الخميس 19 أكتوبر 2017 م - ٢٨ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / العين .. الثالثة : معالي الوزير .. الكرة في ملعب الحكومة

العين .. الثالثة : معالي الوزير .. الكرة في ملعب الحكومة

د. عبدالله عبدالرزاق باحجاج

فجر معالي وزير السياحة يوم الجمعة الماضي قنابل من العيار الثقيل، عابها التعميم، وأغرقها محاولة التبرير والتنصل من المسؤولية، أي مسؤولية؟ إنها مسؤولية الفشل السياحي في محافظة ظفار رغم أن المسؤولية ليست حصريا على وزارة أو جهة حكومية، وإنما هي مسؤولية الحكومة وإن حملت تصريحات معاليه مجتمعنا المحلي المسؤولية، فكيف بدا لوزارة السياحة بأنها أكثر المعنيين بالفشل؟ صحيح الوزير لم يعترف بالفشل صراحة، لكن تصريحاته تحمله ضمنيا ويكاد يكون صراحة، كيف ذلك؟ وهل للتصريحات النارية غير المسبوقة جدا والجريئة جدا للوزير علاقة باستياء السياح والرأي العام العماني من جمود التطور السياحي بل وتراجعه؟
لا يمكننا أبدا أن نفصل التصريح وماهيته وقوته عن إطاره الزمني مهما اتفقنا أو اختلفنا مع مرئيات معاليه، بدليل توقيته، ومضامينه، التوقيت قد جاء في وقت يكثر الجدال عن جمود التطور وعدم مسايرته لحركة التدفقات السياحية الكبيرة وعن تردي البنية التحتية بصورة عامة، ومضامينه معظمها حملت المسؤولية الحصرية في الجمود مجتمعنا المحلي وأهله، وذلك عندما قال معالي الوزير لإحدى الصحف المحلية نشر يوم الجمعة الماضي إن المخططات السياحية للوزارة لم تفشل لكنها تواجه اعتراضا من المجتمع والأهالي، ووصفه أي الاعتراض بأنه غير مقنع، وهذا يعني أن محافظة ظفار كلها ترفض التطور السياحي؟ والتعميم يفسر الرفض العام، ورمي الكرة في الملعب الاجتماعي شماعة قديمة لا يمكن قبولها ـ لا قديما ولا حديثا ولا مستقبلا ـ وفي أي قطاع من قطاعات الدولة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، لسبب واحد فقط، وهو، أننا في إطار دولة مؤسسات، فكيف بها تقبل بسهولة عرقلة مشاريعها وخططها من قبل المجتمع، وإذا كان كل المجتمع يرفضها ـ افتراضا ـ فكان عليها أن تسخر كل إمكانياتها لإقناعه بضرورات التطوير والتطور، ولن نجد أبدا من يقبل التخلف بديلا عن التنمية. وإذا وجد، فإن الدولة ملزمة بفرض استحقاقاتها عليهم لو بالإكراه مع حفظ حقوقهم كاملة وبصورة عادلة، وفق مبدأ أصيل وهو تغليب المصلحة العامة على المصلحة الخاصة كما فعلت في الكثير من المجالات من بينها نزع ملكية الأراضي كالحافة مثلا رغم أن التعويض لم يكن عادلا. من هنا، لا يمكن قبول تبرير الاعتراض المجتمعي كسبب للتخلف السياحي أو عدم التطوير خلال المرحلة الماضية، لأننا هنا نلغي مفهوم الدولة ونرتهن لمفهوم الأفراد، كما لا يمكن قبول ما كشفه معاليه من أن كثيرا من المشاريع القائمة لا تراعي المخططات التي تمت الموافقة عليها، قائلا في هذا الصدد “إن المخطط كان رائعا لكن الواقع مخالفا عنها”، فهذه مسؤولية من؟ المجتمع أم الحكومة؟ وأنتم معالي الوزير عضو في الحكومة، ومتضامن معها كفريق حكومي واحد، فكيف تصمت الحكومة على هذا الفشل إذا كان الفرد أو مجموعة أفراد يعرقلون التنمية؟ إذن، من يحد من طموحات وزارتكم، المجتمع ـ كما اتهمتموه ـ أم عدم استخدام سلطات الدولة؟ وإذا افترضنا أن مجتمعنا يعترض على التطور فمن يصنع المجتمع في بلادنا؟ أليست الحكومة؟ والصانع يكون بمقدوره دائما التحكم بصناعته، فكيف تقبل الحكومة أن تسيء لها صناعتها، وهي الصانعة؟ نحن نحاول هنا تبديد مسؤولية المجتمع، ككيان معنوي عام يتم تحميله ما لا يحتمل أصلا، فهل هو وراء عدم استغلال الأراضي السياحية التي منحت لكبار مسؤولي الدولة منذ عدة سنوات؟ وقبلها هل كان وراء توزيعها لهم؟ وهل هو وراء محاربة شركات الطيران الخليجية على خط صلالة؟ كثيرا من الأمثلة تستدعي نفسها لتبديد الحجة المجتمعية، وحتى لو وجد مواطنون يعترضون المخططات السياحية، فسوف نجد وراءه خلفيات تاريخية كانت سببها السلطات المحلية المتعاقبة، فلماذا تحملون الآن المجتمع مسؤولية عدم تطبيق مخططات وزارة السياحة؟ لو كانت السلطات المركزية والمحلية قوية لما وصلنا الآن إلى التلويح بدور المجتمع في إعاقة التطور، والقوة المقصودة هنا، قوة رؤيتها السياحية للتطوير وقوة مخططاتها السياحية وقوة عدالة التوزيع، وقوة تعويض المواطنين المتضررين، فهناك ضعف (تاريخي) مما ترتب عنه استسلام السلطات الحكومية اعتراض البعض وليس الكل، واستسلامها بتلك السهولة يطرح تساؤلات حول خلفيات وأبعاد هذا الاستسلام، وكذلك من يقف وراء التراكمات التي رأى الوزير أنه كان من باب أولى أن يتم معالجتها؟ أليست السلطات المحلية المتعاقبة؟ ومن ينبغي أن يتصدى للمعالجة؟ المجتمع من نفسه أم السلطة المحلية ومعها السلطات المركزية؟ ولو قبلنا ـ فرضا ـ قوة المجتمع في التعطيل، فكم يبدو لنا هذا المجتمع مرعبا حتى يقف وراء إفشال مخططات الدولة الإستراتيجية، أنه يتم تصويره هنا كقوة فوق قوة الدولة، وهذا غير صحيح “شكلا ومضمونا”.. الدولة لديها وسائلها الدستورية والقانونية ما يجعلها تفرض مخططاتها ومشاريعها على الفرد والمجتمع إن (أرادت)، والاحتجاج بالمجتمع يفسر من خلال ما تقدم بانتفاء عنصر الإرادة القوية، وإلا فلماذا الصمت على اعتراض (البعض) طوال العقود الماضية خاصة وأن الاعتراضات يصفها معالي الوزير بأنها غير مقنعة؟ ورغم ذلك تقبل السلطات أن تتعطل التنمية, كيف يستوي ذلك؟ لا يمكن قبول تصوير قوة الفرد أو الأفراد فوق قوة الدولة، وإذا تم تمريرها كمسلمة، فإن هذا سيعد حجة مقبولة لتبرير تأجيل وترحيل وإلغاء المشاريع، كما حدث، وقد يحدث، ونحن على يقين تام بأن هناك من يروج لهذه الثقافة وتكريسها عبر التلويح بأن ظفار حالة خاصة، وقد سمعناها كثيرا من نخب رفيعة المستوى، والكرة هنا في ملعب الحكومة وليس المجتمع.
وإذا ما تجاوزنا جدلية الفرد والدولة، فإن تصريحات معالي الوزير تحمل في طياتها تفاؤلا بنقلة سياحية جديدة وفق مفهوم جديد وإن غرقت في تشخيص الواقع من منظور بعض التداعيات وليس الأسباب والمسببات، وتفاؤلنا نجده في تبني المنهج الشمولي انطلاقا من التجربة المكسيكية، وسوف نتناولها في مقالات سابقة، وهذا يعني أن وزارة السياحة ستعمل مع بقية الجهات الحكومية المختصة بالقطاع السياحي كفريق واحد في رسم الخريطة السياحية من منظور شمولي، ونتمنى الانفتاح على مقترح دمج وسحب صلاحيات من جهات عدة إلى جهة واحدة لدواعي المنظور السياحي الشمولي، لكننا لسنا ندري كيف سيتم حل إشكالية التراكمات وحيازة مسؤولين كبار أراضي سياحية مجمدة، لا هم استثمروها ولا الدولة سحبتها منهم، وأعطتها لمن يريد فعلا استثمارها اليوم قبل غد .. فهل سيتم سحبها من نافذين ومتنفذين كبار؟ الكرة في ملعب الحكومة، الكرة الوحيدة التي هي خارج هذا الملعب، تكمن في عزوف رجال أعمال ظفار وأثرياؤها عن الاستثمار السياحي في ظفار، وقد جاءت صراحة معالي الوزير في هذا الصدد إلى حد أبدى أسفه لعدم وجود استثمار في ظفار من قبل أبناء المحافظة، كاشفا عن عدم وجود شركة واحدة تعمل في القطاع السياحي حتى الآن، لماذا؟ الكرة في هذا الملعب، وقد استشهد معاليه بتجربة (صلالة مول) التي هي عبارة عن مشروع ضخم يحتوي مجموعة مشاريع سياحية واقتصادية مهمة، فندقية، تسويقية، ترفيهية..الخ، وقد أثبت نجاعته ونجاحه منذ ولادته، ولسان الحال هنا يتساءل: كيف فوت أثرياؤنا عليهم هذه الفرصة الاستثمارية الكبيرة؟ للموضوع بقية.

إلى الأعلى