الإثنين 17 ديسمبر 2018 م - ٩ ربيع الثانيI ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / مؤسف هذا الاختراق الإسرائيلي لإفريقيا والعالم!

مؤسف هذا الاختراق الإسرائيلي لإفريقيا والعالم!

د. فايز رشيد

في زمن الرئيس الراحل عبدالناصر كانت إفريقيا شبه مغلقة على كيان الاحتلال الإسرائيلي. للأسف بعد اتفاقيات أوسلو, والتراجع الرسمي العربي! كما أحداث عديدة أخرى, بدأ المحتل الإسرائيلي بالتسلل خلسة إلى دول العالم, وبخاصة إلى دول القارة الإفريقية: عقد اتفاقيات تجارية وتسليحية وأمنية معها, إقامة علاقات دبلوماسية, وأخرى تؤسس لوجود إسرائيلي فيها, والتخطيط مع بعضها لسرقة المياه العربية, نهر النيل مثلا بتقليل حصة مصر منه, وبناء السدود على النهر كما في إثيوبيا, وغير ذلك من الطرق التآمرية على الأقطار العربية. كما بالطبع تبادل زيارات الرؤساء والمسؤولين من الطرفين. أما آخر ذلك فهو زيارة رئيس تشاد المسلم إدريس ديبي إلى دولة الكيان بعد سلسلة من العلاقات أقيمت خلف الكواليس بين إسرائيل وتشاد.
كما هو معروف, تشاد دولة إسلامية, قامت في عام 1972 بقطع كافة علاقاتها مع دولة الكيان الإسرائيلي, وذلك بضغط من ليبيا آنذاك. بالنسبة للجانبين, فإن الموضوع الأهم في العلاقات هو الأمن. فرغم انتهاء الحرب الأهلية وتبدد التوترات مع السودان, لا تزال تشاد تقاتل ضد الثوار في شمال الدولة. وحسب مصادر إسرائيلية وإفريقية, فإن دولة الكيان الإسرائيلي أمدّت تشاد بالأسلحة والخبراء وساعدتها في محاولة القضاء على الثوار, كما أنها معنية بالتكنولوجيا الإسرائيلية في مجالات الزراعة والمياه. بالنسبة لدولة الكيان الإسرائيلي, فتشاد بالنسبة إليها كما إثيوبيا وغيرهما, تشكل مدخلا للقارة الإفريقية. ومثلما ذكرت الأنباء, سيقوم نتنياهو بزيارة إلى تشاد قريبا يعلن خلالها إقامة العلاقات الدبلوماسية وتبادل السفراء بين الجانبين. مما لا شك فيه أن زيارة ديبي إلى الكيان الإسرائيلي, ومثلما قال المعلق السياسي إلداد باك في صحيفة “إسرائيل اليوم” المقربة من الليكود ونتنياهو, “دشّنت مرحلة جديدة في العلاقات بين الطرفين.. وإن الزيارة بمثابة ربيع إسرائيلي جديد في إفريقيا, فهي تفتح آفاقا واسعة لتل أبيب في القارة السوداء”. في السنتين والنصف الأخيرتين زار نتنياهو إفريقيا ثلاث مرات, بما في ذلك الزيارة التي وصفتها إسرائيل بـ”التاريخية” عام 2017 حينها, والتي شملت خمس دول إفريقية, وقام نتنياهو بإلقاء خطاب أمام مؤتمر دول غرب إفريقيا ـ التي ثلث أعضائها مسلمون. في حزيران عام 2017, استؤنفت العلاقات مع غينيا وبعد سنة من ذلك اتفق نتنياهو ورئيس مالي (وهي دولة إسلامية أيضا) على تحسين العلاقات الثنائية بين الطرفين.
الاختراق الثاني الذي نجحت به دولة الكيان الإسرائيلي خلال العشرة أيام الماضية فقط, جاء من خلال الزيارة التي قام بها الرئيس التشیكي میلوس زیمان إلى إسرائيل, وقد هدف نتنياهو منها الإيحاء بأن القضیة الفلسطینیة قد سقطت عن جدول أعمال المجتمع الدولي بما فيها دول عدم الانحياز. الرئيس التشيكي كان صارخا في انحيازه للعدو الإسرائيلي وتشدده الديني العنصري واحتقاره للقانون الدولي وشرعية حقوق الإنسان, عندما ألقى خطابا في برلمان العدو (الكنیست) وقال فيه: “أحيانا, يتوجب على الإنسان أن يكون غير مهذّب, وأن يتفادى الصواب السياسي, ولذلك لن أتحدث عن الإرهاب العالمي ولكن عن “الإرهاب الإسلامي”!, مؤكدا معارضته الشديدة للسياسات الأوروبية التي تنادي بحل الدولتين, واصفا إياها بـ”الجبانة” ضد إسرائيل, معتبرا السماح لمن وصفهم بـ”الإرهابيين الفلسطينيين” بالحديث عبر البرلمان الأوروبي, وبأن ذلك يمثل “خيانة”, معبرا عن “خجله” من مثل هذه الخطوات! وأن “خيانة إسرائيل هي خيانة لأنفسنا”, مؤكدا “أنه سيفعل كل شيء لنقل سفارة بلاده إلى القدس”. بالفعل خطاب زيمان استفز كلّ ذي ضمير.
معروف, أن تشيكوسلوفاكيا (ائتلاف جمهورية تشيكيا وسلوفاكيا) كانت ضمن المنظومة الاشتراكية, وبعد تفكك الاتحاد السوفياتي ودول المنظومة عام 1991, انفصلت إلى الجمهوريتين المشار إليهما. كانت تشيكوسلوفاكيا أول دولة اشتراكية كسرت مبدأ احتكار السلاح, الذي فرضته الولايات المتحدة وعموم الدول الغربية على مصر الناصرية في خمسينيات القرن الماضي, فقامت بتوريد أول صفقة أسلحة إليها بقيمة 250 مليون دولار عام 1955, وبها صمدت مصر في العدوان الثلاثي عليها عام 1956 أمام بريطانيا وفرنسا ودولة الكيان الإسرائيلي. تشيكوسلوفاكيا كانت مقرا لكل حركات التحرر الوطني في آسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية, وهي كانت مؤيدة لحقوق الشعب الفلسطيني والقضايا الوطنية العربية. يظل في النهاية طرح السؤال التالي: هل لو كان الوضع العربي صلبا سيجرؤ رئيسا الدولتين على زيارة كيان الاحتلال الإسرائيلي ويتفوها بما قالاه؟ سؤال برسم القارئ الكريم.

إلى الأعلى