الإثنين 27 مارس 2017 م - ٢٨ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / “قواعد الفن” قراءة في واقع الثقافة الفنية المعتمدة على إنتاج الأدباء والمفكرين

“قواعد الفن” قراءة في واقع الثقافة الفنية المعتمدة على إنتاج الأدباء والمفكرين

يؤكد بورديو أن الأمر الجوهري فى سوسيولوجيا الأدب هو ذلك المجال الاجتماعي المزود بتقاليده الخاصة , وقوانين سيره وقواعد الالتحاق به . وليس استقلال الأدب والأديب باعتباره أمرا بديهيا باسم ايديولوجيا العمل الفنى بوصفه خلقا أو إبداعا , فالاستقلال النسبي لهذا الحيز من الممارسة والمجال الذي تأسس تدريجيا , وفى شروط معينة عبر التاريخ هو مناط النوعية الأدبية . لكن موضوع الدراسة هو مجمل العلاقات الموضوعية بين الأديب والأدباء الآخرين حول العلاقات بين المواقع والمراكز المختلفة لجوهر الفنون . والعلاقات بين التطبيع والمواقع الفنية النافذة للمجتمع . ووراء تلك العلاقات مجموعة من العناصر الفاعلة المرتبطة بإنتاج العمل وإنتاج القيمة الفنية التى تخلف إبداعا وتراثا فريدا للحضارات .
قنوات الإبداع
هذا الكتاب للمؤلف العالمى بيير بورديو يصور حيز المجال الأدبي والفني التي تنتظم عناصره فى بنية من المواقع والمراكز بين صراع المطالبين الجدد بالسلطة الرمزية والمسيطرين عليها . ويأخذ هذا الصراع أشكالا نوعية بين القادمين الذين يحاولون اقتحام الأبواب وأصحاب السيطرة الذين يحاولون الدفاع عن الاحتكار واستبعاد المنافسة . وبنية المجال الأدبي هي وضع لعلاقة القوة بين العناصر الفاعلة أو المؤسسات المشتبكة فى الصراع الايدولوجي والدراماتيكي, أو هي وضع لتوزيع رأس المال الأدبي قد يكون متناقضا مع رأس المال الاقتصادي والنجاح الجماهيري للعمل الفني أو الأدبي . فكثيرا ما ينظر بازدراء إلى الذين يحققون ثروات مالية من الروايات العاطفية وروايات المغامرات والكتابات الهزلية رغم حاجة الناس لتنفيس بعض مشاعرهم عبر هذه النوعية الفنية والأدبية . فالمجال الأدبي يؤكد دائما تنزهه عن المصلحة والغرض . وهناك دائما صراع دائم بين الطليعة المنبثقة الجديدة والطليعة السابقة التي استقرت وتم الاعتراف بها , وهناك صراع بينهما معا ضد الفن الرسمي التقليدي , وثورة دائمة ضد المؤسسات المنوطة بالقنوات الناشرة فى الصحف والمجالات . وتكون الشعارات المرفوعة عادة فى مجال الشعر على سبيل المثال هى رد الشعر إلى جوهره الخالص بالمعنى الكيميائى . فالشعر بوصفه شعرا بلا إضافات خارجية يعنى محدوديته محليا وقوميا, أما الدعوة إلى طرد ما عدا ذلك خارج جمهورية الشعر فهو يمثل كيفية تطويع الأدب لخدمة غرض معين أو هدف . ويدور الصراع مجددا حول التعريفات الأساسية لإعلان مزيد من الاستقلال عن المجالات الأخرى , حيث أن استقلال الفكر يعنى صياغة أشكال إبداعية غير تقليدية تتجدد مع الزمن . فالإنتاج الثقافي عموما قسم مسود من الطبقة السائدة . وهم سائدون بمقدار ما يمسكون بالمزايا التى يمنحها لهم رأس مالهم الثقافي , ولكنهم مسودون فى علاقاتهم بحائزي رأس المال السياسي والاقتصادي . وللأدباء فى المجال الأدبي المستقل سلطة كشف الأشياء المستترة وإظهارها وعرضها , ودفع الناس إلى تحديد موقف منها , إنهم يجسدون بطريقة أقل غموضا التجارب القائمة الغامضة التى لم تتم صياغتها للعالم الاجتماعي , وبذلك يفرضون وجودها على الجميع عن طريق اسهاماتهم الثقافية , وقد يضعون هذه السلطة فى خدمة السادة , وقد يتخيلون أنفسهم إلى جانب المسودين فأذواقهم تنتمي هنا وهناك لنواحي فنية متعددة الجوانب والأشكال والصور الفنية . إن الأديب يتمثل نفسه مبدعا للرموز يقوم بتسمية الأشياء التي بلا أسم . ويرى كما ترى العرافة . وهو مع أقرانه يحدث ثورات فنية متبانية العواقب , ويغير نظرة العالم للقضايا من منظور إبداعي فريد يصعب تكراره إلا فى مناسباته وظروفه المتطابقة . فالثورات الرمزية تقلب أبنية التصوير , وتدخل الاضطرابات بعمق على الأذهان الواعية والأذواق المتنوعة والانفعالات الهادفة . فالتمثيل الأدبي والفني هو إحداث تغيير بالكلمات والخطب والمقالات والتشخيص للقضايا , وكشف المستور وحفز الهمم لمعالجة مختلف الملفات سواء اجتماعية أو سياسية أو اقتصادية من خلال إلقاء الضوء على معايير كيفية البحث عن جوهر الإبداع .
الثقافة العصرية
يرجع سحر العمل الأدبي إلى الإبداع الفني فى الكتابة, ويرجع سحر العمل الفني إلى الإبداع الأدبي في التصوير الذي ينعكس على التمثيل والتشخيص . ولعل تجسيد الوهم الروائي خاصة في العالم الواقعي يفترض الوهم في الأداء الفني , وهناك قصص خيالية صارت ألوانا من الفنون والمسرحيات والأفلام نتيجة المعالجة الدراماتيكية لمعطيات ما احتوت من خيال علمي وقصص أسطورية . ولعل قصص الحب والخيانة من أكثر الروايات التي تجذب ملايين القراء فى بقاع الأرض لتناولها , والاطلاع عليها , وبعد فترة يتم إصدار المزيد منها طبقا لمتغيرات المجتمع ذاته وتشعاباته, وقد تتطرق إلى معضلة الحب فى زمن من الفقر , وصراع المال والنفوذ , والسلطة والعشق , وما يمكن أن يؤدى الحب غير السوي إلى الخيانة بين الزوجين أو التجارب الفاشلة , وما يتبعها من جرائم تصل لحد القتل لتدخل فى دائرة كيفية تقويم سلوكيات المجتمعات من خلال الحفاظ على القيم والأخلاق وتغليب المبادئ على صور الانحرافات . وتناول العديد من الكتاب والأدباء القصص الفنية بما يشبه الأضحوكة بالتحدث بلغة الكوميديا بمعالجة لبعض القضايا لتوصيلها لعامة الناس في إطار هزلي , وهو ما لاقى ترحيبا وإقبالا واسعا على المستويين العربي والعالمي حتى بالنسبة للسياسة التى تتصف بالجمود . ومن أهم العوامل التي أثرت الأدب العالمي عبر القرون هى تحول الأدباء لعقود نحو الصالونات الثقافية التى تضم رموز الفن والأدب والثقافة بل وحتى رجال السياسة والفكر والاقتصاد , حيث ضخت دماء جديدة فى شرايين الإبداع أغترفت من خلاله العديد من الفئات بانوراما متنوعة من الاطلاع والتنوير والفكر الحقيقي القابل للنقاش والتوضيح , بل وتعليم العامة لغة الديمقراطية فى اطار فني يصل لدرجة محاكمة المخطئ فى أفكاره . وكان مديرو الجرائد ورؤساء تحرير الصحف يترددون على هذه الصالونات بحثا عن المواهب ونفائس الفنون , حتى أن الصحف الفرنسية ركزت فى بعض مقالاتها على إلقاء الضوء على المجادلات والنقاشات التى تجرى فى الصالونات الأدبية والفنية الشهيرة , بل وصارت فى بعض الأحيان تنقلها وسائل الإعلام , وتقوم بتسجيل أحاديثها الشيقة بعد أن خرجت إلى حيز النور كبوتقة لإخراج مشاعل التنوير والتغيير والإصلاح , والغريب أن بعضها تحول إلى محاكمات لكبار الكتاب والفنانين فى محاولة لتقويم آليات الإبداع , وإخراج الطاقات الفنية الدفينة , وتفجير براكين الإبداع من داخلهم نحو إصلاح المجتمعات .

إلى الأعلى