الأحد 16 يونيو 2019 م - ١٢ شوال ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الميلاد الشريف واستقامة الحياة الإنسانية (2 ـ 2)

الميلاد الشريف واستقامة الحياة الإنسانية (2 ـ 2)

د/ جمال عبد العزيز أحمد:
وكان من علائم مولده جملةٌ من الظواهر الكونية حدثت كأنما هي تأييد لدينه، وتمكين لمسيرته، وترسيخ له في الأرض، مثل ما رأته السيدة آمنةُ أمه، حين حملت به (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه خرج منها نور أضاء لها قصور بصري من أرض الشام، وقالت:(والله ما رأيتُ من حمل قط كان أخف، ولا أيسر منه)، ووقع حين ولدته أمه، وإنه لواضعٌ يديه بالأرض، رافعٌ رأسَه إلى السماء، وعندما ولدته السيدة آمنة رأت كذلك كل من أم عثمان بن العاص، وأم عبد الرحمن بن عوف ـ اللتان باتتا عندها ليلة الولادة ـ قلن: رأينا نوراً حين الولادة أضاء لنا ما بين المشرق والمغرب، وذكرتْ في ذلك السياق فاطمةُ بنتُ عبد الله أنها شهدت ولادة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقالت:(فما شيء أنظر إليه من البيت إلا نورٌ، وإني لأنظر إلى النجوم تدنو حتى إني لأقول لتقعن عليَّ).
ويقول سيدنا أنس بن مالك ـ رضي الله عنه وأرضاه: قال رسول الله:(من كرامتي علي ربي أني وُلدت مختونًا، ولم ير أحد سوأتي)، ثم لما كان الليلة التي وُلد فيها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ارتج إيوان كسرى، وتصدعت أركانه، وسقطت منه أربع عشرة شُرْفة، وكان في هذا إشارة من السماء إلى أنه سيملك الفرس أربعة عشر ملكًا بعدد ما سقط من تلك الشرفات، فملك منهم عشرةُ ملوك بعد كسرى في أربع سنين، وملك الباقون إلى إمارة عثمان ـ رضي الله عنه ـ حتى سقطوا جميعًا، وذهب ملك كسرى، وتحول إلى المسلمين الفاتحين، وانتهى عصر الظلم والظالمين، وكان كذلك من بين ما حدث: أن تهاوت الأصنام المنصوبة في الكعبة وحولها، وانكبتْ على وجوهها، إيذانًا برزوال تلك الأصنام، وهذه العبادات الوثنية الآسنة، و العبادات، والطاعات، والسلوكيات الآثمة.
كما غاضتْ كذلك بحيرة ساوة، تلك البحيرة التي كانت تسير فيها السفنُ، وجف ماؤها، وخمدتْ نار فارس، ولم تخمد قبل ذلك ألفَ سنة، وهي النار التي كانت تُعبَد من دون الله، فلم يعد ثَم مجالٌ لمثل تلك العبادات التي أهلكت البلاد، وجَهلَت العباد، وأضاعت أعماراً، وسكبت مهجاً، وأغضبت ربّاً، واستنزلت ابتلاءات وعقاباً، وعاراً، وخزياً، وشناراً، ليلاً ونهاراً، وإسراراً وجهاراً، فلاقت رباً جباراً.
ومن تلك الآيات التي ظهرت كذلك من أجل مولده الشريف صلى الله عليه وآله وسلم أن الشياطين رُميت وقُذفت بالشهب من السماء، وحُجب عنها خبرُ السماء، كما ذكر بعض العلماء في ذلك السياق بعض الروايات، لكن المشهور والمحفوظ أن قَذف الشياطين بالشهب عند مبعثه (صلى الله عليه وسلم)، ولا شك أن الحكمة لتظهر واضحة في هذا الموقف الجليل؛ حيث حدث ذلك كله في أثناء مولده الشريف؛ ليعلم الكونُ كله: عرباً وعجماً، وبيضاً وسوداً، وحمراً وصفراً أن ميلاد العدل قد حل، وأن زمن الظلم والاستعباد قد ولى، وأن الله وحده هو المستحق للعبادة، لا كسرى، ولا قيصر، ولا أصنام مكة، ولا نيران فارس، وأن التوجه سيكون لله، وليس لشرفات، وإيوان كسرى، والسلطان لله، وليس لأبي جهل، أو أبي لهب، وأن العبادة سيُتَوَجه بها إلى الله، لا إلى القرابين التي وضعها الوثنيون في الكعبة حيث الأصنام المعبودة هناك، والتي يقدم إليها جهد البشر، جاء المولد ؛ ليعيد الإنسان عزيزا بربه، شامخا بدينه، لا يعبد غير ربه، فينهض من عقال، وينصلح منه الشأن والحال، وينطلق ليعمر ويبني، ويطور، ويهدي، لا موضع للكبر بعد اليوم، ولا مكان لعبادة غير الإله الحق بعد الآن، وُلد الرسول الكريم، فوُلد معه العدل، ونبت الخير، وترعرعت الأخوة، وانتشر السماح، والسلام، وعم الحب، والوئام، وتذوق الناس طعم إنسانيتهم، وحريتهم، وكمال آدميتهم، كما قال الله تعالى:(لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) (التين ـ 4)، وعادت إلى الإنسان روحُه المفتقدة، ورجعت إليه ذاتُه المغتصبة، ومكانتُه المسلوبة بعبادة غير ربه، ومنزلتُه المقلوبة جراء ضربه في كل عبادة أرضية، وخبطه في كل واد ونهاد ووجاد، عبادات ليست سماوية، فبالمولد وُلد الإنسان من جديد، وبالمولد عرف ربه، فعرف ذاته، فاطمأنت نفسه، وهدأ قلبه، حيث عرف جلال عبادة الله، وكمال التوحيد، وبهاء الطاعة للواحد الأحد، وصفاء النفس حين تلقي بكل تلك العراقيل والعقابيل والأفكار التي تأكل النفس، وتنحل العظامَ بسبب البعد عن الله، فرجع الإنسان بالمولد المبارك إلى ربه، وسلك السبيل إلى مولاه، فدله عليه، وأنزل عليه تام رحماه، وكامل رضاه، وشامل هداه، فحق لكل مسلم يعيش هذه المناسبة الكريمة، ويتذكر تلك النعمة الكبرى بمولد الهادي البشير، والمنة العظمى من الله لبني البشر وجميع الخلق، حق له أن يحمد الله حمدًا كثيرًا، ويشكره طويلاً، ويمجده بكرة وأصيلا، على تفضله وكرمه، وعطائه ومنته بمولده الشريف، الذي كان بداية ميلاد الإنسان الحقيقية، ومحط تكريمه، ومناط توقيره، ومبعث فخره، ورمز عزه، صلى الله، وسلم، وبارك على صاحب الذكرى العطرة، والسيرة المطهرة، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وتُستنزَل البركات، وتحل الفيوضات، وكل عام وأنتم بخير، وتقبل الله منا ومنكم جليل محبتكم للرسول، وعظيم التزامكم بسنته، وتمسككم بأخلاقه، وسيْركم بمسيرته المباركة، وذَوْدكم عن دينكم، وتعظيمكم لربكم، والحمد لله في الأولى والآخرة.

* جامعة القاهرة ـ كلية دار العلوم بجمهورية مصر العربية
Drgamal2020@hotmail.com

إلى الأعلى