الإثنين 20 مايو 2019 م - ١٤ رمضان ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / فيا مَن لأمة العرب اليوم.. أم أن على قلوب أقفالها؟

فيا مَن لأمة العرب اليوم.. أم أن على قلوب أقفالها؟

علي عقلة عرسان

ألا إنها هَزُلَت، وهَزُلَت يا أمتي العربية المَجيدة.. وهَزُل القولُ فيها، لكثرة ما قيل عنّا وفينا، وعن محنتنا وفيها.. أفمَا نَرعوي يا تُرى؟ أفمَا نقرأ ونفهم ونستنتج ونعتبر؟ أفمَا نصحو من خُمارٍ طال واستطال؟ أفمَا نستيقظ..؟ نعم نستيقظ، بعد أن غَمرتنا سيول الدم والمآسي، وجرفتنا سياسات بائسات إلى أدنى حضيض من الحضيض؟! نعم.. لقد آن ذلك منذ زمان، لقد آن، وآن أن نفهم، وآن أن نفعل؟!

أمَا آن لِحرب العرب على العرب أن تتوقَّف، بعد الذي ألحقَته بالأمة وأقطارها وأبنائها وعمرانها من كوارث، وبعدما أزرت بها أيّما إزراءٍ بين الأمم، وأخرجتها أو كادت من التاريخ، وأسَّست لضَعف مُقيم، وأداءٍ عقيم، وانقسامات عميقة الغور، ولِعودة الاستعمار بأشكال وصيغ وصور جديدة ومتعددة، لينيخ بثقله من جديد على معظم البلدان العربية، ويجعلها وشعوبها عاجزة، تابعة، متخلفة، ومتناحرة.. تعيش عداوة لأخوتها في الأصل والدِّين، وحربا على ذاتها، وتلاحقها تهمٌ بالإرهاب، ويتَّهم الإسلام ذاته، بما لا يليق ببشر سوي أن يتهمه به؟! أرضها مستباحة، وأموالها وثرواتها وخيراتها نهبا للطامعين، وهدايا مجانية عبثية، يقدمها من يبحثون عن تَسيُّد وتسلط ودعمٍ وحماية، وعن سند على شعوبهم من خارج أوطانهم، يبقيهم في الأعالي، موالين للأعداء الأقوياد، ويجلبون الشقاء على أوطانهم وأبناء الأمة، ليحققوا ما يسمونها انتصارات.. يسعون إليها عبر مخاضات الدم، والكوارث والمجاعات، وقتل الأنفس البريئة، وتهجير البشر وإذلالهم، وتدمير العمران، والإزراء بالأمة العربية وقيمها وتاريخها وعقيدتها وهويتها ولغتها وتراثها وموروثها؟!
ومن هو يا تُرى، ذاك “الأكبر” من شعب، ومن بلد، ومن أمة، مهما علا وسما، ليكون البديل للشعب، والفرد المستبد، والطاغية المشرف من عليائه، المستمر غلوائه، وفي إشباع نزواته وأهوائه.. فيقرر مصائر عشرات الملايين من البشر، لكل منهم حق العيش بكرامة، وكل ما للإنسان من حقوق في الحياة.. وكل منهم مساوٍ تماما في الحقوق والواجبات، لفرد آخر، أخذ المال والسيف والقرار بيد، ليسوس الناس بعدل، فتحكَّم وظلم وقتل واستبد؟!
هاكم انظروا أيها العرب إلى ما صارت إليه أحوال بعض أقطاركم.. ها هو العراق العريق، أحد أهم بيوت الأمة ودروعها وسيوفها، قد دُمِّر، ثمَّ دُمِّر، ثمَّ دُمر ونُهِبَ، مالا وآثارا وتراثا ونفطا وثروات، وأُفسِدَ ففَسَد وأفسَد، حسب قول الكثير من أبنائه.. وكان ذلك بتواطؤ من عرب مع أعداء العراق، وأعداء العرب، وأعداء الشعوب، ومن عنصريي الأمم، وصليبيي العصر، ونُهَّاب العالم.. وها هي سوريا، قلب الشام، “شامة الأمة”، لحقت بالعراق، مصيرا وتدميرا وتقتيلا وتهجيرا، أو ألحِقَت به جيرة ومثيلا وتمثيلا، وما زال حبل مأساتها ومأساة مواطنيها يكر على الجَرَّار، تنزف وتُستَنزَف ليلَ نهار، ويخسرها العرب حِصنا من حصونهم، وسيفا من سيوفهم، لما ألمَّ بها من أحوال، ساهم فيها عرب من العرب، مع أعداء الأمة والدين.. وها هي ليبيا، ويا لِحظ ليبيا من التدمير والتعثير، من الاقتتال والتقتيل، ومن النهب الفاضح لذهبها وأموالها بمئات المليارات من الدولارات، ولآثارها وكنوزها، ولثرواتها وكل ما فيها من خيرات، ويا لنصيبها ونصيب مواطنيها العرب الأحرار، أحفاد الشهيد عمر المُختار، من نصيب في التيئيس والتبئيس.. وها كم أرضكم التي قلتم عنها “سعيدة”، أرض اليمن؟! ألا فليدْفق الدَّم من العيون بدل الدمع حُزنا، حين يذْكَرُ اليومَ اليمن… فما مِن يَمَن يحلم بأمن وسلام وسيادة وسعادة، ولا من ذكرى ليَمن فريد العمران سعيد!!.. بل هناك يَمنُ الكارثة الإنسانية الكبرى التي لا مثيل لها في هذا العصر، يَمَنُ الجوع والجائحات والأوبئة وموت الأطفال، يمن النزوح والجروح، يَمَن اقتتال الأخوة، وأبناء العم، والجوار مع الجوار، من عدنان وقحطان.. يَمَن الفتنة المَذهبية التي جالت وتجول فيه وتصول، شأنها في ذلك شأن أقطار عربية غزتها فأنهكتها، أقطار عربية سبقت الإشارة إلى مآسيها، على رأسها سوريا الأبيّة والعراق الذّبيح.. أقطار ضربتها تلك العواصف الفتنوية ـ الجاهلية ـ الطاغوتية، وما زالت تلازم شواطئها وسهولَها وجبالَها، حزونَها ورمالها، وتهرُس الناس هَرْسا، وتَمَسُّ بالعقيدة مَسًّا، يسيرُه يفضي إلى كثيره، وكله ضرَر وضِرار.. وتُبَيِّت في الأنفس والقلوب أحقادا، وتحيي عداوات “أكل عليها الزمن وشرب”، تبعثها جَزَعَة، سياساتٌ بائسات ومرجعيات آخذات بالقشور ولا هيات عن المقاصد والنصوص والأحكام الأصول؟! فِتَنٌ تنشر كراهية بلا ضفاف، وتسخِّر المال والبنين وقودا لنارها التي تحرق الأخضر واليابس، وتأتي على العمران والتراث والإنسان.. وتجعل العالم يسخَر من أمة الإسلام السمح التي تعيش تلك الفتنة ـ المحنة.. وتحصر نفسها في مهالكها ومهاويها.. في عصرٍ وصل فيه بشرٌ في كوكبنا، “الأرض”، إلى القمر المُنير، وغزوا النجم الأحمر “المَرِّيخ”، وملكوا من المَعرفة والعلم والتقانة والطاقة والمعلوماتية، ما يرتاد لعباد الله في أبعد الآفاق، وما يفتح مغاليق الكون، ويُشرع أبوابا وآفاقا حضارية كبرى.. وتلك مما أمرنا الله بارتيادها، بعلم وحجة وبرهان، حيث قال، عَزَّ من قائل: ﴿.. يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ ﴿٣٣﴾ – سورة الرحمن.. فنكَلنا ولم نفعل، وانكفأنا إلى الفتنة والمهانة، إلى الفساد والإفساد، والزُّور والبهتان..؟! بشرٌ من كوكبنا صاروا هناك في أعلى ذُرى العلم والقوة، ونحن انكفأنا نَبحَشُ في حفر الماضي البعيد ومناقعِه عن أبابيل، نستعيدها في زَرَدٍ وسرابيل، نُزيِّن الباطل، ونَذْهَل عن الحق، ونندفع وراء سَدَنَة الفَشْرِ والشَّر، ونغرق في القَدح والذَّم والدَّم، في الفتنة ـ المحنة.. نَلْبِسُ الحق بالباطل لَبسا مصقولا، ونكسوا أفعال الأبالسة حريرا وسُندسا وثيرا، ونمضغ في ظل الضلال والرُّعب مزيجَ الصَّاب والحنضل، ونلوك مآسينا، ونشكو من حكّامنا ومن أحكامنا البائسة ومآسينا، ولا نكف عن الشكوى.. ونُلْبِس بعضنا بعضا الأقاويل، ونصنع لأنفسنا الأحابيل والأهاويل.. يفتري المُفتري منا فريته، فنعلي شأنه ورايته، ونتبعه بالتكبير والتهليل.. ومن ثمَّ نقدِّم أنفسنا وأبناءنا وأوطاننا وما نملك، وكلَّ ما حصدناه مما بذرناه.. نقدِّمه وقودا لنار الفتنة ـ المِحْنة.. التي تقودنا في ميادينها بيادقُنا.. فتحصدنا مناجِلُها، وتَدرُسُنا نَوارِجُها، وتِذرونا مَذاريها؟!
فإلى متى.. إلى متى يبقى الحال على هذا المغزل والمنوال، ومن أجل من؟! ولماذا؟! أفلا تنظرون وتسألون وتتساءلون: بأي ذنب نُقتَلُ ونُسحَقُ ونُمْحَق، ولأية أهداف يرى أهل القرار، أنها أسمى من الحياة والدين/الإسلام، ومن الأمة العربية، ذات الشأن والتاريخ المجيد بين أمم الأرض؟!.. ولأية أهداف “سامية؟!” تُرانا نسعى ونَصخَب، ونخوض إلى الرُّكَبِ في دمائنا؟! اللهمَّ.. اللهمَّ غير تلك الأهداف التي يحقِّقها لأنفسهم أعداء العروبة والإسلام، أعداء الدين والأخلاق والقيم، أعداء الحق والعدل والحرية والإنسان، أعداء العيش الآمن للناس في أوطانهم، وأعداء السلام والوئام والتعاون والتفاهم بين بني البشر، في أرض البشر.. إن ما يتحقق هو أهداف أولئك العنصريين الجشعين، تجار الدَّم والسلاح، الساعين إلى السيطرة على المال والثروة والنفط والغاز والطاقة بقوة السلاح، تجار السياسة والمبادئ والمصالح والمواقف، أولئك الذين يبتزون الآخرين ويرهبونهم، ويعتدون عليهم ويحاصرونهم، ويفتكون بهم فتكا ذريعا، ويقتلونهم قتلا فظيعا مُريعا، ويتهمونهم من بعد، بما يؤسسونه ويسببونه لهم من مهالك، بإثارة عنف وتطرف، وبما ينفذونه ضدهم من مكائد، هي مصائد للشعوب والبلدان، وللأخلاق والقيم والإنسان؟!
ألا إنها هَزُلَت، وهَزُلَت يا أمتي العربية المَجيدة.. وهَزُل القولُ فيها، لكثرة ما قيل عنّا وفينا، وعن محنتنا وفيها.. أفمَا نَرعوي يا تُرى؟ أفمَا نقرأ ونفهم ونستنتج ونعتبر؟ أفمَا نصحو من خُمارٍ طال واستطال؟ أفمَا نستيقظ..؟ نعم نستيقظ، بعد أن غَمرتنا سيول الدم والمآسي، وجرفتنا سياسات بائسات إلى أدنى حضيض من الحضيض؟!
نعم.. لقد آن ذلك منذ زمان، لقد آن، وآن أن نفهم، وآن أن نفعل؟! ولكن هل نَحْن نَحْن، لنكون ما نريد أن نكون؟ وهل إرادتنا بأيدينا، وقراراتنا تمليها مصالحنا الأوسع من مدى يوم، ومن مساحة قُطْرٍ ضيِّقٍ يضيق، ومن حوض قصر، ومنفعة نفَرٍ قليل مِنَّا يحكموننا ويتحكمون بمصائرنا.. وليس هؤلاء هم الأمة والوطن، ولا المصير ولا القَدَر المَقدور.. لا كانوا ولن يكونوا، مهما سموا وعلَّوا وكادوا يطيرون؟!.. فهل تُرانا نرى جيدا، ونتعامل مع الواقع والوقائع والأمور بمنطقٍ وفِطنة وحِكْمَة، ونَحْكُمُها بعقل وإيمان ومسؤولية أخلاقية ـ إنسانية، وبزند يمتد شجاعة ليطيل صارما عند النزال، ذودا عن الوطن والحق والعدل والإنسان؟! لا أظن أننا نفعل ذلك، أو يمكن أن نفعله.. ما دمنا نُعلي يدَ أعدائنا على أيادينا، ونراهم الأصدقاء والرفاق والحلفاء الأوفياء، ونمنحهم ثقة عمياء ما منحناها يوما لأخينا، ابن أمِّنا وأبينا، ونقدِّرُ ونقرِّر أنهم أقرب إلى ذاتنا من الشقيق وابن العم والصديق الصدوق، والجار الجُنُب، والجارِ بالجَنْب.. وما دمنا نرى أنهم أولى بالمعروف والسلم والأمن والعون من الأخ في العروبة والإسلام والإيمان، في الوطن والمُواطَنة..؟! إن هذا أحد المَهالِك، ذلك لأننا في نهاية المطاف سوف نَضعَفُ ونُضْعِف على أيديهم بنهجنا ذاك.. فيستأسدون علينا.. وهم العدو الذي يلبَسُ ثوبَ الصديق، ويحكُمنا ويتحكَّم بنا، لذا نخشاه ونخضع له، ومن ثمَّ يسود علينا وعلى أمتنا، وينخرها وينخرنا وما نعتقد ونكون، وإنْ من خلال براقع يضعها، ورايات يرفعها.
قد ينجح من يقوم منَّا بتأسيس وجوده وقوته وسطوته، بالاعتماد على العدو، والثقة به، وتفضيله على الأخ والصديق والشريك في الوطن والمَصير.. نعم قد ينجح.. ولكنه سيدفع الكثير ويخسر الكثير، وسيجد نفسه، في نهاية المطاف، وحيدا، بلا قوة شعب يحميه، وبلا قوة وطن حرٍّ سيِّدٍ يستظل بظله ويرفعه سيدا، وسيجد نفسه وشعبه ووطنه بلا مال ولا ثروة ولا قوة ولا قدرة ولا قدوة، ويجد نفسه مغلوبا على أمره، معزولا وذابلا مثل نبات الصحراء في الهَجير.. إذ إنَّ كل شيء صار بيد عدوه، فملك العدوُّ القوة والأمر، وأصبح هو مَن يحمي الحمى و”حامي الحمى”؟! فكيف ينهض مهيض الجناح، وكيف يحمي ويسود من يوكِل حِماية نفسه وحِماه لعدوه الطامع بهما.. ذاك الذي مهما لبِس لَبوس الصديق سيبقى في جوهره العدو اللدود؟!.. ويكون انقلاب على “الصديق؟!” أشرس ما يكون عندما يحدث.. والدُّنيا قُلَّب لا أمان لها، والأمور إلى انقلاب، كما قال ابن الرومي:
إذا انقلب الصديقُ غَدا عَدوّا … مُبينا، والأمورُ إلى انقلاب
ويكون الصديق الطامع المُنْقلب على عدوٍّ ادعاه “صديقا”، أعلم بالمَضرّة، ويذكّرك بذلك ويحذِّرُك منه الشاعر منصور الفقيه الذي قال:
احذر عدوّك مَرَّة واحذر صَديقَك ألفَ مَرَّة
فلربمّا انقلبَ الصديقُ فكانَ أَعلَمُ بالمَضَرَّة
وهناك من شعرائنا مَن قال:
كُنُ مِن صديقك خائفا فلرُبَّما حَالَ الصديق
أمَّا الله سبحانه فنهى عن ذلك بصريح النص، في أكثر من موضع في القرآن الكريم.. ومن ذلك قوله في سورة المائدة: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّـهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴿٥١﴾.. وقوله في السورة ذاتها من بعد: ﴿ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّـهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ﴿٥٥﴾ وَمَن يَتَوَلَّ اللَّـهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّـهِ هُمُ الْغَالِبُونَ ﴿٥٦﴾يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّـهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴿٥٧﴾
لكن يبدو أن التذكير بذلك لا يفد، لا سيما إذا ذهب المَعنيون بالأمر في الغيِّ إلى أبعد البعيد، وخاضوا المَخَاضَة، وقطعوا حبال الاتصال والوصل بالفرع والأصل.. وحين يدركون في ساعة صحو أو في شدَّة ابتلاء، إنْ هم أدركوا ساعتئذٍ، أين هم، وكيف أصبحوا؟! فلاتَ حينَ مَنْدَم، لأنهم لا يملكون القدرة على التراجع عمَّا آل أمرهم إليه، ولا يستطيعون العودة إلى ما كان عليه أمرهم قبل انقلاب “صديقهم؟!” عليهم.. وربما يدفعهم الخوف إلى مزيد من الاستسلام والتبعية والإذعان والخضوع، وإلى عدم الاقتناع بجدوى أن ينهضوا ويستقلوا، فيبقون في حضن “الصديق ـ العدو”، ويكونون في نكد مقيم..
ومن نَكَدِ الدّنيا على الحرّ أن يَرى عَدُوّا له من صَداقته بُدُّ
كما قال أبو الطيب المتنبي.
فيا لله.. كيف نفكر ونقدِّر، كيف نقرأ ونفسِّر، كيف نفهم ونعتبر ونعبِّر.. والدروس والعِبَر منثورةٌ أمامنا في الدروب مثل اللؤلؤ المَكنون، أو مَكشوفة لأنظارنا في رأْدِ الضُّحى.. ولكن..؟! أتُرانا بلا عيون؟ كَلَّا وأَيْمُ الله.. كَلَّا.. بل على قلوبٍ أقفالُها، أو هو حُكْم الصُّم العُميُ البُكم الذين لا يعلمون.. حُكْم من خُتِم على قلبه وعلى بصره غَشاوة، ومن لا يرى حين يرى، ومَن لا يُدقِّق حقَّ التدقيق، ويتبصَّر حقَّ التبصُّر في قوله سبحانه وتعالى: ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَـكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ﴿٤٦﴾ – سورة الحج.
فيَا مَن لَأُمَّةِ العَرَب اليوم.. أمْ أَنَّ على قُلوبٍ أَقْفَالها؟!
ولا حَولَ ولا قُوة إلَّا بالَّله، وإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون.

إلى الأعلى