الإثنين 17 ديسمبر 2018 م - ٩ ربيع الثانيI ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / المحليات / التوصية بوضع معايير ممارسة طبية معتمدةٍ وتوفير بيئة آمنة لعمل الأطباء وإنشاء دائرة قضائية خاصة بالأخطاء الطبية في ندوة الخطأ الطبي في ميزان العدالة بالمعهد العالي للقضاء
التوصية بوضع معايير ممارسة طبية معتمدةٍ وتوفير بيئة آمنة لعمل الأطباء وإنشاء دائرة قضائية خاصة بالأخطاء الطبية في ندوة الخطأ الطبي في ميزان العدالة بالمعهد العالي للقضاء

التوصية بوضع معايير ممارسة طبية معتمدةٍ وتوفير بيئة آمنة لعمل الأطباء وإنشاء دائرة قضائية خاصة بالأخطاء الطبية في ندوة الخطأ الطبي في ميزان العدالة بالمعهد العالي للقضاء

نزوى ـ من سالم بن خليفة البوسعيدي:
أوصت ندوة الخطأ الطبي في ميزان العدالة بالمعهد العالي للقضاء بإنشاء دائرة قضائية متخصصة في قضايا الأخطاء الطبية وإشراك عضوٍ قانوني ضمنَ تشكيلِ اللجنةِ الطبيةِ العليا جاء ذلك في الندوة التي رعاها معالي الدكتور أحمد بن محمد السعيدي وزير الصحة بحضور معالي الشيخ عبدالملك بن عبدالله الخليلي وزير العدل رئيس مجلس المعهد العالي للقضاء وعدد من أصحاب السعادة والفضيلة القضاة وأعضاء الادعاء العام والأكاديميين والأطباء وأعضاء اللجنة الطبية العليا والجمعية الطبية العمانية والفئات الطبية المعاونة .
وقد صرح معالي الدكتور أحمد بن محمد السعيدي وزير الصحة بأن الأخطاء الطبية على المستوى العالمي موجودة ولا توجد مؤسسة تقدم خدمات ولا يوجد بها أخطاء ولكن لابد من عدم تضخيم الأخطاء الطبية وتهويلها ففي عام ٢٠١٧ تم رفع 76 حالة للجنة الفنية العليا المستقلة المتخصصة في الأخطاء الطبية وعند النظر فيها اكتشفت اللجنة أن ٦١% من هذه الحالات لم يثبت وجود خطأ طبي فيها وللأسف هناك خلط بين الخطأ الطبي وهو غير مقصود والمضاعفات الأخرى سواء مضاعفات استخدام الأدوية أو مضاعفات العملية وغيره فما أحب أن أؤكد عليه أن اللجنة الفنية العليا هي لجنة قطاعية وليست لجنة وزارة الصحة فهي ذات استقلالية ومصداقية تامة ويبذلون قصارى جهدهم للوصول إلى الحقائق وهدفنا تقديم خدمات صحية ذات جودة عالية وحماية المرضى من كافة ما يدور حولهم من أجهزة ومعدات وممارسين صحيين لتفادي الأخطاء الطبية .
هذا وقد أوصت الندوة بضرورةُ ترسيخِ الوعيِ لدى أفرادِ المجتمعِ وكذلك العاملين في المجالِ الطبي بحرص الدولةِ الكاملِ على نجاح النظامِ الصحي وحمايةِ المرضى من الأخطاءِ الطبيةِ قدرَ الإمكانِ ، وذلك من خلالِ المؤتمراتِ والندواتِ والدوراتِ التدريبيةِ المتعلقةِ بهذا الشأنِ بالإضافة إلى قيامُ الجهاتِ الصحيةِ بوضعِ معاييرَ ممارسةٍ معتمدةٍ لكل إجراءٍ طبي، مما يتيحُ التوازنَ المطلوبَ بين توفيرِ البيئةِ الآمنةِ للأطباءِ والمعاونينَ لهم وحمايةِ المرضى من الأخطاءِ الطبية ونشرُ ميثاقِ مهنةِ الطبِ أو ما يعرف بدليلِ أخلاقياتِ مزاولةِ مهنةِ الطبِ البشري والسلوكِ المهني للأطباءِ ليكون متاحاً للجميع للتعرفُ عليه وحثُ المشرع العُماني على تعديلِ قانونِ مزاولةِ مهنةِ الطبِ البشري وطبِ الأسنانِ، ليتضمنُ النصَ على التزاماتِ الطبيبِ كافةً في العملِ الطبي ، ومتى ُيوصفُ مسلكُ الطبيبِ بالخطأِ في تنفيذِ هذه الالتزاماتِ وإلزامُ الطبيبِ بإعلامِ المريضِ بالمعلوماتِ اللازمةِ عن طبيعةِ مرضه والآثارِ الجانبيةِ للعلاجِ من خلالِ النصِ عليهِ صراحةً في القانونِ المقترحِ مع تحديدِ الخصائصِ التي يتعينُ أن يتصفَ بها هذا الإعلامُ ونطاقُه والعملُ على تقليصِ فتراتِ التحقيقِ في قضايا الأخطاءِ الطبيةِ سواء أمامَ اللجنةِ الطبيةِ العليا أم الجهاتِ القضائيةِ وإشراكُ عضوٍ قانوني ضمنَ تشكيلِ اللجنةِ الطبيةِ العليا. وتشجيعُ نظامِ تسويةِ المنازعاتِ بشأنِ الأخطاءِ الطبيةِ خارجَ دوائرَ المحاكمِ ، سواء عن طريقِ التأمينِ الصحي للطبيب أو عن طريقِ التحكيمِ ، على غرارِ ما هو متبعٌ في بعضِ الدولِ الأوروبيةِ والولاياتِ المتحدةِ الأميركية وتطويرُ إجراءاتِ التقاضي في منازعات الأخطاءِ الطبيةِ والعملُ على إنشاءِ دائرةٍ قضائيةٍ متخصصةٍ.
كما أوصت الندوة بإصدارُ دليلٍ قضائي يضمُ المبادئَ القضائيةِ الجزائيةِ والمدنيةِ والإداريةِ المتعلقةِ بالأخطاءِ الطبيةِ للاسترشادِ بها من الجهاتِ والأشخاصِ المعنيينَ. ومتابعةُ التعديلاتِ التشريعيةِ المتعلقةِ بالمجالِ الطبيِ ، وتعميمها على المؤسساتِ الصحيةِ ونخصُ بالذكرِ ما وردَ في قانونِ الجزاءِ الصادرِ بالمرسوم السلطاني رقم 7 /2018، في المادة( 44) منه، والتي تُبين كيفيةَ ممارسةِ الأعمالِ الطبيةِ والتدخلِ العلاجي .
وكانت الندوة قد بدأت بكلمة المعهد ألقاها الدكتور نبهان بن راشد المعولي عميد المعهد العالي للقضاء قال فيها : شهد القطاع الصحي في السلطنة تطورا نوعيا خلال سنوات النهضة المباركة التي يقود لواءها حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه – حيث بات الجميع في هذا الوطن العزيز ينعم بالمستوى الرفيع للخدمات الصحية المقدمة للمواطنين والمقيمين على حد سواء ، كما تؤكد المؤشرات الصادرة عن منظمة الصحة العالمية وغيرها من المنظمات ذات العلاقة على إحراز السلطنة لمراكز متقدمة في مجال الرعاية الصحية ، ولم يكن لتلك الإنجازات أن تتأتى لولا الدعم الكبير الذي توليه الحكومة لهذا القطاع الحيوي من خلال إنشاء المؤسسات الصحية، وتزويدها بمختلف الأدوات والوسائل التي تمكنها من أداء أدوراها على أكمل وجه ممكن، فضلا عن التأهيل والتدريب المتقدم للكادر البشري العامل في المجال الطبي، ويأتي كل ذلك ترجمة للمبادئ الموجهة لسياسة الدولة المنصوص عليها في النظام الأساسي للدولة الذي نص في مادته الثانية عشر على أنه: “.. تعنى الدولة بالصحة العامة وبوسائل الوقاية والعلاج من الأمراض والأوبئة، وتسعى لتوفير الرعاية الصحية لكل مواطن .
وتناولت الندوة ثلاثة محاور رئيسة تضمنت ست أوراق عمل حيث تطرق المحور الأول إلى ( مفهوم الخطأ الطبي) في ورقتين حملت الورقة الأولى مفهوم الخطأ الطبي في الفقه الإسلامي للدكتور عبدالله بن مبارك العبري أستاذ مساعد بكلية الحقوق بجامعة السلطان قابوس تحدث فيها عن تأصيل المسألة من مضامينها الفقهية بما يتوافق مع متطلبات البحث الفقهي المعاصر مع الأخذ بعين الاعتبار اختيارات التطبيق القضائي وذكر بعض المسائل المعاصرة التي تمس جوانب مهمة في مهنة الطب مع التعرّض لأصول المهنة من غير الخوض في الجزئيات والفروع ؛ لأن التخصصات الطبية كبيرة وواسعة جدا ، ولكل نوع منها فنيات مهنية خاصة والتوسع فيها يتطلب تفرغا تاما للبحث الفقهي .
فيما تناولت الورقة الثانية المفهوم القانوني للخطأ الطبي لفضيلة القاضي الدكتور يوسف بن سالم الفليتي قاض ابتدائي أول بالمحكمة الابتدائية بمسقط أشار فيها إلى أن الأخطاء الطبية متنوعة وأبرزها نوعان خطأ مقصود أو متعمد وخطأ غير مقصود فالخطأ الأول الذي ينشأ عن تعمد وقصد في أذى المريض نتيجة الجهل أو عدم المعرفة أو ضعف الوازع الديني وغير ذلك والخطأ الثاني الذي يبذل الطبيب فيه جهده وإخلاصه وكل ما لديه إلا أن الطبيب لا يقوم بسؤال من لديه تجربة أكثر منه خاصة في الأمراض النادرة والمستعصية أو لا يقوم بتشخيص المريض بالطريقة الصحيحة أو عدم التزامه بأخذ الحيطة والحذر أو عدم الالتزام بالمعايير ، ولما أنه لا يجوز للطبيب إفشاء الأسرار الخاصة التي تصل إلى علمه عن طريق مزاولته للمهنة ما لم يوافق صاحب السر على ذلك ، فهل يعد إفشاء الطبيب لهذا السر خطأ طبيا ؟ وإن قلنا غير ذلك فما هو المفهوم القانوني المناسب الذي يندرج تحته ؟ وما هو حجم الخطا الطبي ، إذا ما قام الطبيب بالدعاية لنفسه بانه متخصص في علاج نوع ما من الأمراض ومدى خبرته فيه ، وفي حقيقة الواقع يخالف ما قام بنشره هذا فضلا عن أنه لا يجوز للطبيب الدعاية لنفسه ، كما تحدث الدكتور عن جملة من الأسباب التي تؤدي إلى الأخطاء الطبية كقلة الأجهزة الطبية وانعدام الخبرة وغيرها من الأسباب الأخرى كما تحدث عن موقف القضاء العماني من الأخطاء الطبية .
وتطرق المحور الثاني إلى ( الخطأ الطبي من منظور علماء الطب ) حيث تناولت الورقة الأولى المشكلات العملية وانعكاساتها على تحديد مفهوم الخطأ الطبي للدكتور وليد بن خالد الزدجالي رئيس الجمعية الطبية العمانية تحدث خلالها على أن هناك فرقا بين الخطأ والإهمال والشفاء وهو من الله سبحانه وتعالى فمسؤولية الطبيب بذل كل الجهد من أجل علاج المريض ومسؤولية الطبيب العمل الجاد والمتقن وهذه تتطلب معرفة تامة بمفاهيم المعايير والبروتوكولات الطبية المتعارف عليها دوليا ، لذلك فمن يحيد عن المفاهيم أو يهملها قد يعرض المريض لنتائج غير محمودة كما أوضح أن الأخطاء الطبية قد تكون فردية أو تكون بسبب النظام المتبع داخل المؤسسة الصحية أو بسبب النظام الصحي بشكل عام .
وفي الورقة الثانية التي حملت عنوان دور اللجنة الطبية العليا في دعاوى المسؤولية الطبية أشار الدكتور عبدالله بن راشد العاصمي رئيس اللجنة الطبية العليا إلى أن اللجنة الطبية العليا تقوم بالتحقيق في الشكاوى الواردة من المحاكم وتتسلسل الخطوات الإجرائية للنظر في الشكوى وذلك بتسجيل الشكوى ، وجمع السجلات والملفات الطبية الرقمية والورقية عند الضرورة وبعد ذلك يقوم مقررو اللجنة بوضع ملخص للحالة ، وجدولتها وتحديد موعد الجلسة التي سيتم التحقيق فيها ومناقشة الشكوى ويتم التسجيل الصوتي لجلسات التحقيق حيث يقوم أعضاء اللجنة الطبية العليا بمقابلة المشتكي والمهنيين المعنيين بالشكوى من العاملين في المؤسسات الصحية ذات العلاقة ويرسل تقرير اللجنة الطبية العليا النهائي مع الخلاصة إلى الجهة الطالبة للتقرير وعند ثبوت وجود خطأ تقوم اللجنة الطبية العليا بتحديد المسؤولية بدقة ، وبيان إذا كان الخلل في النظام المعمول به أو من أحد المهنيين المعنيين ويدون أيضا في الخلاصة إن كان الخطأ أو الأخطاء التي تم إثباته قد أدى إلى أي ضرر أم لا ، وإن ثبت الخطأ والضرر ، تبين اللجنة العلاقة السببية وقد تستغرق العملية بأكملها منذ تسجيل الشكوى إلى غاية صدور التقرير النهائي حوالي عشرة أشهر أو أكثر ، وفي عام ۲۰۱۷ قامت اللجنة الطبية العليا بالتحقيق في ۱۱۹ شكوى حيث كانت نسبة الأخطاء الطبية في هذه الحالات ۳۷،٥% فقط .
وقد أظهرت آلية معالجة الشكاوى الطبية في السلطنة تحسنا كبيرا على مر السنين ، كما أن عدد الشكاوى المسجلة في اللجنة الطبية العليا قد انخفض مقارنة بزيادة عدد مراجعات وزيارات المرضى إلى المرافق الصحية المختلفة ، ويعزى ذلك إلى حد ما للجودة العالية في الخدمات الصحية المقدمة والتي يدعمها نظام المعلومات الصحية المتقدم جدا وتعمل اللجنة الطبية العليا بالتعاون مع الجهات الأخرى ذات العلاقة من أجل تحسين نظامها ، لاستكمال التحقيق في الشكاوي المسجلة بأسرع وقت ممكن لضمان الإمكانيات المتوفرة .
واستعرض المحور الثالث ورقتين تحدث في الورقة الأولى الدكتور أيمن مصطفى عضو هيئة التدريس والتدريب بالمعهد العالي للقضاء عن المسؤولية المدنية للخطأ الطبي وناقشت الورقة المسؤولية المدنية عن الخطأ الطبي من خلال التركيز على التشريع العماني باتباع المنهج التحليلي المقارن.
وفي الورقة الثانية قدم رئيس ادعاء عام عيسى بن سالم الشبيبي المسؤولية الجزائية عن الخطأ الطبي تطرق خلالها إلى تعريف الخطأ الطبي وأنواعه ووسائل إثبات الخطأ الطبي وشروط مزاولة الأعمال الطبية ، كما استعرض كيفية تعامل الادعاء العام مع الشكاوى الواردة إليه بشأن الأخطاء الطبية ، ذاكرا مجموعة من حالات الأخطاء الطبية التي تعامل معها الادعاء العام وتوضيح كيفية التصرف فيها من جهة الادعاء العام سواء بالحفظ أم بالإحالة إلى القضاء الجزائي .

إلى الأعلى