السبت 15 ديسمبر 2018 م - ٧ ربيع الثانيI ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / يا لها النفس البشرية.. بعض شؤون وشجون

يا لها النفس البشرية.. بعض شؤون وشجون

علي عقلة عرسان

شِقوة النفس، وطغيان رغائبها على إرادتها، تتسبّبُ في ضلالها، وفي اعتمادها التضليل مبدأ ونهجا ووسيلة وسبيلا.. الأمر الذي يفسِدها ويفسِد معاييرها وأحكامها وسلوكها ونظرتها للناس وللأمور، وينتج عن ذلك شقاؤها وإشقاء آخرين بها، وهلاكها والإهلاك بها.. وذلك يُشرعُ أبواب مَفاتكها – مقاتلها على مصاريعها، فيُسوِّغ لها الظُّلمَ، والطُّغيان..

يا لها النفس البشريةُ مِن عالم ثَري حَفِيٍّ، ظَاهرٍ وخَفيّ، ذي أنجادٍ وأغوار وأسرارٍ وإبهار.. ويا لها حقولها مِن مُسْتَنْبَتات خصبة، يُمْرِعُ فيها كلُّ ما يُبذَر فيها، أو ما تَتفتَّق عنه أرحامها وينتثِر فيها، وما تتنفسّه وتتشهَّاه ويُلقى إليها؟!.. وإذا كان ذلك ممَّا يُرغِّبُها ويغريها فيشوِّقها ويُمتعُها، أو مما يثيرها ويَشغلها فيُغويها ويُطغيها، أو كان ممَّا يهدِّدها ويستنفرها فيخيفها ويؤذيها.. فإن زرعها، في مثل هذه الحالات، يهيج كَزرعٍ فَتيٍّ مَرويٍّ خَضِل بهي، فيَتَشَمْرَخ ويتشابك، ويغطي الكثير من المَسالك والمَنافذ والآراء والرُّؤى، إلا تلك التي تكون موضع الرغبة والشهوة والطموح والخَشيَة.. فإنها تبقى سالكة، وذات حدود مفتوحة بالاتجاهين، ويصبح لها من القوة ما يكبُر ويَأسُر، وما يتباهى ويُباهي، فيعتدي ويُعادي.!!
ومعظم ما يصيب المَرءَ ويُصبيهِ أو يُضنيه، نابعٌ من نفسه، مُحتَضَن منها، أو مُستنبَت فيها مما يَأتيها.. وقد يؤسس ذلك لطغيانها وغطرستها، أو لنشوتها وهُيامها، أو إلى إقلاقها وإرهاقها، وإشقائها والإشقاء بها. فهناك في تلك الأعماق والكهوف والدهاليز المُعتِمَة الخَفيَّة المُخيفة، مُفاعلات سابقات، دَهْريا، على المُفاعلات النَّووية.. واختراعاتها وابتكاراتُها وصناعاتها من الأسرار، وذوات أخطار تهدِّدُ الآخرين بألوان من الصراعات والأضرار، وقد لا تضمن، بالضرورة، إنقاذ الذات.. فذاك النَّبت الذي في حقولها، حين يشتد عودُه ويهيج، ذو طموحٍ كبير وطلعٍ بَهيج، وحين تنداح ناره، فإنه حريقٌ مهولٌ ينتشر ويعربد، فيقهَر ويَصْهَر.. ويا طالما كانت النفس لَوّامة و”أَمَّارَةً بالسوء”، هذا إذا لم تُلجَم من عقل ذي حكمة، وضمير حيٍّ ذي سطوة، يحكُمان إرادة قوية راشدة، توجِّه وتردع، وتتبصَّر وتأمر بما ينفع.. إرادة يحكمُها إيمانٌ بالله، وبحق الآخرين في الحياة، وبحقوقٍ لهم فيها، مضمونة ومصونة.. فسبحان الذي سوَّاها، ﴿أَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾، ويا رحم الله الهُذَلِيَّ الكبير، أبا ذُؤيب، خالد بن خُويلد الذي جرَّبَ فعبَّر وأصاب إذ قال:
والنَّفْسُ راغبةٌ إذا رَغَّبْتَها وإذا تُرَدُّ إلى قَليلٍ تَقْنَعُ
على أن ليست كلُّ الأنفس مصدَر نِقمة، ودار عَتْمة، ينمو فيها الفِطر السام وينتشر، ويضّرُّ متناوليه من الأنام، وليست كلها مغاور ومفازات مُنهِكات مُهلِكات.. فهناك أنفُسٌ خيِّرَة تُهدَى إلى الخير والإيمان فتعمل بهما وتُهديهما، وهناك أنفسٌ يحكُمُها عقل وضمير يصبَّان في تيار الإيمان ونفع الإنسان.. فتكون تلك الأنفسُ مطمئنَّة إلى حاضِرها، ناظرة بثقة إلى مستقبَلها، عاملة لآخرتها، تعيش حياتها، وتؤول إلى ربِّها راضية مرضيَّة. والنفس المُطْمئنَّة تُراعي أمورا كثيرة، وتَبقى مسالكُها ونوافذُها مفتوحة على الواقع وعلى معظم الاحتمالات والوقائع، وفضاءاتها رحبة، يتسلَّل إليها الضَّوء، وقد يغمُرُها نورٌ من الله، “نور السماوات والأرض”، فلا تغفل عن ذكره جل جلاله، ولا تَفسُد ولا تُفسِد، ولا تُشقِي وقد لا تَشقى. وهي في أثناء تلقِّيها لما يَرِدُ عليها، وفي تفاعلها مع يستنفِرُ ويموج فيها، أو مع ما يُستَنبت في حقولها، ويُلقى في رحمها.. تبقى مشرئبة إلى السماء، تسأل بارئها الرحمة والهُدى واتباع الصراط المستقيم، وتسلك السلوك السويَّ الإنساني القويم، وترجوه سبحانه أن يرزَقها الرِّزق الحلال، ويعطيها حسن الفهم والتدبير والتفسير والتأويل، وأن يسخِّرها لنُصرة العدل والحق باقتدار وشجاعة، وتملك نَجاعة في العمل والتعامل: “فكريا وأخلاقيا، روحيا ونفسيا، مَعنويا ومَاديا”، في تواصلها وتفاعلها مع ما يَعرِضُ لها، وما يُعرَضُ عليها، وما يستنفِر فيها أو يستفزّها من الأمور والشهوات والانفعالات، وما يهيج من نَبتٍ في حقولها، مما يُلقَى في تلك الحقول وينمو فيها.. وهكذا تبقى، نسبيا، في راحة بال، تسعى وتَجهَد وتَجتهِد، لتتكامل فيها “العبادات والمعاملات” في أداء يضمن لها خير الدنيا والآخرة، وتأمل في أن تكون نفسا ضمن عِداد تلك الأنفس التي يشملها وعدُ الله سبحانه وتعالى في قوله الكريم: ﴿ يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ﴿٢٧﴾ ارْجِعِي إلى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً ﴿٢٨﴾فَادْخُلِي فِي عِبَادِي ﴿٢٩﴾ وَادْخُلِي جَنَّتِي ﴿٣٠﴾ – سورة الفجر.
وشِقوة النفس، وطغيان رغائبها على إرادتها، تتسبّبُ في ضلالها، وفي اعتمادها التضليل مبدأ ونهجا ووسيلة وسبيلا.. الأمر الذي يفسِدها ويفسِد معاييرها وأحكامها وسلوكها ونظرتها للناس وللأمور، وينتج عن ذلك شقاؤها وإشقاء آخرين بها، وهلاكها والإهلاك بها.. وذلك يُشرعُ أبواب مَفاتكها – مقاتلها على مصاريعها، فيُسوِّغ لها الظُّلمَ، والطُّغيان، والقَتلَ، والباطل، وارتكابَ الفواحش ما كبُر منها وما صَغُر، واستباحةَ الحُرُمات والمُحرَّمات، وكلَّ ما يؤدي إلى تحقيق رغائبها وشهواتها وغاياتها وأغراضها المتنامية بلا ضفاف، والممتدَّة بلا نهايات، فـ”الغاية عندها تبرِّرُ الوسلة”، ويكون حالها كحال جَهنم، يوم تُسأَلُ: “هل امتلأتِ.. فتقول هل من مزيد؟!”.
ويكاد المتنبي، رحمه الله، أن يلخِّص ما يمكن أن يكون مَيلا غريزيا وطبيعة حاكمة، يتجلَّيان في نظرة النفس وحُججها ومنطقها، وفي ما يزَيِّنُ لها حالها وأفعالها، في تَسيالِها، ذاك التَسيال العنيف، وفي اتباعها المسلك المُخيف.. إذ قال:
والظّلم من شِيم النفوس، فإن تَجِدْ ذا عِفَّةٍ، فَلِعلَّة لا يَظْلِمُ
والنفس تُهين ذاتَها في حالات، وتكرم ذاتَها في حالات.. ومما يُنهكُها ويُضنيها ويجعلها تذوي وتذبُل، ما يمكن أن ندرجه في مدرجين ذوي مصدرين: ذاتي ينحصر فيها ويتوجه إلى الآخرين، ويساهم الاكتسابُ دورا في تكوينه.. وخارجي يتداخل فيه ذاتيُّ النفس الخاص الخالص، المتصل بطبيعة التكوين البشري، مع خاررجيها الآتي من “آخرين”، تتعْلَقُ بهم الذَّاتُ أو يعلَقون بها فيتعلقونها، وتكون بينها وبينهم تفاعلات إيجابية وسلبية، هي من طبيعة الحياة وظروف التكوين الاجتماعي، والعيش جماعة.. ولا تخلو من انعكاسات في اتجاهات مختلفة.. وذاك مما تفرضه مكونات وضرورات منها: الجنس، والمحافظة على النوع، وظروف الحياة، والبيئة، وضرورات العيش جماعة، في مجتمع ذي أعراف وعادات وتقاليد.
أمَّا ذاتيُّ النفس الخالص أو شبه الخالص، فمنه: “الكِبْرُ، والغرور، والتطرف، والتعصب، والطمع، والجشَع، والحسد، والحقد، والكراهية، و..”ويرتَدُّ ذلك على الآخرين”.. ومن ذلك الذاتيِّ ما ينحصر ارتداده فيها وانعكاسه عليها، إذ تحاصر ذاتَها وذويها، بضائقات تضيِّق أبواب العيش، مثل “التقتير والبخل والشُّحِّ، و..”، وما يدخل في باب من أبواب ما حذَّرنا اللهُ منه بقوله: ﴿ فَاتَّقُوا اللَّـهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْرًا لِّأَنفُسِكُمْ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿١٦﴾ – سورة التغابن.
وأمَّا خارجيّها المُتداخل مع ذاتيِّها، والمُتفاعل معه تفاعلا يكاد يكون عضويا، وما يرتبط منه بآخرين، أو ينعكس عليهم وعلى الذات بسببهم، فمنه: “الحب، والعشق، والهيام، والهياج العاطفي والغريزي والجنسي، والشَّهوة، والشَّبَق، و.. وما هو من جنس ذلك وصنفه، وما يدخل في حُكْمه..”. وطغيان هذا النوعِ، أو طَفرَاته وهِياجُه، أو تحكُّمه وغلوّه.. ذو حدَّين نقيضين، تجمعهما لُحمةٌ، تكاد تشبه ما يُسمَّى في التراجيديا “وَحدة الأضداد”، وهو يفرز النقيضين ويجعلهما في “قَرَن”، يُستطاب عذبُه وعذابه، ولا يمكن الفَكاك من نيره.. فهو “يُشفي ويُمتِع ويروي ويبهِج ويعطي للحياة، بنظر المَرء، ألوانَ قوس قزح..”، هذا من جانب، وفي علاقات وحالات وأوقات.. وهو، من جانبٍ آخر، “يُشقي ويؤلم ويُمرِض ويُظمي ويُضني، ويُدخل المَرءَ في المأساة، ويُلبِسُه السواد، ويجعل الحياة بنظره ضيقا وضائقات وظُلمات.. حتى أنه ليقتُل الذات وموضوعَ حُبِّها، “ومن الحُبِّ ما قَتَل”؟! على الرّغم من تسأُل الخطَفيّ جرير في سؤال هو العلم والخبر، إذ يقول:
ألا أيها النُّوَّامُ ويلكمُ هبوا
أُسائلُكُم هل يَقتلُ الرَّجلَ الحُبُّ؟!
ولكن القتل، القتل مرة واحدة، أهون من أن يُقتَل المَرءُ “حبا أو تعذيبا”، مراتٍ ومراتٍ في كثير من الأحوال والأوقات، بسبب الشدائد والمواقف والعواطف والمعاناة، وأن تتساقط نفسُه أنفُسا، كما قال امرئ القيس بن حجر:
فَلَو أَنَّها نَفسٌ تَموتُ جَميعَةً
وَلَكِنَّها نَفسٌ تُساقِطُ أَنفُسا
وتلك حال تنطبق على قيس بن الملوح، مجنون ليلى، الذي أرى أن أكتفي بالتوقف عند حاله وأهواله، عند رؤاه ومعاناته ومصيره، من جراء ما وضعته فيه نفسه.. لأن المَجال هنا لا يتسع للتوقف عند حالات أنفس وأحوالها، في كل ما سبقت الإشارة إليه من حالات أنفس بشرية. وأرى في ابن الملوح نفسَ مُحبٍّ، قد يكون هو الأنموذج الأشهر بين شعراء العربية، من الذين ابتلوا بهذا النوع من الابتلاء.. فقد ملكته نفْسُه، وملك الحبُّ الجارف نفْسَه، فوصف ذاته، أو عبَّر عنها خير تعبير، إذ قال:
فلي قلبُ محزونٍ وعقلُ مُدَلَّهٍ
ووحشةُ مهجورٍ وذُلُّ غريبِ
وآل أمرُه إلى الوبال وسوء الحال، وسكن الصحراء مع الطير والوحش، وكان البؤسَ والشجونَ والجنون.. وقد نستشفُّ بعض رأيه ومصابه وأوضاعه، وبعض فنون الجنون الذي صار إليه، وصدق تعبيره مع سلاسة لفظ وسحر بيان، من خلال مقتطفات من شعره، تكاد تقدم مراحل من حياته ومعاناته، منذ بدأ يشعر بدبيب الحب بين جلده وعظمه، “وأيُّ فتى مِن عِلَّة الحُبِّ يَسلَمُ”؟! وأخذ يترنَّح تحت وطأة الرقابة والتهديد، والحرمان ممن يحب، فيسأل ويعترض:
أَحقا عبادَ الله أنْ لستُ واردا
ولا صَادرا، إلّا علَيَّ رقيبُ
ولا خيرَ في الدنيا إذا أنتَ لم تزُر
حَبيبا، ولم يطرَبْ إليكَ حبيبُ
إلى أن أصابه الجنون.. وتوفاه الله في البراري والقفار، بين الرَّمل والحَجَر:
وسوف أقدم تلك المُقتطفات ذات الدِّلالَة، في تتالي مراحل أو أوضاع أو تبيان أحوال ورؤى مرَّ بها، مما يشير إلى بيانه في تعبيره عن حاله وآماله.
١- يقول قيس، في وصف حبه لليلى العامرية، وفي تَبيان أحواله مع أهلها وأهله، وفي التعبير عن أحواله وآماله، وعن تَسيال وديان شجونه دموعا تهطل من عيونه، وكلها حالات نفس في تدلُّهِها وتحولاتها:
أنيري مكان البدرِ إن أَفَلَ البدرُ
وقومي مقامَ الشمس ما استأخَر الفَجرُ
ففيكِ من الشمسِ المُنيرةِ ضوؤها
وليس لها منك التبسُّم والثَّغرُ
وفي تنزيهها وتساميها، وترفعه وتساميه قال:
إن التي طرقَ الرِّجالُ خيالَها
ما كنتُ زائرها ولا طرَّاقها
وقال:
ولو خُلِطَ السمُّ الزُّعافُ برِيقها
تمصَّصْتُ منه نَهلةً ورويتُ
وقال:
ألا أنَّ أدوائي بلَيلى قديمةٌ
وأَقتَلُ داءِ العاشقين قديمُها
وحين مُنِع من اللقاء بها، ومن زيارة حَيِّيها، قال:
وإني وإن لم آتِ ليلى وأهلَها
لباكٍ بُكا طفلٍ عليه التَّمائمُ
وقال:
تداويتُ من لَيلى بلَيلى على الهوى
كما يَتداوى شاربُ الخمرِ بالخمرِ
وقال:
الحبُّ والعشق سِيطا من دمي لهما
فأصبحا في فؤادي نابتين معا
وزادني كَلَفا في الحب أن مُنِعَت
أحبُّ شيءٍ إلى الإنسان ما مُنِعا
وقال:
أَتُضْرَبُ لَيلى إن مَررتُ بذي الغَضى
وما ذنب لَيلى إن طوى الأرضَ ذيبُها
وصار إلى الوَلَه وبعض التضعضع النفسي بعد هذا، وإلى التماس ما يعوضه عن الواقع في بدائل من الخيال والتخييل.. ومما قاله في هذا:
وأخرج من بين البيوتِ لَعلَّني
أحدث عنكِ النفسَ بالليلِ خاليا
أراني إذا صَليتُ يممتُ نحوَها
بوجهي وإن كان المُصَلَّى ورائيا
وما بيَ إشراكٌ ولكنَّ حبَّها
وعُظمَ الجوى أعيا الطبيبَ المُداويا
وإني لأَسْتَغشي وما بي نَعْسَةٌ
لعلَّ خيالا منك يلقى خيالِيا
هي السحرُ إلا أن للسحر رُقية
وإنيَ لا ألقى لها الدهرَ راقيا
وقال:
أليس الليلُ يجمعُني ولَيلى
كفاكَ بذاك فيه لنا تَداني
ترى وضحَ النهارِ كما أراه
ويعلوها النهارُ كما عَلاني
وتردَّى وضعه أكثر فأكثر، فصار إلى الحنين والشوق بلا أمل، وإلى الشجن بلا ضفاف، وإلى التماس العزاء ولا عزاء، وإلى رؤية النهاية أو تمنِّيها.. ومما يشي بذلك أو يعبر عنه قوله:
يُضَعِّفني حُبيكِ، حتى كأنني
من الأهل والمال التَّليد نَزيعُ
وقوله:
عجبتُ لسعي الدَّهر بيني وبينها
فلما انقضى ما بيننا سَكنَ الدَّهرُ
فيا حُبَّها زِدني جَوى كلَّ ليلةٍ
ويا سلوةَ الأيام موعدُك الحشرُ
تكاد يدي تندى إذا ما لمستُها
وينبت في أطرافها الورَقُ النَّضرُ
فيا حبَّذا الأحياءُ ما دمتِ فيهم
ويا حبَّذا الأموات، إن ضمَّكِ القبرُ
وإني لتعروني لذكراك نفضَةٌ
كما انتفضَ العُصفورُ بلَّلَهُ القَطْرُ
فلو إنَّ ما بي في الحَصا فلَقَ الحصا
وبالصّخرة الصَّماء لآنصدعَ الصَّخرُ
ولو أنَّ ما بي في الوحوشِ لما رَعَت
ولا سَاغها الماءُ النميرُ ولا الزَّهرُ
وقوله:
تعَزَّ فإنِّ الدهر يجرحُ في الصَّفا
ويقدَح في العَصرَين في الجبل الوعرِ
فلا مَلَكُ الموتِ المُريحُ يريحني
ولا أنا ذو عيشٍ ولا أنا ذو صبرِ
وقال قيس، وهو يشير إلى ما برَّحَه وهده، مما لو أصاب جَبَلَيْ “رَضْوى” و”ثَبير”، لهدَّهما:
بَرانيَ شوقٌ لو برَضوى لهَدَّهُ
ولو بثَبيرٍ صار رَمسا وسَافيا
سقى الله أطلالا بناحية الحِمى
وإن كُنَّ قد أبدين للناس ما بيا
منازلُ لو مرَّت عليها جَنازتي
لقال الصَّدى يا حامِلَّيَّ انزلا بيا
خليليَّ مُدا لي فراشيَ وارفعا
وسادي لعلَّ النومَ يُذْهِبُ ما بيا
خليليَّ قد حانت وفاتيَ فاطلبا
لي النَّعشَ والأكفانَ واستغفرا لِيا
وإنْ مِتُّ من داء الصَّبابة بَلِّغا
نتيجةَ ضوءِ الشمسِ مِني سلاميا
٢- معاناته بعد فقده ليلى بزواجها من غيره ورحيلها بعيدا، فذاك قهر، وفي الأحشاء وَقد جمر، لأنه:
إذا بانَ مَن تَهوى، وشَطَّ به النَّوى
فَفُرقَةُ مَن تَهوى أحرُّ من الجمرِ
ومن تعبيره عن الوجد والتجربة المُرة، وعن “الجنون ومحاولات الانتحار”، جراء ما لَقيَه من أحوال، أقواله:
لقد هَمَّ قيسٌ أن يَزُجَّ بنفسِه
ويَرمي بها مِن ذروة الجبل الصَّعبِ
فلا غَرو أن الحبَّ للمرءِ قاتلٌ
يقلِّبُهُ ما شاءَ، جَنبا إلى جَنبِ
وقال:
لو سِيلَ أهلُ الهوى مِن بعد موتهمُ
هل فُرِّجت عنكم مذ متّم الكُرَبُ
لقال صادقُهم أنْ قد بَلَى جسدي
لكنَّ نار الهوى في القلبِ تلتهبُ
جفَّت منابع عين الجسم حين بكى
وإنَّ بالدمع عينَ الروح تنسكبُ
وقال:
يقولون كم تجري مدامعُ عينهِ،
لها الدهر دمعٌ واكفٌ يتحدَّرُ
وليس الذي يجري من العين ماؤها
ولكنَّها نفسٌ تذوبُ وتقْطُر
وقال:
كأنَّ فِجاج الأرض حَلْقة خاتمٍ
عليَّ فما تزدادُ طولا ولا عرضا
وأغْشَى فيحمى لي من الأرض مضجعي
وأصرع أحيانا فألتزم الأرضا
وقال، آخر ما قال، إذ وجده إخوته ميتا:
توسَّد أحجارَ المَهامِه والقفرِ
ومات جريحَ القلبِ مندملَ الصدرِ
فيا ليت هذا الحِبُّ يعشق مرَّةً
فيعلمُ ما يَلقى المُحبُّ من الهَجْرِ
وبعد، فهذا بعض فعل النفس بذاتها، وفعل الوَله بها، و”حبكَ الشيءَ يُعمي ويُصِم”.. ولله، سبحانه وتعالى، في خلقه شؤون.

إلى الأعلى