الجمعة 20 سبتمبر 2019 م - ٢٠ محرم ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / الثامن عشر من نوفمبر .. ملحمة وطنية تتطلب مشاركة كل العمانيين

الثامن عشر من نوفمبر .. ملحمة وطنية تتطلب مشاركة كل العمانيين

سعود بن علي الحارثي

سيظل الثامن عشر من نوفمبر يوما خالدا في الذاكرة العمانية وصفحة نقية بيضاء في تاريخ عمان، يقدم للأجيال دروسا عميقة في حب الوطن والإخلاص والتضحيات وقوة الإرادة وقدرات الانسان في التغلب على التحديات وصناعة المستحيلات لتحقيق التغيير والتقدم، ذلك لما أحدثه هذا اليوم الاستثنائي من طفرة تقدمية هائلة في كل مفصل من مفاصل الحياة في عمان، والتغلب على قساوة الأرض التي تتسم بالتنوع بين جبل وسهل ورمل وتناثر التجمعات السكنية على مساحات واسعة والانتقال بالشعب من الانغلاق إلى الانفتاح بما يحملهما المصطلحان من دلالات عميقة ومعاني عظيمة ويتضمنانه من لغة حية بالمفاهيم والمفردات وشرح وتوضيح وتفسير ومقارنات وأمثلة ونماذج واسعة من المشهد تطلب مجلدات من الكتابة وقناني من الأحبار، فلا نستغرب أن تواصل العقول ولادة وإنتاج النصوص المرتبطة بالثامن عشر من نوفمبر واستمرار هذا العطاء الفكري وجريان الاقلام بالكتابة فتمتلئ الصفحات البيضاء بمدادها، إنها بحق ملحمة وطنية تتطلب مشاركة كل مواطن في الاحتفاء والفرح بها والمساهمة في تنظيم فعالياتها والتفاعل معها بكل الجوارح والمشاعر الإنسانية، جرت هذه العبارة على لساني في لحظة تفكير وتنشيط للذاكرة استعدت خلالها مشاهد الاحتفال بهذا اليوم المجيد عبر الثلاثين سنة الأولى من عمر النهضة المباركة، عندما كنا نتوجه إلى استاد الشرطة في الوطية الذي تم افتتاحه في عام ١٩٧٦ ليستوعب حينها ١٣ ألف إنسان، وميدان الفتح بعد ذلك في بوشر، الذي أخذ مكان الأول في تنظيم احتفالات العيد الوطني قبل الانتقال بها إلى ميدان بوشر الرياضي، والتي ارتبطت ارتباطا وثيقا بالعرض العسكري في اليوم الأول الذي يلقي فيه سلطان البلاد خطابه التاريخي بهذه المناسبة المجيدة، وعرض الطلبة في اليوم الثاني، وعرض الشرطة (التاتو) في اليوم الثالث، فما زلت أذكر مشاهد المواطنين – وكنت أنا وأفراد أسرتي من جملتهم بالطبع – وهم جماعات وفرادى، نساء ورجالا، أطفالا وشيبا، يخرجون في مشهد مهيب ومعبر من المساجد بعد صلاة الفجر مباشرة ومن منازلهم متجهين إلى الوطية من مناطق روي والوادي الكبير والحمرية والولجة ودارسيت وغيرها من المناطق – التي تكون كذلك قد استقبلت إلى جانب من يسكنون فيها أعدادا كبيرة من المشايخ والرشداء والأسر والأفراد من كافة محافظات وولايات السلطنة للمشاركة في أعياد عمان – كثير منهم يصل إلى الميدان مرتجلين وقليل من يستخدم السيارات التي كانت ما تزال محدودة ومعظم المواطنين لا يمتلكون سيارة وبعضهم فضل المشي تجنبا للازدحام وقلة المواقف، وعدد من السيارات يركنها أصحابها بعيدا عن مكان العرض ويقطعون المسافة منها مشيا، عموما كانت تلك المشاهد تعبر عن ارتباط العمانيين بالمناسبة فالعيد عيد عمان وشعبها، وفرحتهم وسعادتهم غامرة وعفوية بالمشاركة والحضور، ويقينهم الراسخ بأن المسؤولية والواجب وقيم الوطنية جميعها تدعوهم لتلبية النداء والاستماع إلى خطاب القائد وما يتضمنه من محاور مهمة تعرض لمنجزات النهضة وتحديات المرحلة والتأكيد على أن ازدهار ورخاء الإنسان هو هدف التنمية ومحورها وتبرز فلسفة القائد ورؤيته واستشرافه للمستقبل على ضوء قراءته العميقة للحاضر، ويحدث اضطرارا أمام الحشود الهائلة من المواطنين المشاركين في فعاليات العيد إغلاق أبواب الميدان الذي يحتضن المناسبة لعدم قدرته على الاستيعاب …. وكانت منازل المواطنين ومقار المؤسسات والشركات والبنايات العالية تلتحف العلم الوطني وكل أشكال الزينة وانتقاء النصوص الشعرية والأدبية المعبرة عن الفرح والولاء والحب والعرفان، وتعم الأفراح ولايات السلطنة وتنظم الأندية والجمعيات ومبادرات المجتمع الكثير من الأنشطة والفعاليات الثقافية التي تقدم المناسبة في أبهى صورها … وقد اختفت او تكاد هذه المشاهد الجميلة تدريجيا من الصورة لأسباب عديدة، واقتصرت الاحتفالات الرسمية البسيطة على عدد محدود جدا من رجالات الدولة والمسئولين والشخصيات الاجتماعية، واختفت أو تراجعت كثيرا الاحتفالات والانشطة المصاحبة التي يفترض ان يشارك فيها أكبر عدد من المواطنين فالمناسبة وطنية بامتياز وتعني كل منتم الى الوطن، ويجب أن تظل دروسها ورسالتها وغاياتها حية نشطة في القلوب والوجدان حاضرا ومستقبلا، صحيح أن العماني بقي متمسكا وفيا مرتبطا بالمناسبة الوطنية الكبيرة التي إليها يعود الفضل لما بلغته عمان من مكانة رفيعة في ازدهارها وتقدمها وعلو شأنها ومكانتها الخارجية وسياساتها المتوازنة التي فرضت احترامها على العالم، ولكن وفي المقابل على اللجنة العليا للاحتفالات بالعيد الوطني، أن تستحدث فعاليات وأنشطة عامة للاحتفاء بالمناسبة وأن تشرك الأندية الرياضية ومؤسسات وجمعيات المجتمع المحلي والقطاع الخاص وغيرها في تقديم المبادرات والأفكار التي من شأنها أن تضمن مشاركة الجميع في المناسبة الوطنية، لا أن تقتصر على المدعوين من كبار المسئولين والشيوخ، فالمناسبة شعبية بامتياز وينبغي أن تتجسد أفراحها في كل بيت ومبنى وقرية ومدينة وفي قلوب الجميع شعورا وممارسة ..

Saud2002h@hotmail.com

إلى الأعلى