الخميس 13 ديسمبر 2018 م - ٥ ربيع الثانيI ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / السيادة والاستقلال الوطني

السيادة والاستقلال الوطني

خميس بن عبيد القطيطي:
إن حالة الهيمنة الدولية والنفوذ المتزايد لبعض المنظمات الدولية، واستخدام لغة القوة في عصر القطبية الأحادية أدى إلى تراجع مفهوم السيادة، وقد حدثت بعض الحوادث في المنطقة اتسمت بالبلطجة السياسية الدولية، والخروج على ميثاق الأمم المتحدة والنظام الدولي القائم على الأمن والسلم الدوليين.

تعد السيادة من المرتكزات المهمة والضرورية التي تبني عليها الدول استقلالها الوطني، وذلك فيما يتعلق بتنظيم علاقاتها مع الدول الأخرى في ضوء أنظمتها الداخلية، وتؤطر تلك العلاقات بما يؤمن مصالح الدولة الوطنية والسيادية دون نقصان أو تأثير خارجي بأي شكل من الأشكال، كما أن للسيادة الوطنية مفهومها على المستوى الداخلي يتمثل في بسط الدولة أنظمتها وسلطتها على جميع مناطقها وأراضيها وسكانها، ولكن ما يعنينا في السياق التالي هو تسليط الضوء على السيادة بمفهومها الخارجي والإسقاط المباشر على سيادة الدولة في مظهرها الخارجي وما يتعلق بتنظيم علاقاتها مع الدول والمنظمات الدولية. وعليه، فهناك دول ذات سيادة كاملة وأخرى منقوصة السيادة تخضع لإملاءات وإرادة دولة أخرى أو ارتهانها لهيئات دولية تقاسمها تلك السيادة، والدول منقوصة السيادة قد تكون من الدول الفقيرة أو الضعيفة أو المتخلفة، وما يهمنا في السياق التالي هو الحالة العربية الراهنة ومدى تماس هذا المفهوم مع الأقطار العربية .
نعلم أن الدول العربية في الغالب تقع في منطقة جغرافية متميزة وفرت لها مصادر ثروة كافية، وقد تمكنت الأقطار العربية من التخلص من الاستعمار القديم قبل عدة عقود. تلك المعطيات الجغرافية وفرت لها ظروفا مواتية ساعدتها في تحقيق إرادتها وامتلاك بعض الأوراق الرابحة التي مكنتها من تنظيم علاقاتها الخارجية بشيء من الندية في المراحل الأولى من قيام الدولة الوطنية رغم الضغوطات وحداثة الدولة العربية، إلا أنها لم تتخلَّ عن ثوابتها السيادية الوطنية، وقاومت تلك الضغوطات الخارجية مستفيدة من ورقة التوازنات الدولية والثنائية القطبية وامتلاكها بعض الأوراق التي استخدمتها كلما دعت الضرورة. ومع مضي الوقت وتراجع مفهوم الدولة الوطنية وتضاؤل عناصر القوة العربية، ازدادت شهية القوى الدولية للاستفادة بشكل أو بآخر من ثروات الأقطار العربية وخصوصا ثروة النفط الذي استخدمه العرب في عام 1973م كسلاح مؤثر لدعم جبهات القتال، الأمر الذي دفع بتلك القوى الداعمة لكيان الاحتلال الإسرائيلي التخطيط في كيفية تحييد أو الاستفادة من هذه الثروة، بل والمشاركة في تقاسمها من خلال اتفاقيات الامتياز والعمل على أراضي هذه الدول حسب النظم الاقتصادية المتبعة والتدخل في تحديد احتياجات السوق العالمية، كذلك سعت القوى الدولية أيضا إلى الاستفادة من الموقع الجيوستراتيجي للوطن العربي لتأمين الممرات البحرية وخطوط الملاحة الدولية ومن ثم إنشاء قواعد عسكرية على أراضٍ عربية استخدمت لاحقا في أغراض متعارضة مع المصالح القومية العربية وضربت التضامن العربي في مقتل، وفي بعض الأحيان تم التدخل في رسم سياسات الدول الاقتصادية فيما يسمى بالانفتاح الاقتصادي، ثم تحويل هذه الدول إلى دول مديونة ودخول البنك الدولي على خط الاقتصاد الوطني، ومما زاد الأمر سوءا المساعدات التي قدمت لبعض الدول العربية، كل ذلك ساهم في التدخل بتوجيه سياسات تلك الدول، وساهم في تراجع مفهوم السيادة الوطنية، كما أن العلاقات العربية العربية التي تمثل أوراقا أخرى مفيدة كان ينبغي توظيفها في تعزيز تلك المعطيات الإيجابية التي وهبها الله هذا الوطن العربي الكبير، إلا أن هذه العلاقات مع الوقت أصبحت تؤثر سلبا في هذا الجانب، فأدى توتر العلاقات العربية وغياب الشراكة الاقتصادية والوحدة السياسية الاندماجية، وغياب الموقف الموحد تجاه القضايا الإقليمية والدولية، وعدم تفعيل التضامن والدفاع العربي المشترك، وعدم قيام السوق العربية المشتركة، وغياب الديموقراطية الحقيقية في هذه الدول، واتساع الفجوة بين الشعوب العربية وأنظمتها الرسمية أثرت بقوة في تراجع مفهوم السيادة، وتراجع مفهوم الدولة الوطنية .
إن حالة الهيمنة الدولية والنفوذ المتزايد لبعض المنظمات الدولية، واستخدام لغة القوة في عصر القطبية الأحادية أدى إلى تراجع مفهوم السيادة، وقد حدثت بعض الحوادث في المنطقة اتسمت بالبلطجة السياسية الدولية، والخروج على ميثاق الأمم المتحدة والنظام الدولي القائم على الأمن والسلم الدوليين، وبالتالي تم فرض الأمر الواقع في استهداف بعض الدول ظلما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمر 2001م (غزو أفغانستان والعراق)، انطلاقا من مزاعم ثبت بطلانها وعدم مصداقيتها عززها مبدأ بوش الابن “من ليس معنا فهو ضدنا” وذلك توافقا مع الاستراتيجية الأميركية المتهورة في تلك المرحلة، فكان سقوط العراق يمثل إحدى الهزات العنيفة ليس للعراق وحده بل للعرب جميعا، وهكذا يكون الحال عندما تنحرف بوصلة الأمم المتحدة عن تطبيق مبادئ الحق والعدل والمساواة بين الدول، وعندما تتحدث لغة القوة وتفرض نفسها على النظام الدولي مما يؤدي إلى زعزعة استقرار الدول واضطراب السلام العالمي بما يؤثر على استقلال الدول وانتقاص سيادتها أو فقدانها تماما، إضافة إلى ما يحدث الآن على الساحة الدولية من مواقف تتسم بالبلطجة والقرصنة في إطار العلاقات الدولية؛ كل ذلك يتوافق مع تراجع مفهوم السيادة، كما أن فقدان الدول قدرتها على توفير غذائها ودوائها وأسلحتها ساهم في تراجع هذا المفهوم .
إن الإطار العام المنظم للعلاقات الدولية يقوم على مبادئ الاحترام المتبادل، وعدم التدخل في شؤون الغير، والمساواة بين الدول، كما أكدت عليه مواثيق الأمم المتحدة، ولكن هذا الميثاق لا تعيره القوى الامبريالية أهمية تذكر، وبالتالي فالسؤال الذي يفرض نفسه هنا: كيف تتخلص هذه الدول من هذه الأسباب التي تقوض سيادتها؟ وكيف يمكن لها الصمود في ظل وجود تلك المتغيرات التي أدت إلى تراجع مفهوم السيادة؟
لقد توسع العالم اقتصاديا من خلال ظهور أسواق جديدة متعددة فتحت المجال لجميع الدول بتنويع التبادل التجاري، والبحث عن الأفضل في تأمين غذائها ودوائها واحتياجاتها الضرورية والكمالية واحتياجاتها العسكرية أيضا، وهو ما يخفف الضغط على الدول الاستهلاكية في هامش حركتها وخياراتها الاقتصادية، كما أن ظهور بعض التكتلات الاقتصادية الدولية وصعود بعض القوى الاقتصادية الأخرى يفتح المجال لجميع دول العالم بإقامة شراكة اقتصادية على أراضيها لفترات زمنية طويلة مع القوى الصاعدة فتتداخل المصالح الاقتصادية بما يساعد الدول النامية على تجنب ارتهانها للقوى الدولية المهيمنة. وحسنا فعلت بعض دول المنطقة بعمل شراكة اقتصادية مع بعض القوى الدولية الصاعدة، وتوقيع اتفاقيات اقتصادية طويلة المدى بما من شأنه تعزيز الوضع الاقتصادي، وإشراك القوى الدولية الصاعدة في حماية مصالحها، وهذا الحال قد ينطبق لاحقا على المجال العسكري والتحالفات العسكرية، وربما قد تتغير خريطة التحالفات الدولية في العقد القادم، ومن هنا ينبغي على دول العالم الثالث الإسهام في خلق مناخ دولي قائم على تعدد الأقطاب، وتفعيل بعض المنظمات الدولية الأخرى كمؤتمر عدم الانحياز والمجموعات الإقليمية مثل مجموعة الدول المطلة على المحيط الهندي وغيرها من التكتلات، ومد جسور الشراكة مع القوى الصاعدة بما يقلل من هيمنة الدول الاستعمارية على النظام الدولي المعاصر .
لا شك أن الدول العربية تقف أمام معضلات شديدة تقتضي تجاوزها بشتى السبل، فلا بد من تجاوز مخلفات الماضي والخلافات البينية، وفتح آفاق أرحب من العلاقات مع القوى المجاورة بعيدا عن الاختلافات الاثنية والطائفية والأيديولوجية، وتجاوز الملفات الإقليمية الشائكة إن أرادت هذه الدول الخروج من مآزقها وهيمنة القوى الاستعمارية عليها وابتزازها بشكل مستمر، كما أن الضرورات تقتضي تعزيز المجتمع الداخلي للدولة، والحفاظ على هويته وخلق مزيد من الثقة بين الشعوب وأنظمتها وتعزيز الديمقراطية الحقيقية كلها أمور واقعية لا يمكن تجاهلها، كما أن تفعيل الدفاع الإقليمي والتخلص من تركة الماضي، وعودة العلاقات الطبيعية بين الدول العربية مع تقديم الدعم والإسناد للدول المتضررة من السياسات الإقليمية السابقة أمور لا مفر منها، وإلا فلتتحمل بعض الدول نتائج صلفها وتعنتها والإضرار بمستقبلها ومستقبل أجيالها، وتحمل تبعات ارتهانها للقوى الاستعمارية الدولية، وتمزق كياناتها وفقدان إرادتها وانتهاك استقلالها الوطني .
لقد قدمت السياسة الدولية عددا من الدروس المستفادة لمن أراد الاستفادة منها في البحث عن حلول آمنة تمكنه من تجنب الكارثة جراء هيمنة تلك القوى الاستعمارية على بلاده، والحفاظ على استقلالها وسيادتها بدلا من الخضوع للإملاءات والابتزازات .

khamisalqutaiti@gmail.com

إلى الأعلى