الجمعة 20 يناير 2017 م - ٢١ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / ويرتفع صوت السوريين في أرض الوطن وفضاء الأمة

ويرتفع صوت السوريين في أرض الوطن وفضاء الأمة

علي عقلة عرسان

رأيت جثثهم طافية فوق ماء البحر يدفعها الموج من قهر إلى قبر، ورأيتهم في قوارب الموت مزروعين أقدامًا فوق رؤوس ورؤوسًا تحت أحذية، يرتعدون بانتظار الغرق، ويسومهم مجرمون متجبرون من تجار الموت عذابًا بعد عذاب، ورأيتهم في الصحارى اللاهبة يعبُرون إلى مصائرهم المحتومة بين فزَع وفزَع، ورأيتهم في الخيام المنتشرة في بقاعٍ شتى من أرض البشر: جوعًا وبردًا ومرضًا وبؤسًا يقطر منه اليأس .. ورأيتهم في أرصفة موانئ وفي ساحات مدن وشوارعها يسعون وراء لقمة ذل مغموسة في الألم، ويذلهم من كان الأذل بين الناس، ويطلبون العون وينتظرون الرحمة وتدمع عيونهم المتعلقة بالسماء .. ورأيتهم في كل وقت عشته من عمر الحرب/الجنون والكارثة اللبون التي حلت بنا وفُرضت علينا، نحن السوريين، رأيتهم مزَقًا ناشبة أو معلقة في قضبان حديد البيوت المدمرة، وأشلاء مبعثرة ودمًا يسيل في الطرقات ويصبغ أرغفة الخبز بأيدي الصغار وكبار السن، ورأيتهم بؤس الإنسان في السجون والمعتقلات وأماكن الاختطاف، ورعبًا عاصفًا من وقع القذائف والصواريخ والبراميل المتفجرة، ومن قطع الرؤوس وأعواد المشانق ومشاهد الاغتصاب .. ورأيتهم .. ورأيتهم .. ورأيتهم..؟! سوريون كانوا في وطنهم يلتصقون بالأرض الحبيبة، وليس لدى الإنسان أعزّ من الوطن، ويعيشون ويعملون في القرى والبلدات والمدن ويشتكون من مظالم كبيرة وكثيرة، ومن فساد يحيل تطلعاتهم المشروعة إلى رماد، وتنقصهم أشياء لا يحيا الإنسان بكرامة من دونها، ويفترس بعضهم قسوة ظلم، ويلف أيامهم ضباب ظلام .. ولكنهم في الوطن يشعرون بشيء من الأمن والأمل ويرقبون انقشاع الغمة وصبحًا يشرق على الأرض والأمة .. ولا يعانون ما يعانونه اليوم من ذل وقهر وغربة وفقدان أمل في تشردهم على أرصفة الأم .. يتاجر بهم أبأس الخلق عقلًا وروحًا ووعيًا وحكمًا وعلمًا من أولئك الذين يبيعون ويشترون بهم، وهم غرقى في الغم والهم؟! .. رأيتهم يتمزق القلب لهم ولوطن كان وأصبح المرتجى أن يعود وأن يكون موئلًا لكل أهله بين الأوطان.
حزنت وفتك بي ما رأيت وما سمعت وما قرأت وما عانيت، فذرف قلبي دمًا واستُنقِعت في الألم إلى حدٍّ قارَب التفسخ والتفتت، وبقيت أروجُ وأترجّح بين نزف الدم ونزف الحرف معلقًا بين الأمل والقنوط أنتظر الفرج والرحمة في فضاء غائم لا يفصح عن تألق النور .. تثور بين جنبي عواصف من الغضب لمصير شعب ووطن ولمعاناة الإنسان، بصرف النظر عن السبب والمكان والزمان، وأجدني بين غشية وغشية ما أزال مغزوًّا بعقم أرفضه ومحكومًا بفرَج أرقبه، فبعد كل شدة فرج، وأكاد أفقد البصر ونور البصيرة والقدرة على الرؤية الاستشرافية والتبصر، لكي أسوِّغ لنفسي بعض فُتات القول وأسمح لقولي بأن يرى النور ويسعى إلى الآخر حتى حين يستحكم الديجور .. لكنني، وأنا في ذلك الخضم الأشدّ، لم أشعر بفقدان قيمة الكلمة ولا بقدرتها على التأثير ولا بغياب دورها أو بعدمية المعنى الذي ينتجه بها العقل والمعرفة والوعي، مهما تنوع في ميادينها المبنى، ولا أنا شعرت بقنوط من عناية عليا ومن رحمة ونعمة سابغتين تقود جميعًا إلى الوعي وإلى يقظة حقيقية ومن نوع فعال، ومن ثم إلى حدوث صدع في ليل المحنة ولجمٍ لصهيل الجنون ووقف لتدحرج كرة نار الفتنة .. وإنما أيقنت بأهمية الصبر والمثابرة على الدعوة إلى الرشد وتحكيم العقل وصحوة الضمير، وإلى الوعي بحق الآخر الشريك، وازددت ثقة بأهمية العودة إلى ما يحيي الناس بأمن وكرامة وما يبني الحياة ماديًّا وروحيًّا، وإلى حقيقة أنه لا يحق لأحد/لفئة/ لطائفة/ لطبقة.. إلخ، من الناس، تحت أية ذرائع مهما كانت، أن يستبيح الأرواح والأوطان وأملاك الناس وأعراضهم وحقوقهم وحرياتهم، ولا أن يُخل بقوانين وأحكام عامة ثابتة سامية، منها المساواة بين الناس وحفظ حقهم في الحرية والاعتقاد والانتماء .. لا يحق لأحد أن يفعل ذلك باسم الدولة والدستور والقانون، أو بذرائع الوطنية والحكمة والعصمة وتحت شعارات ومفاهيم وقيم وأمم وتاريخ ودول.. وأنه من واجب الكلمة ومن حقها أن تنمو وتكبر وتزهر وتثمر، مثلها مثل شجرة أبدية أو سدرة منتهى لا تستطيع إلا أن تستقبل نسغ الحياة وتخدمها وتعيشها فتثمر وتطعم وتغمر بالخير والبركة أو بنور مستمَد من النور الأعظم، كما هي حال السدرة العظمى.. وأنه من مواجب الكلمة أن تبدع وتردع، وأنه على سادنها وحامل مشعلها أن يرتفع بها، وأن يوظفها لما فيه الخير، وأن يراها قيمة ورسالة وقمة، فكلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين، فلا يجعلها خبيثة تنتج كل ما هو خَمِجٍ خبيث ضار .. وعلى رافع رايتها ورسالتها أن يعمل في كل الأوقات والظروف بإخلاص وصدق واجتهاد ليحقق ما ينفع الناس وينقذ من الضلال ويقي من المهالك .. وأن ينذرها وجهده لخير الجهاد: “كلمة حق في وجه سلطان جائر”، وأن تكون بيده سلاحًا للضعيف وسندًا للمظلوم وحجة للمقهور وفضاء للروح والنفس يتنفس فيه المرء ما يحييه، ويتنسم ما يسمو به ويرتقي بأفكاره وأفعاله وأقواله إلى مستوى الإنسان الحق الذي هو بهجة الحياة لا جحيمها .. وإن لم يستطع ذلك السادن رافع الراية أن يكون كذلك أو أن يفعل ذلك فعلى الأقل عليه ألا يكون نصير جَور وقهر وظلم وشر، وألا يكون سيف متسلط ولسان جهل وباذر زؤان في المجتمع وحقول الروح .. “فليقل خيرًا أو ليصمت”.. إن عليه يقوم بعملٍ خلاق بإبداع وأخلاق، بعيدًا عن الافتعال والخداع والخبث، وعن الغوغائية والانفعالات الضارة وعن الشرور وخدمة الأشرار، وبعيدًا أيضًا عن كل ما يُعشي العقل أو يلغيه .. وعليه أن يقوم بدوره من دون إغفال للدفاع عن الحق، لا سيما حق الآخر في الرأي والرؤية والتعبير وممارسة الحرية ضمن الشرط الاجتماعي والمسؤولية الأخلاقية، وقيامه بممارسة دوره وشراكته التامة بوصفه مساويًا في الحقوق والواجبات لكل الآخرين في الوطن وفي التكوين البشري ـ الإنساني .. هذا إلا فيما وهب الله وهدى إليه، فقد رفع بعض الناس فوق بعض درجات بالتقوى والعمل الصالح، وهو ما ينطوي على الفهم والفقه والسلوك بوحي من العقل والإيمان والمعرفة وتقوى الله.
وربما كان من الصحيح القول بعدم الفائدة من الصراخ في الأوقات التي يعصف فيها الجنون ببعض البشر، وتصل فيه التحديات بين فئات المتصارعين أو المتحاربين إلى حدّ الرغبة في الإبادة المتبادلة، واستباحة تامة لكل الأدوات والوسائل والسبل والأفعال المؤدية إلى تحقيق ذلك الهدف .. فذاك زمن العقم بامتياز، وزمن تجنب القول من دون حذر بامتيازٍ أيضًا .. ففي مثل تلك الأوقات والأوضاع والحالات والانفعالات وتفاعلات الكراهية والفوضى والجنون .. لا تنتشي وتنتعش وتنتفش إلا الشرور والمنون والخبائث، ولا أبطال في تلك السوح ممن يَقتلون ويُقتلون، لأن الكل يقتل الكل ويدفن العقل والحقيقة والعدل والدين والضمير والشعب والوطن في أوحال الحقد والكراهية والفتنة، ويسوِّغ لنفسه إراقة الدماء وإزهاق الأرواح .. فالكل هناك في معمعان ثورة جنون .. ومن يكون الجنون حرثه وزرعه في أرضه ونفسه وعقله وعمله ونسله ووطنه وحُكْمه وأحكامه وأفعاله وأقواله .. لا يفعل إلا كَثْحَ الرماد في العيون ليعشيَها، ولا يحصد إلا الخسران والمنون، فالحياة لحاميها وبانيها ورافع راية العدل والحق والوعي فيها..!؟
هذا أقل ما يمكن أن يعبر عنه وينتجه أو ينجزه كلامٌ حين يُدفَن الإنسان حيًّا ويبقى رغم الدفن حيًّا يرى ويعاني ويصرخ لصراخ الآخرين ولإنقاذ نفسه والآخر، ويبقى صراخه في فلاة، وينشد الخلاص تعلقًا بها، لكن يبقى نُشدانًا ونشيدًا وحداء في صحراء .. عندها يلمس العبث وربما العقم فيما هو أكثر من القول، ويعيش صقيع القطبين في أحشائه بينما تشويه رمضاء الصحارى .. فهو يوغل لكن في متاهات يضيع فيها الناطق والمنطق، العقل والصوت، الوجدان وكل قيمة من قيم الإنسان، وحتى الإنسان ذاته ومعاني حياته والحياة من حوله تضيع في تلك المتاهات .. هناك يتربع صقيع العدم، ويتجسد فيما، أو مثلما نرى ونسمع ونتابع ونقرأ عنا نحن السوريين على الخصوص في محنتنا .. هناك يتعملق الصقيع والعجز معًا حيث جثثنا أطواف فوق الماء، وبشر منا يعانون في البيداء وفي مرابض في الوطن ومنافٍ في الغربة وفي مساحات كبيرة من الشقاء يزيدها الأشقياء بلاء على بلاء .. هناك حيث القتل سيادة وعبادة وعادة، وحيث دولار الأشرار مصدر طاقة ودفع لعضلات وإرادات ضالة غافلة جاهلة والغة في الفتنة تفتك بأخيها ويفتك بها أخوها، والكل يفتك بالأبرياء قبل أن يفتك بنفسه؟! .. وهناك حيث خيامنا تملأ الأرض، ويصل شبابنا والكثيرون منا إلى المنافي، منافي الأرض ومنافي الروح، وحيث تبتلع زينة شبابنا المقابر وتكثر التوابيت ويرتفع التزييف والتشويه ويزدهر في كثير من المنابر .. هناك شقاؤنا وراهننا ومستقبلنا نحن السوريين، وما زلنا مع ذلك كله ورغم ذلك كله حربًا في الوطن وحربًا على الوطن والأمن والشعب والعقل والمستقبل، يذبح بعضنا بعضًا وينمي الحقد والكراهية والفتنة في داخله ويدخرها في كهوف إلى يوم يحين الحَين ويُستوفى الدَّيْن، وذلك يوم من سقر يُستَنفَر فيه منا ومنها وبسببها ما يُستنفَر لنقضي على ما تبقى من الذوات والأحلام والتطلعات، ومن أسف أن كل ما هو آتٍ من ذلك القبيل آتٍ إذا ما بقينا النار ووقودها، ونقضي على مستقبل آباء وأمهات هم أطفالنا الذين يكبرون اليوم في الجهل والحقد والظلام والضلال والاقتتال، ويشارك في قتلهم وقتلنا من يشاركنا في الاقتتال؟! ويفعل من يفعل ذلك منا وهو يدري أو لا يدري أنه أداة العدو التاريخي التي تقطِّع قلبه، وأنه بذلك فعل الجنوني يستنفد وعيه بالدين وانتماءه للأمة ويقضي على الشعب والوطن، وعلى كل ما يبني الحياة وينميها، وعلى كل ما يمكن أن يردع الأعداء الطامعين والفوضويين والمتطرفين والإرهابيين والعملاء والخونة والمتغطرسين والطغاة والمستبدين، وكل الضالعين في لعبة “أنا ومن بعدي الطوفان..؟! إن من يفعل ذلك يفعله ونحن نراقب بحسرة وألم وعجز كل ذلك الذي تنتفي معه كل الآمال في الامتثال للحكمة والإيمان ليسود سلام وأمان، وينتفي معه كل ما يجعل الإنسان شريك الإنسان في الوجود والمصير والقرار .. نأسف نعم ونتألم وتذرف العيون والقلوب منا دمعًا ودمًا .. لكن ما الجدوى؟! ففي مثل ذاك الوضع تتعطل العقول وتحتجب الحكمة .. فما جدوى ذرف الدمع ونزف القلب ونفث القول الذي تتناثر معه فتات من الكبد والرئتين، في أي وقت وأي مكان ومن أجل شعب ووطن وقيم، حين تستحكم الفتنة، ويتحكَّم الجنون بالناس، وتسود الفوضى، ويتسيّد الصِّغار، ويعلو شأن الصَّغار، ويصبح الجهل عادة والاستعباد عبادة، والتآمر والخيانة هما الأعلى عند التقييم وفي معايير القيم الوطنية والأخلاقية الجديدة .. ويقع الشعب والوطن والمستقبل كله بين براثن الأعداء، ويروح كل شيء ضحية .. وتبقى جثث الضحايا فوق الماء، ويبقى الأحياء الجثث ثغاء في الباحات والعشايا أو ما يشبه الثغاء؟! نعم ما له جدوى .. إنه السؤال المشروع، ولكن هل يمكن أن تتوقف الحياة وتتوقف معها الحاجة إلى الكلمة المنقذة والكفاح من أجل البقاء..؟! نعم إنها الظلمات ولكن ذلك الوقت بالذات هو وقت إشعاع الكلمات ليبقى النور وينتصر، ولتبقى الحياة وتزدهر، ويرتفع صوت الحق والعدل والإنسان فوق ضجيج الغوغاء، ويتحول ثغاء من صوتهم ثغاء وعند من يريده أو يستطيبه إلى نداء الشجاعة والحرية والكرامة، وصوت البقاء وانتصار النقاء .. يرفعه السوريون في أرض الوطن وفضاء الأمة.

إلى الأعلى