن هنالك كان الواجب أن لا يسقط شيء من الأصناف المزكّاة عن من تجب عليهم الزكاة، لأنها صارت حقاً لمصارف الزكاة الثمانية الذين نصّت عليهم آية سورة التوبة:(إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (التوبة ـ 60).
وقد اختلف في مال الصبي هل فيه زكاة؟ أو بعبارة أخرى، هل على الصبي زكاة في ماله؟، ومن المعلوم أن الزكاة يتجاذبها أصلان هما: هل الزكاة حق في الذمة أم شريك في المال؟، فقد جرى تفريع مسائل وجوب الزكاة على هذين الأصلين، فمن رأى أن الزكاة حق في الذمة لم يوجبها على الصبي، لأن ذمته غير مشغولة، ومن رأى أنها شريك في المال، أوجبها عليه، على أن الاستقراء لفتاوى الفقه الإباضي يقودنا إلى ترجيح القول بالشراكة في المال، وإن كانوا يفرّعون القولين كليهما مع عدم الترجيح في الغالب على تلك التفريعات، والقول بالشراكة في المال، هو الذي أفتى به أبو سعيد الكدمي نيابة عن الإمام حفص بن راشد اليحمدي، ضمن أجوبة وفتاوى عنه في مسائل الزكاة، فقد قال: قلت وكذلك العمال لمال الغائب واليتيم، هل لهم أن يخرجوا زكاة الثمار من أموالهم على وجه الإحتساب؟، فإذا لم يجب للإمام فقد قيل: إن ذلك يجوز للشريك أن يسلّم زكاة المال من مال الغائب واليتيم إلى الفقراء، أو إلى الإمام، ولو لم يجب ذلك في الحكم.
واختتم سعادته بحثه بقوله: إن القول بوجوب الزكاة في مال اليتيم هو الذي رآه أبو محمد ابن بركة، فقد قال: إن الزكاة فيها معنيان، أحدهما، حق واجب على الأغنياء، وثانيهما، حق لمن وجبت لهم، فزوال الخطاب عن الأغنياء لم يكن مبطلاً لما وجب في المال، وقد أطال الاحتجاج لهذا المعنى، ويرشح من كلامه هذا أيضاً كون الزكاة شريكاً في المال، والمقصد من هذا عدم تعطيل الزكاة، حتى يتعاون الأغنياء والفقراء، ويحصل التكافل في الإسلام، لأن الزكاة شرعت لإذهاب السخائم والأحقاد من الفقراء ضد الأغنياء، إذ ليس من الحكمة ولا من مقاصد الشريعة أن يكون هناك صبي تتكدس عنده الأموال، وهناك من تجب له الزكاة لا سيما إذا كان فقيراً أو مسكيناً ليس عنده ما يسدّ به رمقه، ويدفع ضنك العيش.

إلى الأعلى