الأربعاء 12 ديسمبر 2018 م - ٤ ربيع الثانيI ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / “جيش أوروبا!”… ماذا تقول؟

“جيش أوروبا!”… ماذا تقول؟

أ.د. محمد الدعمي

قد يكون وقع هذه الألفاظ غريبا على أذنك، أخي القارئ، إلا أن هناك من المبررات الكثير مما أتوقعه من إعلانات فرنسية وألمانية، وإيطالية، بل وحتى بريطانية، تدعو إلى تحرير دول الاتحاد الأوروبي التي تحولت المظلة النووية الأميركية من سبب اطمئنان وشعور بالاستقرار بالنسبة إليها، إلى عبء ثقيل لا بد من التخلص منه! وهكذا..

لم تعد خلافات حكومات الدول الأوروبية مع إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بخافية على القاصي والداني: فهي تتجسد في انسحاب الإدارة الأميركية من عدد من المنظمات الدولية المشتركة، وفي ضغط، بل وإيقاف الإنفاق على برامج مشتركة، وأهمها تغطية تكاليف بقاء وتواصل حلف شمال الأطلسي، “الناتو”، ناهيك عن آخر كلمات ترامب المميتة لهذه الصلات العتيقة، متمثلة بالتعريفات الجمركية التي تفرضها وستفرضها الحكومة الأميركية على وارداتها المستوردة من دول الاتحاد الأوروبي، مع ما وافق ذلك من إجراءات أطلق البعض عليها عنوان “الحرب التجارية”، مبررين.
لذا، لا ينبغي أن يستغرب المراقب الفطن أن تعمل دول أوروبا جاهدة على تحرير رقبتها من نير الهيمنة الأميركية التي لم تكن لتكون لولا هزيمة ألمانيا النازية، وبعد أميركا الجغرافي عما ألحقته الحرب العالمية الثانية بأوروبا الغربية من ويلات وخراب ودمار.
بيد أن الأخطر الذي يشم الزعماء الأوروبيون رائحته بتوجس وخوف بائنين، إنما يتمثل في مطالبة الرئيس دونالد ترامب بمقابل نقدي لما أتاحته المظلة النووية الأميركية من حماية لأوروبا الغربية طوال عقود الحرب الباردة بين المعسكرين الغربي والشيوعي، ناهيك عن بقاء الوجود العسكري الأميركي في أوروبا حتى اللحظة على حافات الاتحاد الروسي الذي قد يتهدد دول أوروبا في أية لحظة، كما حدث لحظة اجتياح القوات الروسية شبه جزيرة القرم على حين غرة قبل بضع سنوات.
هذه هي الدوافع والإرهاصات التي حدت الرئيس الفرنسي الشاب، “إيمانويل ماكرون”، إلى الدعوة الصريحة، ولأول مرة بعد نهاية الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة، إلى تأسيس “جيش أوروبا”، لحماية “القارة العجوز” من أي تهديد محتمل من الصين وروسيا، بل وحتى الولايات المتحدة الأميركية!
قد يكون وقع هذه الألفاظ غريبا على أذنك، أخي القارئ، إلا أن هناك من المبررات الكثير مما أتوقعه من إعلانات فرنسية وألمانية، وإيطالية، بل وحتى بريطانية، تدعو إلى تحرير دول الاتحاد الأوروبي التي تحولت المظلة النووية الأميركية من سبب اطمئنان وشعور بالاستقرار بالنسبة إليها، إلى عبء ثقيل لا بد من التخلص منه! وهكذا، يتقلب مسار التاريخ، رأسا على عقب، في أحيان كثيرة، خصوصا وأن زعماء دول الاتحاد الأوروبي يشعرون بأنهم لا يمكن أن يبقوا شعوبهم ومستقبلها على “كف عفريت”، عفريت يصعب التكهن بما سيفعله في أية لحظة. وإذا كانت هناك أصوات أوروبية داخلية تحاول تذكير الولايات المتحدة بتحالفها العسكري مع مغامرات واشنطن هنا وهناك، فإن هذه “التذكيرات” لا يبدو بأنها ستكون فاعلة مع إدارة أميركية باقية لما لا يقل عن عامين آخرين على سدة الحكم، وهي إدارة تريد أن “تقبض” مقابلا ماديا حيال كل ما يمكن أن للولايات المتحدة أن تقدمه. لذا، لا تكون إشارة “ماكرون” بضرورة حماية أوروبا نفسها، كتلة، ضد أية قوة خارجية، حتى الولايات المتحدة، بإشارة مستغربة الآن.

إلى الأعلى