الأربعاء 12 ديسمبر 2018 م - ٤ ربيع الثانيI ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / نقاط الضوء الحية

نقاط الضوء الحية

لم يكن إسماعيل طه إذاعيا مميزا، بل كان مجموعة من المهارات تعززها ثقافة غير متعالية ومطعمة بعلاقة مع الشأن العام أساسا في السودان ثم في بقية بلدان العرب. كل ذلك مغلف بحالة من الفرح يضفيها حضوره في أي مجال أو مقام، ليس فقط بسبب خفة الظل وسرعة البديهة ولكن بسبب نقاء القلب وصفائه.

د.احمد مصطفى

لماذا لا نقرأ أو نسمع بكثافة عن مبدعين ومفكرين وقياديين في مجالهم إلا بعد وفاتهم؟ ولماذا لا يسمع هؤلاء العظماء والمجيدون، خاصة من لا يسعى منهم وراء الأضواء والشهرة، مديحنا لهم واعترافنا بفضلهم وتقديرنا لجهدهم وهم أحياء؟!! هل تلك آفة في الإعلام أن النقد فقط هو ما يشكل خبرا لأنه مثير، وأما إبراز الإيجابي فممل وقد يعد “نفاقا”؟ أم كما يقول المثل التقليدي إننا لا نعرف قيمة إلا لما نفقده؟ ربما هو كل ذلك، لكن ليس هذا بقانون ولا قاعدة عرف يستند إليها نظام وإنما هو من باب “هكذا تجري الأمور”. لكننا لم نفكر أبدا ماذا يمكن أن يكون الناتج لو أن ما نقوله ونكتبه عن شخص بعد وفاته أعلناه وهو على قيد الحياة وما زال قادرا على العطاء. لا شك أن ذلك قد يجعل أي شخص يضاعف من عطائه، ناهيك عن أن سماعه لموقف الناس منه واعترافهم بإنجازه يخفف عنه كثيرا وطأة الحياة، بينما لا يفيده منا بعد الموت إلا الدعاء المستجاب. صحيح أن كثيرا من هؤلاء قد لا يحبذون المديح ويخجلون تواضعا، لكن ذلك لا يعني ألا نحتفي بنقاط الضوء الحية في حياتنا.
رحل عن عالمنا قبل أيام الإعلامي السوداني الشهير إسماعيل طه، الذي عرفه جيلي والجيل الذي سبقه، صوتا مميزا عبر الأثير من هيئة الإذاعة البريطانية. ولم يكن إسماعيل طه إعلاميا موهوبا فحسب، بل كان موسوعة حياة لكل من زامله أو عرفه أو شاركه اهتماماته في السودان (بلده الأصلي) ومصر (بلده الثاني وملقى تعليمه ومقصد زياراته للمنطقة من الغربة في الخليج وأوروبا) ودول الخليج وأوروبا. في سنواته الأخيرة اشتد عليه المرض، ولم يكن يتواصل معه من زملاء وأصدقاء إلا القليل، لكنه طبعا ظل محاطا بحب أهله ومعارفه الأقربين في السودان والخارج. وما أن وافته المنية حتى انبرى جميع من عرفه يعدد مناقبه ويروي الذكريات في تعبير عن حجم الفقد. وتخيلت لوهلة كيف سيكون وقع كلام الزملاء والأصدقاء على الراحل العظيم لو باحوا بكل هذا قبل ثلاث سنوات مثلا.
لم يكن إسماعيل طه إذاعيا مميزا، بل كان مجموعة من المهارات تعززها ثقافة غير متعالية ومطعمة بعلاقة مع الشأن العام أساسا في السودان ثم في بقية بلدان العرب. كل ذلك مغلف بحالة من الفرح يضفيها حضوره في أي مجال أو مقام، ليس فقط بسبب خفة الظل وسرعة البديهة ولكن بسبب نقاء القلب وصفائه. كانت معرفة إسماعيل طه باللغة الإنجليزية كما هي بالعربية التي تعلمها في الكتاب في قريته بالسودان مع حفظ القرآن الكريم. وحين منع التدخين في المبنى الكبير الذي كان يضم إذاعة بي بي سي (بوش هاوس) كان الوحيد من بين الإنجليز والأجانب الذي يدخن في المبنى .. ولا أظن أن ذلك سبب أي مشكلة من أي نوع. ولا أنسى نادرة أنه جلس يدخن في ردهة المبنى مرة وأمامه على الحائط علامة “ممنوع التدخين” فجاء أحد رجال الأمن (وكان يعرف إسماعيل جيدا) وأشار له نحو العلامة فرد إسماعيل عليه I don’t read English وانفرط رجل أمن المبنى ضحكا.
ليس هنا مجال تأبين هذا الإعلامي العربي الكبير، ولا تعداد حتى نماذج من مهاراته وإسهاماته. إنما أثارت وفاته بعد حياة مليئة بالإنجاز والأثر الكبير الذي تركه فيمن تعلموا منه أو آنسوا برفقته على مر السنين مسألة نمر عليها دوما مرور الكرام: إننا نذكر محاسن موتانا فقط، ولا نهتم وهم أحياء. لماذا لا يفكر المسؤولون عن الإعلام في نوافذ خاصة تبرز نقاط الضوء الحية في دنيانا، أشخاصا كانوا أو غير ذلك؟ وبالنسبة للأشخاص، لنتغاضى عن حياء كثيرين منهم ـ خاصة المتواضعين معرفة وعلما ـ ونستذكر إنجازاتهم وأفضالهم ومناقبهم وهم أحياء بيننا. ومن تجربتي الشخصية يمكنني الرد على الجدل بأن ذلك قد يخجل هؤلاء، أذكر عالما مصريا جليلا (توفي مؤخرا وقد جاوز الثمانين عاما) كان يسعده أن يذكر إعلاميا بخير ليس فقط مديحا وإبرازا لفضل يستحقه وإنما حتى بالنقل من كتبه أو الإشارة إلى مقالاته وأبحاثه وآرائه والاستشهاد بها.
في حياتنا كثير من المآسي والسلبيات التي تشكل مادة دسمة للأخبار وتغطيات الإعلام عموما، فما الضرر من بقع مضيئة هنا وهناك تكسر حدة هذه السلبية والكدر. كما يسعدنا خبر عن ابتكار أو اكتشاف علمي جديد يخفف من آلام البشر أو يسهل عليهم مواجعة مصاعب الحياة على الأرض، سيبهجنا أيضا التعرف على المبدعين والمنجزين بيننا. ومن يدري، قد تشكل نقاط الضوء الحية تلك دافعا للأجيال الجديدة أن تستلهم منهاعوامل التجويد والإسهام الأكبر في تحسين حياتهم وحياة غيرهم. صحيح أن القاعدة التقليدية هي أن الإعلام يتوسع في تغطية ما يثير، والسلبي هنا أهم من الإيجابي وأن الموضوعات “التشريفية” تعد من قبيل لغو الحديث الذي لا يجذب الملتقي. لكن الصحيح أيضا أن هناك طلبا متناميا على المعرفة، لا تلبيه تماما وجبات “السوشيال ميديا” السريعة، ولا غضاضة في أن تتضمن تلبية ذلك الطلب التعريف بالكبار والعظماء في المجالات المختلفة وهم بيننا يتفادون تسليط الأضواء. فلنسلط الضوء عليهم، دون أن نحرقهم طبعا، ولكن بما يبقى الأمل حيا قويا بين أجيالنا القادمة.

إلى الأعلى