السبت 21 أكتوبر 2017 م - ١ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / المحليات / رحاب : كن رقيبا على ذاتك

رحاب : كن رقيبا على ذاتك

أقرأ عن الصمت وأحاول تطبيقه ، لكن ضجيج الحياة ، وصخب العمل والتواصل مع الناس بحكم عملي كمحاضر ومدرب يجعل الصمت حالة استثنائية أو واحة عقلية وروحية أفر إليها هربا من فوضى الكلام وطوفان الأفكار، وبالرغم من حضوري لدورات كثيرة وقراءاتي لكثير من المراجع حول أهمية التأمل والصمت ، فإنني لا أزال تلميذا مبتدئا في أبجديات ممارسة الصمت.
تمنيت أن يجمعني الله بأحد ممارسي رياضة الصمت ، وكنت أخطط للسفر إلى الهند أو التبت لكي أحضر دورة مطولة في الصمت ، وذلك لنظرا لما سمعت عن ممارسي الصمت وقدراتهم العقلية والروحية وتمتعهم بالصحة وطول العمر وصفاء الذهن وحدة القدرات ، فأنا أعلم أن العديد من الأشخاص الذين يصابون بأمراض خطيرة كانوا معروفين بالكلام والصخب والحركة والنشاط ، لكن كثيرا من الذين يتمتعون بالصحة والإنجاز ويحققون نتائج كثيرة في مجالاتهم هم أقل كلاما وأميل إلى الصمت والهدوء والاسترخاء العقلي والبدني.
إن ممارسة الصمت تبعدنا عن السخافات والمهاترات وتحفظ لنا اتزاننا ، وهدوءنا، وهناك دراسات قرأتها تؤكد أن ممارسي التأمل والصمت يعيشون لفترات أطول دون أن يتعرضوا لأمراض أو مخاطر صحية كتلك التي تهدد الثرثارين.
إنهم أكثر تحكما في الذات وأقل أنانية وأبعد عن التفاخر والاستعراض والرياء استمر الصمت بالنسبة لي أمنية وحلما أمني نفسي بممارسته يوما أو بعض يوم حتى أتذوق طعمه وأحرر رأسي من أفكار الماضي وخبراته ، ولكي أكون عمليا عمدت في البداية إلى أخذ آلة تسجيل صغيرة أضعها في جيبي ، أفتحها على خانة التسجيل ، وبعد ساعات من الحركة والنشاط ، أشغل المسجل ، وأستمع إلى نفسي وخاصة عندما أقود سيارتي.
كانت صدمتي كبيرة ، فقد سمعت ثرثرتي اللفظية التي تشي بمواقف تظهر تناقض أفكاري أحيانا وصراعها وخوضي في موضوعات كثيرة لا تهمني من قريب أو بعيد ولا أخفيك عزيزي القارئ أنني أحبطت كثيرا وشعرت بالاستياء مما قلته وسجلته وسمعته وقفز عقلي إلى سجل السيئات والحسنات ، وإلى الأثر الذي تتركه كلماتي في العالم من حولي ، سواء عالمي الشخصي أو من أتعامل معهم.
في المرحلة الثانية من التجربة بدأت أشغل جهاز التسجيل واستحضر وعيي في ساعات يومي كما لو أن رقيبا يسجل كل شاردة وواردة موضوع في جيبي ويلتقط كل شئ أنطق به حتى حركة الهواء فضلا عن التقاط أصوات لا أسمعها بالأذن المجردة وفي نهاية هذه المرحلة أستمع إلى التسجيل ولاحظت تقدما ملحوظا ، وهكذا كررت أخذ هذا الرقيب الذي يخضع لإرادتي ورغبتي.
كان الأمر مثيرا ومدهشا عندما اكتشفت أنني ثرثار أكثر من اللازم ، وكان الأمر مخيفا لو استمررت على هذا النظام المخيف ، فماذا يمكن أن يحدث لو ظللت أهذر وأشرق وأغرب في حياة الناس ، بالنقد تارة والسخرية تارة أخرى . وماذا يمكن أن يحدث لو استمررت أكرر ممارساتي السلبية. وفي غمرة سعيي لتطوير ذاتي والارتقاء بوعي الذات قبل ساعة من كتابة هذا المقال قابلت شخصا صامتا ، جمعتني به ظروف استقبالي لصديق كنت قد قابلته منذ سنين ، لاحظت بعد مرافقتي للضيفين أن أحدهما لا يتكلم مطلقا ، لكنه كان مبتسما وكان يجيب إجابة صريحة وشافية على كل سؤال كنت أتوجه به إليه ، لكنه ما يلبث أن يعود إلى صمته.
لقد ساق الله إلي أستاذا حكيما لم يتكلم منذ أكثر من عشرين سنة ، إلا عندما تضطره الظروف إلى الكلام أو الإجابة على بعض الأسئلة أو تعليم الناس ، كان مثالا للشخص العاقل الرزين ، بينما كانت روحه المرحة تضفي جوا من الحيوية والإيجابية على الجلسة ، علمت من خلال مناقشتي له أنه كان ثرثارا كأي إنسان عادي لكنه قرر منذ عشرين عاما ألا يضيع وقته في الكلام ، واتجه بدلا من ذلك إلى العمل والإنتاج وتهذيب الذات واستمر يطور تلك السجية في ذاته حتى عرف بالصامت ، تمنيت حقا لو أصير كذلك الشخص.

د. أحمد بن علي المعشني
رئيس مركز النجاح للتنمية البشرية

إلى الأعلى