الثلاثاء 11 ديسمبر 2018 م - ٣ ربيع الثانيI ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / “ب ـ ب”

“ب ـ ب”

أ.د. محمد الدعمي

إذا كانت فرنسا، سوية مع ألمانيا، تحتفيان اليوم بالذكرى المئوية للحرب العالمية الأولى كصوت للتحذير من النزعة الجرمانية الآرية العنصرية التي أطلقت كلتا الحربين الأولى، والثانية، فحري بنا أن نتذكر كيف كانت بلداننا الغنية وشعوبها تشكل مكافآت المنتصرين الأوروبيين، كي نحتاط دائما من أطماع الكبار!

لم يغادر باني الوحدة الألمانية، بسمارك، المستشارية (أعلى سلطة في ألمانيا)، إلا بعد أن أوصى من تلاه من القادة على قدسية المحافظة على الوحدة، وضرورة صيانتها: فقد دعا بسمارك إلى عدم التورط فيما أطلق عليه بــ”وليمة الكولونيالية”، والتوسع الاستعماري عبر البحار، لأن في ذلك تهديدا لقاء الوحدة، للوحدة وإضعافا لها من الداخل.
بيد أن الذين تلوا بسمارك على سدة حكم ألمانيا الموحدة لم يقاوموا إغراء التوسع الاستعماري الذي سبقتهم إليه كل من بريطانيا وفرنسا، وقبلهما إسبانيا والبرتغال، فعرّضوا الوحدة الألمانية للمخاطر ولعوامل التآكل بحربين عالميتين. وإذا كانت التحالفات والنزاعات الحدودية من أهم الأسباب الضاغطة التي أدت إلى اندلاع الحرب العالمية الأولى قبل مئة عام من يومنا هذا، فإن الأسباب المباشرة للشرارة الأولى للحرب قد قدحت من عملية اغتيال ولي عهد النمسا وهو في موكبه من قبل رجل صربي موتور.
ولا ينبغي أن نتجاهل هنا مسببات فقدان بريطانيا أعصابها حال السماع بمشروع “سكة حديد ب/ب” أي برلين ـ بغداد الألماني، الذي شمت بريطانيا فيه تطلعات التوسع الكولونيالي الألماني على حسابها، خصوصا وأن ولاية بغداد (جزءا من الدولة العثمانية حقبة ذاك) كانت قد شكلت حلقة وصل أساس على طريق التاج البريطاني نحو أهم “ممتلكاته”، وهي جوهرته: شبه القارة الهندية. هذا بالضبط ما حدا بريطانيا على تأجيج العواطف ضد ألمانيا (المتحالفة مع الدولة العثمانية) التي لو كانت تمكنت من مد سكة الحديد هذه بين برلين وبغداد، فإن ذلك يعني تحسسها واستمكانها ألمانيا ما تبتطنه أرض ولايات العراق العثمانية الثلاث آنذاك(الموصل وبغداد والبصرة) من ثروات مبطونة تحت الأرض. وقد فعل هذا الخوف البريطاني الفرنسي فعله في مضاعفة تراكمات الخوف من ألمانيا كقوة كولونيالية محتملة، أي قوة يمكن أن تتمدد على مستعمرات لندن وباريس في آسيا وإفريقيا عبر البحار، ناهيك عن حقيقة المرارة الفرنسية على استذكارات استيلاء ألمانيا بسمارك بلعبة ذكية على إقليمي الألزاس واللورين عنوة منها.
وإذا كانت فرنسا، سوية مع ألمانيا، تحتفيان اليوم بالذكرى المئوية للحرب العالمية الأولى كصوت للتحذير من النزعة الجرمانية الآرية العنصرية التي أطلقت كلتا الحربين الأولى، والثانية، فحري بنا أن نتذكر كيف كانت بلداننا الغنية وشعوبها تشكل مكافآت المنتصرين الأوروبيين، كي نحتاط دائما من أطماع الكبار!

إلى الأعلى