الأربعاء 12 ديسمبر 2018 م - ٤ ربيع الثانيI ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / مخيم اليرموك العائد لمواطنيه

مخيم اليرموك العائد لمواطنيه

علي بدوان

لقد لاقى القرار الرسمي السوري بشأن مخيم اليرموك، ارتياحا عاما لدى عموم قطاعات الشعب الفلسطيني، ولدى السلطة الوطنية الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية وعموم القوى والفصائل الفلسطينية، التي تحتفظ الآن بمراكزها ومواقعها ومقراتها داخل مخيم اليرموك. فالمصادر الفلسطينية العليا قد رحبت بالقرار السوري..

قريبا جدا، سيعود مخيم اليرموك كما كان عاصمة للشتات الفلسطيني، وعنوانا لحق العودة، وموئلا لحركة التحرر الوطني للشعب العربي الفلسطيني كما كان منذ انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة فجر الأول من كانون الثاني/يناير 1965. فالقرار السوري الأخير بإعادة كل مواطني اليرموك من سوريين وفلسطينيين إلى منازلهم، والعمل من قبل الجميع بما في ذلك منظمة التحرير الفلسطينية ووكالة الأونروا على إعادة تأهيل مخيم اليرموك، والسعي لإعمار الجزء المُدمر منه، خطوة جيدة جدا، أهالت التراب على تنبؤات الذين قالوا بأن مخيم اليرموك “قد انتهى كجغرافيا وكعنوان فلسطيني ساطع في مسيرة الثورة المعاصرة”، وأن الخطط القادمة “تقتضي مسحه من الوجود، وإخضاعه لعملية تنظيم عمراني جديدة تنهي وجوده وماهيته كعنوان للشتات الفلسطيني”.
مخيم اليرموك، أكبر تجمع للفلسطينيين في الشتات على الإطلاق، حيث كان يضم قبل محنته نحو ربع مليون لاجئ فلسطيني، يُشكّلون نصف العدد الكلي لعموم لاجئ فلسطين في سوريا، الذين يقيمون بالبلد منذ لجوئهم القسري من فلسطين عام النكبة 1948، والآن حان موعد عودتهم إلى مخيم اليرموك بالرغم من حالة الدمار الكبيرة التي تسود شوارعه وحاراته وأزقته وعموم مؤسساته، فالشعب الفلسطيني الذي دعكته التجربة ومآسي المِحَن المُتكررة في حياته بعد النكبة قادر على تجاوز ما حلَّ به والعودة لإعادة إعمار مخيم اليرموك، وعموم التجمعات الفلسطينية التي طالها التدمير في مسارات المحنة العامة في سوريا كمخيم حندرات شمال مدينة حلب، ومخيم درعا في الجنوب السوري، ومخيم السبينة في الريف الجنوبي من غوطة دمشق…
وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) رحبت بإعلان دمشق بالموافقة على عودة أهالي ومواطني مخيم اليرموك، والسماح بإعادة اللاجئين الفلسطينيين المقيمين فيه، وهو ما دفع بالوكالة لمناشدة الدول المانحة لتقديم الدعم المالي والعيني لها لتتمكن من تقديم الخدمات اللازمة لمجتمع لاجئي فلسطين، خصوصا وأن نحو 75% من منشآتها في مخيم اليرموك والبالغ عددها (32) منشأة، قد طالها الدمار شبه الشامل، ومنها المدارس والمستوصفات ومراكز التأهيل والإغاثة الاجتماعية. وكانت وكالة الأونروا وفي بيانٍ لها دعت المجتمع الدولي فور صدور القرار السوري بشأن مخيم اليرموك إلى “تقديم الدعم للأونروا للسماح للوكالة بتوفير الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية والتعليم للاجئين الفلسطينيين العائدين إلى اليرموك”. وأضافت في بيانٍ لها “هذا يُشكّل تحديا، فالمخيم مُدمر إلى حد كبير وهناك حاجة للبلدية لاستعادة البنية التحتية الأساسية، بما في ذلك المياه والكهرباء والصرف الصحي من أجل السماح للناس بإعادة بناء حياتهم وسبل معيشتهم”.
لقد لاقى القرار الرسمي السوري بشأن مخيم اليرموك، ارتياحا عاما لدى عموم قطاعات الشعب الفلسطيني، ولدى السلطة الوطنية الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية وعموم القوى والفصائل الفلسطينية، التي تحتفظ الآن بمراكزها ومواقعها ومقراتها داخل مخيم اليرموك. فالمصادر الفلسطينية العليا قد رحبت بالقرار السوري، غداة إعلان دمشق على لسان نائب وزير خارجيتها فيصل المقداد “أن السلطات السورية أعدت خطة لإعادة جميع اللاجئين الفلسطينيين الذين كانوا يقطنون في اليرموك إلى المخيم الذي دمرته سنوات طويلة من الحرب”. خصوصا وأنه أشار أيضا إلى أن “لا مانع في أن يكون هناك دور للسلطة الفلسطينية أو منظمة الأونروا في إعادة إعمار مخيم اليرموك”.
إنَّ المطلوب الآن من جميع الجهات الفلسطينية المعنية من قوى وفصائل رفع درجة الاهتمام والتفاعل مع الناس ومساعدتهم في مسار عودتهم لمخيم اليرموك، ونقل ثقلها وكافة مراكزها لليرموك كما كانت قبل المحنة، وتعزيز نشاطها اليومي، وخصوصا في جوانبه المتعلقة بالعمل الاجتماعي والإغاثي العام. كما ويترتب على السلطة الوطنية الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية التحرك على مستوى الأمم المتحدة والدول المانحة، لحث الدول المانحة لرفع مستوى دعمها على ضوء الموقف الأميركي من الوكالة وقطع الدعم المالي عنها وتجفيف مواردها. كما في التحرك المتوقع لدفع الدول المانحة لتقديم تبرعات إضافية للوكالة لإعادة إعمار منشآت الوكالة في مخيم اليرموك، وخصوصا المدارس والمستوصفات ومركز دعم الشباب، وهيئات العمل الإغاثي والتنموي، فضلا عن ضرورة استمرار تقديم المنح المالية، والعينية الغذائية وغيرها، الدورية لعموم لاجئي فلسطين في سوريا، وزيادتها في ضوء الوضع الاقتصادي الصعب لعموم الناس من أبناء فلسطين في سوريا.
إن المعلومات المتوفرة، والمشاهدات العينية التي رافقها كاتب هذه السطور في مخيم اليرموك، تؤكد أن وكالة الأونروا قد بدأت فعليا بالسعي لتحديد أوضاع مؤسساتها في اليرموك تمهيدا لتقديم تصوراتٍ للمرحلة التالية من اعادة بناء المُدمر منها. فالمدير الإقليمي للوكالة في سوريا (محمد عبدي أدار) دخل إلى اليرموك برفقة فريق أممي ومحلي من الوكالة، وأعلن عن تشكيل لجنتين فنيتين من الوكالة لتقدير تلك الأضرار. وأشار للاستعدادات التي تجريها الوكالة لجهة إحياء مؤسساتها وخصوصا قطاع التربية والمدارس العائدة لها، على ضوء المؤشرات القوية التي تُبَشّر بعودة متدرجة لعموم المواطنين إلى مختلف المربعات غير المتضررة والأقل ضررا في المخيم، حيث يُمكن للوكالة مبدئيا بدء العام الدراسي للعام التالي في مدارس بديلة بدوامٍ نصفي بالجوار من مخيم اليرموك إلى حين الانتهاء من اعادة إعمار ما تم تدميره.
أخيرا، لم يكن تدمير مخيم اليرموك بعيدا عن كل محاولات المس بحق العودة للاجئ فلسطين الذين يشكلون أكثر من نصف التعداد العام للشعب العربي الفلسطيني، ولم يَكُن بعيدا أيضا عن المساعي التي تبذلها بعض الأطراف الدولية النافذة ومنذ سنوات طويلة لتفكيك وإنهاء عمل وكالة الأونروا وإحالتها على التقاعد، وبالتالي السعي لشطب قضية العودة التي تشكّل جوهر القضية الوطنية التحررية العادلة للشعب العربي الفلسطيني.
مخيم اليرموك الجريح والمكلوم، بأهله وناسه، وبنيانه، وحجارته، وجدرانه المُهدمة، وبخربشات الأطفال ورسوماتهم، ينهض الآن من جديد، والعار سيلاحق من سعى لتدميره، سيلاحقهم زمانا ومكانا، سيلاحق من حاول إنهاءه واجتثاثه، وجعله نسيا منسيا.

إلى الأعلى