الثلاثاء 24 أكتوبر 2017 م - ٤ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / الحدباء .. سنجار وقره قوش “2 ــ2″

الحدباء .. سنجار وقره قوش “2 ــ2″

كاظم الموسوي

حذر رجل دين أيزيدي، من “كارثة إنسانية على وشك الوقوع في سنجار بعد سيطرة المسلحين عليها”، مشيرا إلى أن “أكثر من 350 ألف أيزيدي مهددون بالإبادة أو التهجير وترك أراضيهم”. وكشف أن “عصابات داعش على رغم وعودها بعدم التعرض لأبناء الطائفة، إلا أننا لا نثق بها، وستقدم على العمل ذاته الذي مارسته في الموصل مع إخواننا المسيحيين”. كالعادة كثرت البيانات والخطابات وتباينت الأرقام وقل العمل الجدي والمطلوب. دعت وزارة المرأة العراقية إلى تدخل محلي ودولي لإنقاذ نساء قضاء سنجار شمال البلاد من السبي بعد وقوعهن بيد عناصر تنظيم داعش (3/8/2014). وأوضح البيان أن المعلومات المتوفرة لدى الوزارة تؤكد أن تنظيم داعش يحتجز نساء وفتيات في منزل واسع داخل سنجار، وتم ترحيل عدد من النساء مع عوائلهن إلى مطار تلعفر بعد قتل الرجال ولا يزال مصير كل هؤلاء النسوة مجهولًا. وكشفت جمعية الهلال الأحمر عن حصولها على معلومات تفيد بأن تنظيم داعش اقتاد عددًا من النساء المسيحيات والأيزيديات إلى مكان مجهول ليبيعهن سبايا.
نشرت على الإنترنت، ونقلت بعضها قنوات تلفزيونية، صور تظهر نازحين منتشرين بين الكهوف والوديان الصخرية في جبال سنجار العارية وعابرين عراة وحفاة في قوافل ممتدة وطويلة، أغلبهم من الأطفال والنساء. وكما بات معلوما من منظمة الأمم المتحدة في هذه الحالات، إبداء قلقها إزاء ارتفاع أعداد النازحين وتسجيل وفيات في مناطق سنجار وزمار بعد سيطرة داعش. ودون خطط واستعدادات وحماية وسبق وأن تعرض الأيزيديون إلى هجمات متكررة من قبل مسلحين متشددين في السابق بسبب طبيعة ديانتهم الفريدة من نوعها التي تعود جذورها إلى أربعة آلاف سنة.
مثل الموصل وألقابها تعيد قره قوش الكرة بأسماء أخرى، منها ما ذكره ياقوت الحموي في معجم البلدان بوصفه لها: “بخديدا: بضم الخاء المعجمة وفتح الدال وياء ساكنة ودال اُخرى: قرية كبيرة كالمدينة، من أعمال نينوى، في شرق مدينة الموصل، والغالب على أهلها النصرانية”. وسماها الفرس بيث خديدا وتعني بيت الآلهة حيث كانت هذه البلدة تدين بالمجوسية وفيها معابد كثيرة للنار والأوثان، بينما أطلق عليها الترك قره قوش وتعني الطائر الأسود، وقيل في معناها بأن بخديدا لفظة آرامية محرفة عن لفظة (بيث ديتا) أي (بيت الحدأة) وهو طائر أسود وهذا الاحتمال مرجح نظرا لما يسجله المؤرخون بأن اللون الأسود كان المرجح لكلا الجنسين حتى الآونة الأخيرة، أما أفضل ما ذكر عن بلدة بخديدا فهو “المعركة التي دارت بين الفرس والآشوريين عام 610 ق.م حصلت قرب بكديدو وبها اندحر الجيش الآشوري وهي مرادفة للفظة بيث كذوذي أي بيت الشباب باللغة الآرامية”. حسبما ورد ذلك في تعريفها في الموسوعة الحرة. وفي كل الأحوال هي مدينة عراقية سكانها من قدماء العراقيين، دخلتها العصابات أيضا، (7/8/2014) كجارتها الحدباء وعاثوا فيها بما عرفوا فيه من سلوك مشين وهددوا أهلها ودفعوهم للهجرة والبحث عن مستقر آمن أو سكن هادئ ككنائسها السبع ومعابدها وأديرتها الأخرى التي تركوها تحت تهديد التفجير أو التدمير أو التخريب. أية صور لأبناء الآلهة، مشردون ومهمومون، دموعهم تسبقهم قبل كلامهم عن تلك المدينة الوادعة والصابرة على بلواه؟
قال بطريرك الكلدان لويس ساكو إن مئة ألف مسيحي أجبروا على الفرار بعد السيطرة على قره قوش ومدن أخرى في محافظة الموصل. وذكر أسقف الكلدان في كركوك والسليمانية يوسف توما إلى أن “الجهاديين”! استولوا على مدن أخرى في الموصل بينها تلكيف وبرطلة وكرملش التي “أفرغت من سكانها”، ووصف ساكو ما يحصل بأنه “كارثة إنسانية وقد تم احتلال الكنائس ونزع صلبانها” وإحراق مئات المخطوطات القديمة. ووجه ساكو نداءً إلى مجلس الامن الدولي والاتحاد الأوروبي والمنظمات الإنسانية لمساعدة هؤلاء الناس الذين يواجهون خطر الموت، مبديا خشيته من حصول إبادة أو تطهير عرقي وديني. وفق ما نقلته وكالات الأنباء. وأكدت وسائل إعلام أميركية أن الرئيس الأميركي يدرس إمكان توجيه ضربات جوية أو إلقاء مواد غذائية أو أدوية بواسطة مظلات بهدف إغاثة عشرات آلاف العراقيين المهددين بالموت، ولم يحصل ذلك حتى وصول التهديدات إلى مدينة أربيل، عاصمة إقليم كردستان العراق!
من روما، وجه البابا فرنسيس نداء ملحا يدعو فيه المجتمع الدولي إلى “حماية” المسيحيين في شمال العراق. وأبدت فرنسا “قلقها البالغ” وطلبت عقد اجتماع عاجل لمجلس الأمن وأعلنت استعدادها لتقديم دعم للقوات التي تقاتل المسلحين من داعش في العراق من دون أن تحدد طبيعتها. كما أذاعت غيرها من دول الراغبين لحصتهم في نفط البلاد وغازه وخونته.. (متى عرفت فرنسا وغيرها هؤلاء السكان؟ ولماذا يراد دعمهم الآن؟ أم أن التابع دائما هكذا، يتسابق مع سيده!).
الأرقام كبيرة، عن أعداد السكان في تلك المدن، وأعداد النازحين والمشردين ولا سيما منهم الأطفال والنساء السبايا، والكارثة قد وقعت، هذه البدايات فإلى أين تنتهي أو متى تنجلي؟ .. عصابات ومدن وجبال وصراع من أجل الحياة الكريمة في بلد الآباء والأجداد، ومخططات شريرة تريد الاقتلاع والتشريد وعواصم غربية تغري وتجهز ملافيا بمختلف المسميات، الأبعد فيها الجوانب الإنسانية الحقيقية.
هل هذه الخلافة الجديدة؟ من يقتنع بها؟ ولماذا التأخير في مواجهتها؟ وإلى متى التفرج على الفظائع التي ترتكبها علنا وتتحدى الجميع بها؟ أسئلة كثيرة أخرى ترسم علامات استفهام ووصمة عار على سياسات الغرب وحكوماته ومن يؤيدها أو يتبع لها. ماذا سيكون حكم التاريخ عن كل هذه المآسي والكوارث والفظائع والضحايا البشرية والمادية من كنوز التراث الإنساني؟!

إلى الأعلى