الإثنين 17 ديسمبر 2018 م - ٩ ربيع الثانيI ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / طاقة الغد

طاقة الغد

د.احمد مصطفى

“لعل أهمية الغاز الطبيعي ستزداد أكثر مقابل النفط في العقود المقبلة، ضمن استمرار حاجة الاقتصاد العالمي للنفط والغاز (ما يسمى الوقود الاحفوري، ومعهما الفحم بالطبع) لبضع عشرات السنين. لذلك تركز شركات الطاقة الكبرى أكثر على الغاز”

تطغى تقلبات اسعار النفط على عناوين الأخبار في الأسابيع الأخيرة، ليس فقط عناوين منافذ الاعلام الاقتصادية بل وسائل الاعلام الخبرية بشكل عام لما لذلك من تبعات سياسية وعلى العلاقات الدولية. ومع اشارة كل التقديرات والتوقعات إلى ان النفط سيظل مصدرا رئيسيا مهما للطاقة التي تغذي دينامو الاقتصاد العالمي، ربما حتى منتصف القرن الحالي، إلا أن مصادر الطاقة الأخرى تزداد اهميتها منذ بداية القرن. وحسب تقديرات كثير من مراكز البحوث والاستشارات فان أغلب الكهرباء المستهلكة في العالم ـ أكثر من 80 في المئة ـ سيتم توليدها باستخدام مصادر طاقة متجددة بحلول منتصف القرن. ومنذ نهايات القرن الماضي تحول قدر معقول من محطات الكهرباء من استخدام الديزل إلى الغاز باعتباره افضل بيئيا. لكن الاهم هو النمو في محطات توليد الكهرباء باستخدام الطاقة النووية ـ النظيفة تماما ـ ومن الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.
وقد بدأت مؤسسات دولية كبرى، منها مؤسسة ستاندرد اند بورز للتصنيف الائتماني، منذ نحو عامين في تطوير ادوات متابعة لسوق السندات والاستثمارات في “الاقتصاد الأخضر” ـ وغالبية ذلك هي مشروعات لانتاج الطاقة من مصادر متجددة نظيفة غير النفط والغاز. وبلغ حجم الائتمان في قطاع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح ما يصل إلى نحو 200 مليار دولار، مع توقعات بتوسع القطاع أكثر وأكثر على مدى العقود الثلاثة القادمة. واذا اخذنا في الاعتبار استمرار نمو الطلب العالمي على الطاقة بالمعدلات الحالية، فان الطاقة المتجددة والنظيفة ستشكل النسبة الأكبر من تلبية تلك الزيادة. إلا ان الطلب على النفط والغاز لن يتراجع بشدة، على الأقل حتى منتصف القرن، وان لم يزد كثيرا في السنوات المقبلة. وبغض النظر عن تأثير ذلك على الأسعار حسب معاجلة العرض والطلب في السوق العالمي فان كثيرا من اجزاء محرك الاقتصاد العالمي ستظل تعتمد على النفط والغاز.
ولعل اهمية الغاز الطبيعي ستزداد أكثر مقابل النفط في العقود المقبلة، ضمن استمرار حاجة الاقتصاد العالمي للنفط والغاز (ما يسمى الوقود الاحفوري، ومعهما الفحم بالطبع) لبضع عشرات السنين. لذلك تركز شركات الطاقة الكبرى أكثر على الغاز، وخاصة في مشروعات النفط والغاز الصخري ـ والتي غالبا ما تنتج من الغاز أكثر من النفط (حتى لو استخدم بعضه في تفتيت قشرة الأرض للاستخراج). لكن الطاقة الشمسية، وطاقة الرياح بقدر اقل، ربما تكون مصدر طاقة الغد الأكثر نموا وتطورا. صحيح ان العالم بدأ منذ نهايات القرن الماضي بحث واختبار مصادر جديدة للطاقة، لكن اغلبها لم يفلح في الصمود كمصدر متجدد مستدام مثلما هو الحال مع الطاقة الشمسية والطاقة من الرياح ـ وبالطبع الطاقة من الوقود النووي. وتمكنت دول مثل السويد وفرنسا مثلا توليد قدر هائل من احتياجاتها من الكهرباء من مصادر نووية عبر عشرات المفاعلات الصغيرة سلمية الاغراض.
ربما بدأ الأمر بمخاوف العالم من تبعات التغير المناخي نتيجة زيادة انبعاثات الكربون التي تؤدي لظاهرة الاحتباس الحراري، لكن اللجوء لمصادر جديدة للطاقة لم يكن فقط بسبب حافز الحفاظ على البيئة. فمنذ عقود والعالم يحاول ويجرب لتقليل اعتماد اقتصاده على النفط، لكن ذلك لم يصل إلى حد الانتاج الكثيف للطاقة من مصادر متجددة إلا مؤخرا. يعود ذلك إلى تطور التكنولوجيا بما يقلل كلفة الانتاج وبالتالي زيادة العرض ما يجعل اسعار الطاقة النظيفة أقل. ولنأخذ على سبيل المثال الطاقة الشمسية، التي كان سعر الوحدة منها قبل سنوات قليلة أكثر من ثلاثة اضعاف سعرها الآن. وبفضل تطوير بطاريات حفظ الكهرباء من الواح الخلايا الشمسية وزيادة الاستثمارات في تلك الصناعة (صناعة الواح الخلايا الشمسية) تواصل الاسعار انخفاضها بما يجعلها في نطاق اقتصادي لكثير من القطاعات التي تستهلك تلك الطاقة.
في العقد الأخير من القرن الماضي بدأت دولة الامارات العربية المتحدة على سبيل المثال الاستثمار في مشروعات الطاقة الشمسية، لتصل الآن استثماراتها إلى اسبانيا والمغرب ومصر والأردن في مجال توليد الطاقة الشمسية. وقد يكون مفهوما أن تكثف دولة مستهلكة للطاقة مثل الصين استثماراتها في الطاقة النووية والشمسية لاعتمادها على استيراد النفط والغاز بكميات كبيرة جدا. أما ان تستثمر دولة منتجة ومصدرة للنفط مثل الإمارات في الطاقة المتجددة والنظيفة فهي خطوة، إلى جانب اهميتها في تويع الاقتصاد الوطني، تستهدف أن يظل البلد فاعلا في سوق الطاقة حين يبدأ منحنى اعتماد العالم على النفط في التراجع. ولعل الدول المنتجة والمصدرة للنفط والغاز أقدر على اعادة استثمار بعض عائداتها النفطية في مصادر الطاقة المتجددة من طاقة نووية وشمسية وطاقة من الرياح.
كما اسلفنا، لن تتراجع حاجة العالم للنفط والغاز لعقود مقبلة لكن طاقة الغد ستكون مصادرها متنوعة ولا يغلب عليها النفط والغاز فحسب، بل ستكون “خضراء” أي قليلة او منعدمة الانبعاث الكربوني وتحديدا من مصادر نووية ومن الشمس والرياح. وربما يتعين على الدول التي تخطط لنمو اقتصاداتها في العقود المقبلة ان تأخذ ذلك في الاعتبار حتى لا تجد نفسها بعد بضع عشرات السنين على الجانب المتلقي لانتاج الاخرين بما يكلفها الكثير.

إلى الأعلى