الأحد 20 أغسطس 2017 م - ٢٧ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / خطر ليبيا

خطر ليبيا

تقترب الأوضاع في ليبيا من نقطة اللاعودة في تحولها إلى دولة فاشلة تشكل خطرا، ليس على دول الجوار في شمال إفريقيا فحسب بل على المنطقة كلها وما وراءها مع تحولها إلى بؤرة للإرهاب والتطرف. نذكر مرة أخرى بأن البلاد على مدى أربعة عقود لم تشهد أي تطوير لمؤسسات دولة، ولا حتى بها جيش قوي ولعل ذلك كان الأرضية الخصبة التي ساعدت على تفاقم الأوضاع الحالية. ومنذ احتشد الغرب وبعض القوى الإقليمية للإطاحة بنظام العقيد معمر القذافي، تركت ليبيا لمصيرها في وقت أيضا كانت دول الجوار المباشر (مصر والجزائر وتونس) مشغولة كل بمشاكلها. ولم يتبق في ليبيا من قوة إلا لميليشيات أغلبها متشددة إرهابية (سواء إسلامية أو متحالفة مع الإسلاميين) واستفادت تلك الميليشيات من السيطرة على مخازن أسلحة الجيش الليبي وشحنات السلاح التي هبطت على ليبيا خلال فترة الحرب الداخلية ضد النظام. وأغلب تلك الأسلحة جاء بتمويل دولة خليجية مؤيدة للإسلاميين ودعم وتسهيل من دولة إقليمية تناصر الإخوان بضراوة.
وخلال فترة حكم الإخوان في مصر تمكنت تلك الميليشيات في ليبيا من تعزيز وضعها والسيطرة على مناطق رئيسية ـ في ظل فوضى عدم وجود دولة ـ وأزاحت القوى غير الإسلامية تماما إما بالعنف في مناطق نفوذها أو باختطاف أي مؤسسات تنشأ لبناء الدولة. واستحسن الغرب ذلك بشدة لأنه يصب في استراتيجية تعزيز وضع من يصفهم “الإسلاميين المعتدلين” ـ أي الإخوان ومن على شاكلتهم ـ في مواجهة المتشددين والإرهابيين مثل داعش وبقية الجماعات التي تتبنى نهج القاعدة. وبعد عملية حقل الغاز الجزائري الإرهابية، وزيادة الهجمات على قوات الجيش والأمن في تونس وعمليات التفجير والعنف في مصر وكمية السلاح المهربة من ليبيا أصبحت دول الجوار أكثر قلقا مما يجري في ذلك البلد. ورغم انتخاب برلمان جديد لا يسيطر عليه الإسلاميون فإن قدرة أي مؤسسة سياسية ـ حتى لو حظيت بشعبية ودعم الجوار ـ على فرض أي شكل من أشكال الاستقرار تبدو أقرب للمعدومة.
الواقع أن ما تغير منذ دعم القوى التي تدخلت في ليبيا للإسلاميين هو الإطاحة بالإخوان في مصر وبروز قيادة جديدة متحسبة بشدة لخطر الإسلاميين. حتى الذعر الدولي المبالغ فيه مما تسمى “الدولة الإسلامية” في العراق وسوريا لا يمثل أولوية لدى دول الجوار أكثر من خطر الإسلاميين في ليبيا. وتخشى دول الجوار من أن الغرب يبارك ضمنا دعم قوى إقليمية للمسلحين الإسلاميين في ليبيا، حتى رغم مسؤولية هؤلاء عن اغتيال السفير الأميركي في بنغازي. وكان الهجوم على السفارة الأميركية في شرق ليبيا أثار جدلا واسعا في واشنطن لما بدا من علاقة المخابرات الأميركية مع تلك الجماعات الإرهابية “التي قتلت أميركيين” وغض الطرف عن تمويل دول صديقة لواشنطن لتلك الجماعات. ومع استمرار مواقف كافة الأطراف المعنية بالشأن الليبي على ما هي عليه: واشنطن تريد الإسلاميين، ولندن تؤوي شيوخ الإرهاب الليبيين ومصر والجزائر تدعمان القوى المدنية والتقليدية ضد الإسلاميين وحلفائهم، لا يتوقع أن تسير الأمور في هذا البلد بعيدا عن منحى التدهور.
هناك بعد آخر غاية في الأهمية وهو أن سيطرة الإسلاميين المتشددين ـ خاصة على بنغازي ـ يسهم في تعزيز خطر داعش والنصرة وغيرها من جماعات الفاشية الدينية في سوريا والعراق. فمنذ انهيار الوضع في ليبيا ومناطق الشرق تعمل كمحطة ترانزيت لمقاتلين إسلاميين يتوجهون من المنطقة إلى سوريا عبر تركيا. ومن غير المعروف إن كانت ما زالت كذلك أم لا حتى الآن، لكن ما لا شك فيه أن القوى الرئيسية التي تسعى لإقامة تحالف دولي لمواجهة هؤلاء المتطرفين في سوريا والعراق كانت على علم بمصدر توريد البشر إليهم عبر ليبيا ـ هذا إن لم تكن متورطة في تسهيل وصول مقاتلين من دول المنطقة ضمن “زيادة موارد الإرهاب” حسب تفسير المؤامرة. وبغض النظر عن نظرية المؤامرة أو غيرها فالواقع الذي نشهده أن الرابط بين الجماعات المسلحة في عدة دول وقوى الإسلام السياسي عموما وبين الإرهابيين في سوريا والعراق وغيرها لا تخطئه عين.
حاليا تسيطر في بنغازي جماعات متطرفة أبرزها: أنصار الشريعة، كتيبة راف الله السحاتي، كتيبة 17 فبراير، الدروع، وكتائب متشددة في درنة. أما في طرابلس فتوجد: قوات الدروع، كتائب مصراتة، الميليشيات التابعة لعبدالحكيم بالحاج وأبرزها قاعدة معيتيقة الجوية، واللجان الأمنية العليا التابعة لوزارة الداخلية. ونظرة سريعة على الجماعات المتطرفة المسيطرة على بنغازي وطرابلس وعلاقاتها السابقة والحالية ومصادر تمويلها ودعمها تقود إلى استنتاج بسيط: من يحذرون من الإرهاب هم داعموه، وكأنما يريدون ببساطة تحويل ليبيا إلى مصدر خطر دائم، ظنا أنه يمكن احتواؤه. ولتكن ليبيا في غرب الإقليم مثل أفغانستان/باكستان في شرقه. وتصبح المنطقة كلها في كماشة تطرف ديني ينهش في فرص تطورها ويؤوي كل شرور العالم بما يحمي الغرب وحلفاءه من ذلك الخطر. لكن هل يمكن احتواء الخطر فعلا؟ التجربة تجيب بالنفي.

د. أيمن مصطفى كاتب عربي ـ لندن

إلى الأعلى