الأربعاء 18 يناير 2017 م - ١٩ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / شراع : حين تريد أميركا إدارة الإرهاب لا اجتثاثه

شراع : حين تريد أميركا إدارة الإرهاب لا اجتثاثه

خميس التوبي

بات في حكم اليقين اليوم أن رقاب المنطقة خاضعة تحت سكينين: السكين الأولى هي إرهاب الدولة الماثل في كيان الاحتلال الصهيوني ليس موجهًا ضد الشعب الفلسطيني وحده، وإنما موجه ضد شعوب المنطقة بأكملها دون استثناء. والسكين الثانية: هي الإرهاب الملبس كذبًا وافتراءً لبوس الإسلام والماثل في التنظيمات الإرهابية المتناسلة من رحم القوى الاستعمارية الإمبريالية الغربية واستخباراتها.
وبعيدًا عن المبالغات، وبناءً على الوقائع على الأرض، فإن تينك السكينين تعدان نجاحًا كبيرًا لمشروع الهيمنة والتدمير والتخريب والتفتيت الغربي الامبريالي الاستعماري للمنطقة، حيث يبدو الغرب بقيادة الولايات المتحدة كمارد واضعًا قدميه على خريطة المنطقة بيده اليمنى سكين إرهاب الدولة الصهيوني، وبيده اليسرى سكين إرهاب التنظيمات “الإسلاموية”، ينحر بهما جسد المنطقة، ويمزق أوصال المجتمعات العربية، مبرِّرًا طعناته الغادرة بسكين يده اليمنى بكذبة “حق الدفاع عن النفس”، ومبرِّرًا طعناته المسمومة بسكين يده اليسرى بأكاذيب “نشر الديمقراطية والحرية وحماية المدنيين وحقوق الإنسان”.
ووفقًا لهذا التقدير، فإن الغرب الاستعماري الإمبريالي لم يلجأ إلى صنع سكين الإرهاب “الإسلاموية” إلا بعد أن وجد أن سكين إرهابه الصهيونية أخذ الثلم يصيبها نتيجة الإبداعات الهائلة والضربات المحكمة للمقاومة والصلابة المتنامية لمحورها، ما أصبح يهدد بتكسيرها، وأن حروبه المباشرة ثمنها باهظ جدًّا، الأمر الذي يهدد بالقضاء على الاحتلال والاستعمار في المنطقة، وهو ما لن يسمح الغرب الاستعماري به، وفي سبيل بقائهما واستمرارهما لن تتوقف رحم التدليس والفبركة والتآمر الغربية عن إيجاد مبررات التدخلات الممجوجة في الشأن الداخلي لدول المنطقة ومسوغاتها من أجل البقاء والاستمرار، خصوصًا في ظل ما تعانيه اقتصادات الغرب الاستعماري الإمبريالي من ركود وتراجع وما يعلن عنه من اكتشافات هائلة نفطية وغازية في حوض البحر المتوسط وتحديدًا في سوريا ولبنان وفلسطين المحتلة، بالإضافة إلى موارد الطاقة في الدول التي تم غزوها واستعمارها غربيًّا تحت ستار “الديمقراطية وحرية التعبير وحماية المدنيين ومحاربة الظلم والفساد” كالعراق وليبيا.
إن الظاهرة المسماة “داعش” إلى جانب ما يسمى “جبهة النصرة والجبهة الإسلامية والجيش الحر وغيرها” والتي أنتجها الغرب الاستعماري وعملاؤه بشهادة هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الأميركية السابقة في كتابها “خيارات صعبة” والتي لعب المستعمِرون وعملاؤهم دورًا كبيرًا في توحشها ودعمها والترويج لها إعلاميًّا، ليست سوى سكين أراد بها المستعمِرون تمزيق جسد المنطقة ونحرها من الوريد إلى الوريد، واستخدام دورها الوظيفي مبررًا قويًّا للتدخل وعودة أساطيل الاستعمار الغربي (قديمه وجديده) إلى المنطقة، فلم تنزل هذه التنظيمات الإرهابية من السماء مرة واحدة أو تنشق عنها الأرض فتخرج دفعة واحدة، وإنما ظهرت إلى العلن جراء خطط وتوظيف استخباراتي ومالي وتسليح وتدريب وتوجيه استمر سنوات، لتكون جيوشًا بالوكالة، وأداة ابتزاز للدول المستهدفة والتي تقف على مسافة بعيدة من الغرب الإمبريالي ولا تتقاسم معه مشاريعه الاستعمارية.
ولذلك فإن دعوة الغرب بقيادة الولايات المتحدة إلى بناء تحالف دولي واسع لمكافحة ما يسمى تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، هي لإدارة الإرهاب ومحاولة لتأمين غطاء شرعي للتدخل في الشأن الداخلي لدول المنطقة وليس اجتثاث ما يسمى “داعش” واعتبار ذلك هدفًا بدليل:
أولًا: إن الإرهاب والقتل والتدمير ليس محصورًا بما يسمى تنظيم “داعش”، وإنما تمارسه بقية التنظيمات الأخرى المسماة “جبهة النصرة والجبهة الإسلامية والجيش الحر وغيرها”، وبالتالي أي خطوة نحو اجتثاث الإرهاب يجب أن تشمل جميع تلك التنظيمات، فليس هناك إرهاب معتدل وحسن، وإرهاب متطرف وقبيح، الإرهاب هو الإرهاب.
ثانيًا: عدم وجود أي خطوات عملية وتنفيذية تؤكد صحة الحراك ومصداقية الشعارات المعلنة تجاه القوى الداعمة والممولة للتنظيمات الإرهابية وتهديدها أو مجرد مطالبتها بالتوقف عن تجنيد المرتزقة والإرهابيين والتكفيريين وإرسالهم إلى مناطق الصراع، والتوقف فورًا عن الدعم، ومعاقبة كل من يتعامل مع التنظيمات الإرهابية بشراء النفط المسروق، بل إن هناك علاقة مباشرة ظهرت إلى العلن بين الإرهاب وداعميه تمثلت في تدخلات ووساطات مشبوهة.
ثالثًا: رفض التعامل مع الدول المكتوية بنيران الإرهاب مثل سوريا، بل وصلت درجة الكذب وعدم المصداقية وفوائض النفاق إلى اعتبار الرئيس السوري بشار الأسد الوجه الآخر للتنظيمات الإرهابية التي صنعها الغرب الاستعماري وعملاؤه، فأي عقل وأي منطق يقبل بترهات منافقين بأن دولة مثل سوريا بقيادتها وشعبها وجيشها تحارب الإرهاب لما يقارب أربع سنوات وتكون في الوقت ذاته الوجه الآخر لما تحاربه من تنظيمات إرهابية، وحذرت ولا تزال من أي علاقة مع الإرهاب ومخاطر ارتداداته؟! وطبعًا معروف الهدف حول مثل هذه الأكاذيب والترهات وحول هذا النفاق المفضوح وهو إضفاء الشرعية على دعم الإرهاب وتقديم المزيد من هذا الدعم، والتستر على العلاقة القائمة مع الإرهاب.
رابعًا: استنزاف دول المنطقة وخاصة دول البترودولار وبالمقابل تدوير تروس اقتصاد الغرب الاستعماري الإمبريالي من مصانع السلاح وغيرها. وتقول وزارة الدفاع الأميركية (البنتاجون) إن العمليات الأميركية ضد ما يسمى الدولة الإسلامية في العراق تتكلف نحو 7.5 مليون دولار يوميًّا في المتوسط منذ منتصف يونيو، ما يطرح علامات استفهام كثيرة: هل يعقل أن تتكفل الخزينة الأميركية بهذا المبلغ يوميًّا؟ وهل هي قادرة فعلًا على دفعه؟ وهل العقل الاستعماري المخطط بهذه الدرجة من الغباء بحيث ينتج تنظيمات تستنزفه خاصة بعد التجربة المريرة في أفغانستان والعراق؟ ولو كان قادرًا على دفع هذه المبالغ، لماذا يدعو إلى تحالف، ويساوم دول البترودولار على دفع خطر الإرهاب عنها مقابل الالتزام بالتمويل؟
الخلاصة، هي أنه مثلما ظل ولا يزال وسيظل الغرب الاستعماري بقيادة الولايات المتحدة يدير الصراع العربي ـ الصهيوني، ويرفض تحقيق السلام العادل والشامل، وإنما يقتصر على رفع شعاره وقت لزوم الحاجة، فإنه أيضًا بقيادتها سيدير الإرهاب في المنطقة ويرفع شعار مكافحته وقتما تستدعي ذلك حاجة البقاء في المنطقة.

إلى الأعلى