الخميس 13 ديسمبر 2018 م - ٥ ربيع الثانيI ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / قراءة لغوية تربوية في نصائح لقمان القرآنية (7)

قراءة لغوية تربوية في نصائح لقمان القرآنية (7)

د/جمال عبد العزيز أحمد:
عاد إلى الحنان الأبوي، وسمو التعامل بين الأب وابنه، فقال مناديا بهذا النداء الرقيق الوادع الحنون:(يا بني(، فالتصغير هنا ـ كما سلف ـ ورد للتدليل، والقرب، ليكون أدعى لقبول الطفال، ونتعلم منه طريقة وكيفية نداء أولادنا بأحب ما يرغبون، وأمتع ما يريدون، دلالاً، ودلعًا، وترخيماً لنقرب منهم حسن الاستماع، وجميل الاتباع، أيْ يا حبيب قلبي، وإكسير حياتي، وربيع عمري، وقرة عيني، ونبض فؤادي، وريحانة زماني ليشعر الابن أو الطفل بحنان والده، ويسرع بتنفيذ مطلوبه.
وهذا تعليم لنا ولكل مرب أن يأخذ أولاده باللين والرفق، وأن يناديهم بأحب الأسماء إليهم، ويحترمهم، ويعلمهم توقير أنفسهم واحترام ذواتهم صغارا؛ ليشبوا على ذلك كبارا، ويكونوا شخوصاً ذوي أخلاق سامية، وتعاملات راقية، ومع ذلك تجد بعض الآباء والأمهات فيهم فظاظة، وقسوة، تجعل أولادهم لا يستمعون إلى نصائحهم، ولا ينفذون وصاياهم، ويجلسون طيلة وقتهم خارج بيوتهم مع أقرانهم من أصدقاء السوء، هنا يعلمنا لقمان ـ من خلال نص القرآن الكريم ـ أن نحسن تعامل الأولاد، ونقربهم منا، وأن نُشْرِبهم جرعة حنان وحب كفيلين بصحبتهم، وسرعة الالتزام بنصائحهم، فيشبَّ الطفل على الخلق الحسن، والأدب القويم، والسلوك الصحيح المعتدل المستقيم، فيشرف أهله، ويجلب لهم الشكر والدعاء، والانبهار، فتجد الأب يدعو له أناس لم يروه ولم يستمعوا إليه، وذلك من خلال تربيته لأولاده، وتعبه معهم، وسهره عليهم.
وتكرير النداء هنا يأتي لتجديد نشاط السامع لوعي الكلام، واستيعابه وفهمه، والالتزام به، وتذكره، وعدم الالتهاء عنه، أو التشاغل، وتركه، فالنداء إيقاظ للهمم والعزائم، وهذا القول من لقمان الحكيم إنما قصد به إعلامَ ابنه بقدر قدرة اللهتعالى، وهذه هي الغاية التي أمكنه أن يفهمه من خلالها بتلك القدرة لأن الخردلة يقال فيها لصغرها: إن الحس لا يدرك لها ثقلا؛ إذ لا ترجح ميزانًا، بمعنى أنه لو كان للإنسان رزقُ مثقالِ حبة خردل في هذه المواضع جاء الله بها حتى يسوقها إلى من هي رزقه إياها، أي لا تهتمَّ للرزق حتى تشتغل به عن أداء الفرائض، وعن اتباع سبيل من أناب إلي، ومنه قول النبي (صلى الله عليه وسلم) لعبدالله بن مسعود ـ رضي الله عنه: لا تكثر همك، ما يقدَّر يكون، وما تُرزَق يأتيك، وقد نطقت هذه الآية بأن الله تعالى قد أحاط بكل شيء علمًا، وأحصى كل شيء عددا، سبحانه لا شريك له، وقد رُوِيَ أن ابن لقمان سأل أباه عن الحبة التي تقع في سفل البحر أيعلمها الله؟ فراجعه لقمان بهذه الآية.
فعندنا أسلوب نداء، غرضه التحبب إلى الطفل، وجذب انتباهه؛ ليكون أدعى لقبول النصح، والالتزام بالخُلُق القويم الذي يراد تربيته على وفاقه، وعندنا أسلوب توكيد تضمَّنه ودخل فيه أسلوبُ شرط، فداخِلَه كذلك أسلوبُ عطف، ثم جواب الشرط، ثم النتيجة، والمقصد الذي خرج هو الآخر في ثوب من أسلوب التوكيد، والأسلوب الخبري الذي يُفيد التقرير، والتمكين في القلب، والرسوخ في الفؤاد، قال تعالى:(يَا بُنَيَّ، إِنَّهَا، إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ، فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ، إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ).

* كلية دار العلوم ـ جامعة القاهرة بجمهورية مصر العربية
Drgamal2020@hotmail.com

إلى الأعلى