الثلاثاء 21 مايو 2019 م - ١٥ رمضان ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / أوجست ستندبرج (٢ ـ ٢)

أوجست ستندبرج (٢ ـ ٢)

علي عقلة عرسان

في لون آخر من المسرحيات كتبه سترندبرج فيما بعد عام 1898، نهَج نهجا واختار أسلوبا جديدا.. فأخرج مسرحية الأحلام، وهي من المسرحيات التي مهَّدت للسوريالية التي تزعمها أندريه بريتون. وتمتاز ببعدها المطلق عن الواقع وإغراقها في الذاتية. ففي مسرحيته “إلى دمشق” تتجلى السوريالية الخالصة، حيث تعرضها الأحلام والأشياء الذاتية الخاصة.

وفي هذه المسرحية التي تتوافر فيها مميزات المذهب الطبيعي كافة، ومع ذلك ليست من النصوص التي تمثل المذهب الطبيعي في المسرح.. في هذه المسرحية حطّم سترندبرج التقاليد المسرحية، وخلق فنا جديدا في مواصفاته.. واستمر تيار هذا الخلق في إنتاجه اللاحق، وفي إنتاج من خَلَفه من الأدباء.
يقول سترندبرج، عن نفسه، في مقدمته لمسرحية مس جوليا: “لقد حطمت التقاليد، بأن منعت شخوصي من توجيه أسئلة سخيفة على إجابات بارعة. فقد تجنبت طريقة الحوار الفرنسية، بما فيها من دقة في التركيب تشبه العمليات الحسابية، وجعلت تفكير الشخوص يسير في غير انتظام، كما يحدث في الحياة الواقعية، حيث لا يصل الحديث بموضوع إلى نهايته، ولكن يأخذ ذهن إنسان ما نقطة البداية عفوا من حديث شخص آخر، ويترتب على هذا تشتت الحوار، كذلك في مدِّ المشاهد الأولى بمادة تتطور بعد ذلك وتتكرر وتنمو، كأنها موضوع قطعة موسيقية.. إذ الحبكة المسرحية مليئة بالإمكانيات، وبما أنها لا تتعلق ـ بالفعل ـ إلا بشخصين فقط، فإنني اقتصرت عليهما، مع تقديم شخصية صغيرة فحسب، ممثلة في الطباخة، كما جعلت روح الوالد التعسة الحديث المهتم أساسا بالأساليب السيكولوجية. إن أرواحنا المتطفلة لا تقنع برؤية الحوادث، بل تريد معرفة كيفية وقوعها. إن ما نريد رؤيته هو الأسلاك والآلات.. نريد فحص الصندوق ذي القاع الوهمي، ونعالج الحلقة السحرية لنجد نقطة الاتصال، ونريد أن ننظر إلى أوراق اللعب، لنرى طريقة ترقيمها.”.
وقد ألغى المؤلف تقسيم المسرحية إلى فصول، وهي تجربة قام بها اعتقادا منه بأن قدرتنا المتناقضة على أن نتوهم أن ما يدور على المسرح هو حقيقة واقعة، قد أضعفتها فترات الاستراحة بين الفصول، حيث يجد فيها وقتا للتأمل، مما يجعله يفلت من سيطرة المؤلف على مشاعره وأحاسيسه.
ومن مسرحياته الواقعية: الدائنون ـ وباريا ـ ورياح السَّموم. ويظهر فيها أثر إدجار آلن بو على الكاتب.. ومسرحية “ديون على الحساب” التي اتضحت فيها آثار نيتشه Nietzsche على المؤلف. والإنذار الأول، واللعب بالنار، وحب الأم، والرباط.
وعاد سترندبرج لكتابة المسرحيات التاريخية في الفترة الأخيرة. وهذه المسرحيات شديدة الصلة بالمسرحيات التاريخية السابقة. فمسرحية “جوستاف فاسا” استطراد لمعالجة الشخوص في مسرحية “السيد ألوف”. ومن مسرحيات هذه الفترة “إريك الرابع عشر” و”قصة الفولكنز” و”جوستاف أدولف” و”اننجيلبركت” و”كارل الثاني عشر” و”الملكة كريستينا”.
أما المسرحيات التي كتبت بعد عام 1899. فقد وضحت فيها معالم مذاهب مسرحية كثيرة جديدة. ففي مسرحية “الوصل” مثلا ابتعاد عن المذهب الواقعي، وارتماء في أحضان الرمزية السويدنبرجية، إن عالمها مشحون بالأحلام والسحر. ومن هذا النوع أيضا مسرحية “الغرفة” التي كتبها سترندبرج لمسرح فالك في استوكهولم.
وفي مسرحية “رقصة الموت” التي يعدها النقاد أعظم أعماله، نجد قائدا منعزلا يعيش في قلعة، ومعه زوجُه “أليس” التي تبغضه ويبغضها. ويأتي كيرت صديق القائد إدجار إلى القلعة، فيسيطر جو الشر، وتقع أليس في حب كيرت، ويشتركان في تدبير المؤامرة ضد إدجار. ونتيجة صدمة من الصدمات تتغير نظرة إدجار للحياة، فيدرك أخطاءه ويسعى للوفاق والوئام، ولكن الزوجة تستمر بتحطيم زوجها من دون رحمة ولا شفقة، وتعاني في الوقت ذاته من شعور الشك المُر.
ولا يخلو عالم سترندبرج من بعض لحظات العذوبة، أو الاستراحة من تنغيص الألم والشك والغدر للحياة الزوجية، فندخل لحظة إلى ما يشبه الأحلام، في تاريخ بعيد عن تاريخ أوروبا والبلدان الاسكندنافية.. ندخل عصر هارون الرشيد وحب ألف ليلة وليلة. فمسرحية “حذاء أبي القاسم الطنبوري” مستوحاة من ألف ليلة وليلة، ومن حكايا بغداد في عصر الرشيد، وقصة حذاء أبي القاسم الطنبوري أشهر من أن تعرَّف، فقد لاحقه سوء طالعه من خلال علاقته بذلك الحذاء، حتى عرَّضه لكثير من المشكلات. لكن الجديد الذي ركز عليه سترندبرج في هذه القصة، ليس ما صادفه أبو القاسم بسبب حذائه، بل قصة حب شاعرية رقيقة، بين سليكة ابنة أبي القاسم وبين الأمير الغُوري.
فقد هام الأمير الغوري حبا بتلك الفتاة الرقيقة، وأصابه منها السقم والمرض، وتردت أحواله النفسية خاصة بعد أن سمع بعزوفها عن الزواج، فقد قررت سليكة ألا تتزوج، لأنها رأت في المنام عُصفورا ذكرا لا يخفُّ إلى نجدة زوجه، عندما وقعت في شباك الصياد، في حين أنها خفَّت هي إلى نجدته عندما وقع في الشباك نفسها وخلصته.. وكذلك لأنها رأت جارها أحمد، يترك زوجه وحدها من دون معيل، ويسافر بعيدا غير عابئ بآلامها، وبما تلاقيه من عذاب الوحدة ومرارة العيش بعدَه.
ولذا فقد رأت سليكة أن الزواج أنانية من الرجل، تقابلها تضحية مفرطة من المرأة.. وتبقى العلاقة عبارة عن مرارات تتكبدها المرأة، والرجل غير عابئ بشيء.
وسعت مربية سليكة لتوفِّق بين الأمير الغوري وبين سليكة، ولتقنعها بالزواج، ولكن الوساطة المباشرة لم تنجح، فأشار حسن، وهو أحد التجار الشُّطار، بأن يعلن الأمير الغوري عن مرضه، ويوضع في محفته على قارعة الطريق، كما هي العادة في بغداد عندما يشتد المرض على شخص ولا يجد شفاءً، حيث يضعه أهله في الطريق ليراه الناس، فيصف له العارفون منهم دواء لمرضه.
وهكذا وُضع الأمير في الطريق، ورُسمت خطة كي تمر سليكة من أمامه فتسأله عن حاله، ويدور بينهما بعض الحوار الذي لا بد وأن يعيد شيئا من الأمل للأمير الغوري، ولا بد أيضا أن يؤثر في نفس سليكة فيصيبها شيء من العطف أو الحب لهذا الأمير المُدلّه في حبها. وتسير الأمور كما رسم حسن وقرر هو والمربية. وفعلا تقع سليكة، كما تشاء الروايات والخرافات، في حب الأمير الغوري من أول نظرة، وتبدأ معاناتها من الحب وآلامه.. فهي لا تريد الزواج خوفا من نتائجه، ويقرر حسن والمربية أن يقوما بتفسير الحلم بما يقنعها بالزواج، فيرسم حسن لوحة تمثل حلمها مضافا إليه التفسير، ويجعل أحد الطيور الجارحة يهاجم العُصفور الذَّكَر في الوقت الذي وقعت فيه زوجه في فخ الصياد، وهذا هو السبب الذي منع العُصفور من نجدة زوجه، وإلا لكان أنجدها.. فالإخلاص متوفر والعاطفة متبادلة ولكن… أما التاجر أحمد الذي هجر زوجَه فقد عاد إلى بغداد بعد أن حصل على ثروة، وكان قد هاجر وتحمَّل الغربة وشظف العيش، سعيا وراء الرزق، حتى لا يعرِّض زوجه وأهله للجوع ومرارة الحاجة. وهكذا تم تفسير الأمور لسليكة، فقبلت أن تتزوج من الأمير الغُوري.
أما الطنبوري أبوها الذي عرف ببخلِه، فقد عانى كثيرا من المشكلات التي سببها له حذاؤه، وعبثا حاول التخلص منه. وكان كلما حاول أن يتخلص من ذلك الحذاء أعيد إليه، وسبب له الخسائر المادية، حتى أنه عندما رماه في بحيرة كبيرة، سَدَّ مجرى المياه عن المدينة وأُخرج ليعادَ إلى صاحبه.
هذا هو ملخص الحوادث التي تناولها (أوجست سترندبرج) في مسرحيته “حذاء أبي القاسم الطنبوري”، بالإضافة إلى تصويره لجو بغداد في عصر الرشيد، ولجولات الخليفة متخفيا مع وزيره جعفر البرمكي. وقد ركّز سترندبرج في هذه المسرحية، كما هي عادته، على العلاقة بين الرجل والمرأة، وبالأخص الزوج والزوجة، وكانت آخر كلمات في المسرحية، موجهة إلى الأميرة سليكة: “انظري أيتها الأميرة، لقد عاد الزوج لينقذ زوجه ومنزله وأولاده، وفي وسعك الآن، في قرارة نفسك، أن تتخلي عن حلمك، لأن الحقيقة قد برهنت لك توا أن الزوج يعود إلى زوجته”.
وهكذا نرى سترندبرج يدور حول هذا المحور في مسرحياته، وهو علاقة الرجل بالمرأة، الأمر الذي عانى منه كثيرا في حياته الخاصة. ويبدو سترندبرج هنا أبهج ما يكون، وأقل ما يكون نقمة على المرأة.. فقد عرفناه ناقما كارها في مسرحية الأب، ولاحظنا أنه يعرض أنماطا لصور الصراع الأليم بين الجنسين، وكل ذلك بسبب علاقاته الزوجية غير الناجحة، وعلاقة أمه وأبيه. ويبدو أن هذه المسرحية كتبت في حالة صفو بينه وبين إحدى زوجاته، وهي شبه اعتذار رقيق من زوج يعود إلى أحضان زوجه بعد جفاء.
المسرحية رقيقة في معالجتها، وبسيطة في أسلوبها.. تحوي قدرا من الشاعرية وروح الشرق، وتجسد نمطا كان أشبه بالحلم المعطر بالنسبة للأوروبيين. وهي تفتقد للبنية الدرامية كما تفتقد لكثير من العناصر المشوّقة، ولعنصر الصراع بوجه خاص، وهي أشبه ما تكون بحوارية شعرية تنساب برقة وبساطة.
وفي لون آخر من المسرحيات كتبه سترندبرج فيما بعد عام 1898، نهَج نهجا واختار أسلوبا جديدا.. فأخرج مسرحية الأحلام، وهي من المسرحيات التي مهَّدت للسوريالية التي تزعمها أندريه بريتون. وتمتاز ببعدها المطلق عن الواقع وإغراقها في الذاتية. ففي مسرحيته “إلى دمشق” تتجلى السوريالية الخالصة، حيث تعرضها الأحلام والأشياء الذاتية الخاصة. ولم يكن سترندبرج يخبط خبط عشواء، عندما كتب هذا اللون من المسرحيات، ولكنه كان يكتب حسب هدف وضعه هو.. فقد صرح بأنه “حاول محاكاة أسلوب الأحلام، بما فيه من تفكك وبما فيه من منطقية. كل شيء محتمل وممكن الوقوع، إن الزمان والمكان لا وجود لهما، فمن إنسان واقعي تافه يمكن للتمثيل أن يبتكر عددا من الذكريات والخبرات والخيالات السابحة، والسخافات والأعمال المرتجلة. إن الشخوص تنقسم وتتكاثر وتختفي وتتجمد وتبهُت وتنضج معالمها، ولكن شعورا واحدا يسيطر عليها جميعا هو شعور الحالم. وفي هذا الوجود، لا أسرار ولا تناقضات أو قوانين أو نوازع للضمير.. كما لا يوجد هنا إدانة أو إعفاء، بل مجرد سرد لقصة. وبما أن الحلم غالبا ما يكون مؤلما وقلما يكون سارا، فإن القصة تسري فيها رنَّة الأسى والعطف على المخلوقات. ويلعب النوم، على الرغم من تحريره لنا من قيود الواقع، يلعب دورا مؤلما في غالب الأحوال. وعندما يبلغ الألم أقصاه، يستيقظ الإنسان ليلائم نفسه مع الواقع الذي يكون، على الرغم من مرارته، أسعد حالا من عذاب الأحلام”.
هذه هي وجهة نظر سترندبرج في كشفه الجديد لعالم جديد. وأهم مسرحيات هذا الكشف “سوناتا الشّبح”، وهي كشف واسع النطاق لزيف وخداع كبيرين، غلّفا حياة عدد من الشخصيات، وتكاد تعطي صورة عن مجتمع. وتقود حملة الكشف شخصيةُ رجل عجوز مقعد يصنع الأعاجيب. وها هو يحاصر بيتا من البيوت التي تظهر كنموذج للبيت المثالي الذي يطمح الناس إلى مجرد الدخول إليه، فضلا عن أن يكوّنوا بيوتا على شاكلته.. والأسرة التي تعيش فيه، تُعد من أفضل الأسر وأرقاها.
تبدأ المسرحية مع العجوز الذي يلتقي بطالب قام بالأمس بعمل شجاع، فأنقذ بعض الأرواح من تحت ردم بيت انهار فجأة. ويحاول العجوز أن يقنع الشاب بأن والده قد أساء إساءة كبيرة له قبل وفاته، وأنه لا يريد ثمنا لذلك سوى أن يقدّم له خدمة بسيطة جدا.. أن يذهب إلى المسرح، ويتعرف على ابنة الكولونيل صاحب البيت، ويعرف المكانة التي ستكون له هناك مع أبيها. يوافق الشاب ويرتب العجوز بقية الأمور.
في مرحلة أخرى، نجد أسرة الكولونيل تستعد لاستقبال زوار في مقدمتهم الطالب الشاب، ونرى الخادمين يتحدثان وهما يهيئان ما يلزم للدعوة، وفي أثناء حديثهما، يدخل الرجل العجوز ويطلب مقابلة الكولونيل، وفي المقابلة تظهر سيطرة العجوز على الكولونيل، لأن الأخير سبق أن سرق خطيبة الأول، واضطر الثاني إلى أن يرد له فعلته بأسوأ منها، فأغوى امرأته، وأنجبت منها الفتاة التي نراها الآن مُنية المُتمني.
ونظرا لأن العجوز يعرف السوء الذي تغوص فيه أسرة الكولونيل، فقد قرر أن يجد لابنته شابا نظيفا، فأوقع ذلك الطالب بين مخالبه. ولكي يضمن لابنته وللشاب جوا نظيفا في المستقبل، قرر أن يكشف الفساد في ذلك البيت. ولذلك عرَّى الكولونيل صاحب السوابق الذي لم يكن لا نبيلا ولا “كولونيلا”، وجرَّده تماما، وعرَّى الزوجة التي كانت خطيبة سابقة له، وبدأ يقدم سلسلة حسابات غريبة. ولكن الزوجة التي عكفت عشرين سنة في صيوان صغير بالمنزل لا تخرج منه، حتى أصبحت كأنها مومياء، تنطق كلمات معيَّنة بطريقة معيَّنة، حتى لتخال أن في البيت ببغاء لا كائنا حيا، الزوجة تواجه العجوز بحزم غريب، وتُبطل أسلحته كلها. لقد أوقفت عقارب الساعة، والتفتت إليه تقول:
“أستطيع أن أوقف الزمن عن سيره، أن أمحوَ الماضي وأصلح ما فسد، ولكن لا بالرشوة ولا بالتهديد.. بل بالمعاناة والتوبة. نحن مخلوقات تعسة، تعلم هذا. لقد أخطأنا وأذنبنا كما فعل من عَدانا، على أننا لسنا كما نبدو، لأننا في أعماقنا خير من أنفسنا ما دمنا نكره خطايانا، ولكن عندما تختار أنت يا “جوزيف هامل” باسمك المزيف، أن تجلس منا مجلس الحُكم، فإنك تسجل على نفسك أنك أسوأ منا نحن الخطاة التعساء.. لأنك لست الإنسان الذي تبدو في ثيابه. أنت لص للنفوس الإنسانية، أنت سرقتني مرة بالوعود الكاذبة.. أنت قتلت الكولونيل الذي دُفن اليوم، أنت سرقت الطالب بعد أن قيدته بادعاء دَين على أبيه الذي لم تُداينه بفلس واحد أبدا. ولكن هناك نقطة غامضة في حياتك، لست على ثقة تامة من كنهها، على الرغم مما عندي من شُبهات”.
وتمضي المومياء بالكشف عن تلك الشّبهة، ويتضح أن هذا العجوز مجرم قديم، وقد أخذ فتاة بائعة لبن صغيرة ليغرقها لأنها اطلعت على جريمته، وهو يخشى، ولا يستطيع أن يرى أية بائعة لبن. وعندما يُعرَّى على هذا النحو، تطلب إليه المرأة المومياء أن يدخل خلف حاجز مُعدٍّ في البيت دائما ليموت خلفه من أصبح موته محتما. وهناك يشنق العجوز نفسه، لأنه سيئ إلى درجة لم تعد محتَملة.. ولا بد من أن يموت هو أولا، إذا أراد أن يهيئ للطالب وللفتاة، الابنة، حياة سعيدة.
في الفصل الأخير من المسرحية، نجد الفتاة والطالب وهما يتبادلان حوارا عن الحياة والمُتَع، يشبه المقبلات التي تفتح النفس للطعام، ولكن نشعر بأن كلا منهما لا يُقبل على الحياة بنفس مفتوحة.. كأنما هناك حائل أو جدار، وتستمر لعبة تقبُّل الحياة معا.. لعبة الإيهام والخداع التي تسهِّل العيش.. ولكن الفتى يصل إلى نهاية المطاف فيقول لفتاته:
“تصوري أن أجمل الأزهار تكون سامة إلى مثل هذا الحد، بل أشدها تسميما. إنها لعنة تحيق بالخليقة كلها، بالحياة ذاتها. لماذا لا تكونين زوجتي؟! لأن ينبوع الحياة ذاته في داخلك سقيم. من السموم ما لا يذهب بالبصر، ومنها ما يفتح الأعين.. ويبدو أنني ولدت وفي دمي ذلك النوع الأخير، لأنني لا أستطيع أن أرى القبيح جميلا، ولا أن أسمي الشر خيرا. يقولون إن المسيح قد هبط إلى الجحيم..
إنهم يقصدون مجيئه إلى هذه الأرض.. إلى مصحِّ المجانين هذا.. إلى هذه المقبرة.” وعند هذا الحد تنكشف النهاية أمام الفتاة، وتموت خلف الساتر المعدني هي الأخرى وتختفي، فيترحم عليها الشاب، ويعتبر أن المنقذ قد رئف بحقها. وتنتهي المسرحية بأنشودة تفيض سماحة.
ويتجلى في هذه المسرحية تشاؤم سترندبرج بوضوح، ولكنه حصاد معاناة واعية في الحياة، ولا يريد صاحبها أن يتلهى بتصيد الفرح على أرصفة الدنيا ببلاهة مطلقة.. ولا يريد أن يعيش الوهم ويسعى إليه متقنِّعا بألف قناع، ليستسيغ لقمة مرة كل يوم، تشكل بمجموعها لقيمات الحياة ومراحلها. إنه يريد الطهارة والنقاء والوضوح، يريد الحياة في ظل الصراحة والبراءة والصدق، يريد أن تأخذ الحياة مجراها بنقاء، كما تأخذ زهرة الأوركيد الماء وتحوله إلى عطر ولون جميل، من دون أن تكون سامة شديدة السُّمية، على الرغم من جمالها وعطرها.. يريد.. ويريد.. ولكن هذا لا يتوافر له في دنيا الأحياء التي تقوم على الخديعة والمكر والزيف.
وفي أسلوب المعالجة الفنية الذي اتبّعه سترندبرج في هذه المسرحية، إرهاصات بما سنراه في مسرح العبث واللامعقول، عند صمويل بيكيت ويوجين أونيسكو. وقد حقق تقنية متقدمة، ورسم شخوصا، وسجل حوارا تأثر به كتاب المذاهب الفنية المجدّدة فيما بعد، ونراه عندهم بوضوح. من ذلك قوله:” كل لغة شيفرة”.. التي سنراها تنقلب عند يونسكو إلى لغة حوار غريبة تصل إلى علامات “دو، ري، مي، فا، صول، لا، سي”، و”ما جدوى الكلام ما دام كلٌّ منا لا يستطيع مخادعة صاحبه”، تلك التي ستظهر في مضامين مسرحيات بيراندللو وفي كثير من مسرحيات سواه كهويّة، فقد كان له في غيره من الكتاب والناس تأثير كبير.
إن سترندبرج يلخص تاريخ المسرحية من 1800 حتى العصر الحاضر، ففي أدبه بذور المذاهب كلها “الرومانسية والواقعية والطبيعية والوجودية والعبثية..”، لقد حطم سترندبرج، أكثر من أي رجل آخر، دراما القرن التاسع عشر، وأتاح لمن تبعوه أن يبدأوا على أرض ممهدة. وقد قال يوجين أونيل: “إنه بشير التجديد في مسرحنا الحديث”، ويُعرَف من أكثر النقاد بشكسبير السويد.. إلا أن هذه التوصيفات لا معنى لها، إذا لم يكن الإنتاج دليلا عليها وشفيعا لها.. ولدى سترندبرج إنتاج يستحق الكثير.
لقد مرت حياته العاصفة بين طيات الألم والاضطراب والعُقد النفسية، واستمرت الأمواج تلطمه ويلطمها إلى يوم عيد ميلاده الثالث والستين.. بينما كانت السويد تحتفل، ويحتفل معها العالم بابنها العظيم، وبينما كانت المواكب تسير تحت نافذته، والناس ينادون به أعظم كُتاب السويد، كان الموت يتربص به. وبعد أن شهد بعينيه احتفال العالم به، فارق الحياة في عام 1912 وهو يحتضن الإنجيل.

إلى الأعلى