الإثنين 25 مارس 2019 م - ١٨ رجب ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / قراءة لغوية تربوية في نصائح لقمان القرآنية (8)

قراءة لغوية تربوية في نصائح لقمان القرآنية (8)

د/ جمال عبد العزيز أحمد:
..ويحتاج المربي إلى رباطة جأش، وتمكن وثبات عندما يتكلم، ويكون متأكدا وثابت القلب عند الحديث، وقد تمثل ذلك في أسلوب التوكيد الذي هو كناية عن رسوخ القضية في قلب وعقل وحس المربِّي، وينقلها عن اقتناع وتسليم وحب للمربَّى، وأنها قد جربت في الواقع وصحت، ومضت سنة، وناموسا كونيًّا، فلا داعي للشك والقلق، والآية كناية عن سعة قدرة الله وواسع علمه، وكمال إحاطته بكونه، وكونُها في صخرة أو في السموات أو في الأرض هو كنايةٌ عن أن شيئا مَّا مهما كان غائرا غائبا غير مرئي للناس هو واضح مكشوف بين يدي الله، لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات، ولا في الأرض، فهو خبير بكل شئ.
و(أل) في كل من (السموات) و(الأرض) جنسية، أيْ في أي سماء كانت، وفي أرض كانت، كما لو كانت في أيِّ (صخرة) في أيِّ مكان من كون الله، (يأتِ بها الله) ، وهو جواب الشرط، سرعان ما يُنطَق كناية عن سرعة الإتيان، وعدم تأخره، فهو موجود ب(كن)، لا يتأخر لحيظة، ثم تختم الآية بأسلوب التوكيد الذي يتناغم مع دلالة ما قبله، فالله (لطيف) لا يرى، ولا تدركه الأبصار.
وقد كان الحديث عن الأمور الخفية الغائرة في أغوار الأرض، البعيدة عن الأنظار، المترامية في أواخر الكون، والداخلة في أطواء الأرض، ناسب ذلك صفة (اللطيف) لله، ثم لمَّا كانت كذلك غائبة، غير واضحة لنا، لكنها معلومة عند الله جاء بكلمة (خبير) ليؤكد، ويرسِّخ، ويعمِّق هذا المعنى الجليل في نفوس المؤمنين.
ثم يواصل لقمان ـ عليه السلام ـ نصائحه لابنه، وعظاته لفلذات كبده، فيقول ـ كما يحكي القرآن الكريم:(يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) (لقمان ـ 17).
في هذه الآية خمسة أساليب إنشائية متتابعة، وأسلوب واحد خبري، الأساليب الإنشائية هي النداء: (يا بني)، والأمر (أقم الصلاة)، (وأمر بالمعروف)، (وانه عن المنكر)، (واصبر على ما أصابك)، والأسلوب الخبري هو أسلوب التوكيد المبدوء بإنَّ:(إن ذلك من عزم الأمور)، تكرار يا بني هنا لون من ألوان التربية، أن نأخذ بيد الطفل ليكون منتبها دوما، وحاضر الذهن والفكر غير شارد العقل، وفيه تدليل مطلوب ليكون أدعى للقبول والالتزام، كما لو كنت تبدأ كلامك بضمه وقول:(يا حبيبي، وقرة عيني، وأملي في دنياي)، فهو النداء المشفق الحاني الذي بالأبوة وحنانها مغدق، فلما ينتبه الابن، ويهتم، ويستحضر ذاته وحسه ووعيه، يستمع إلى الأمر يخرج من القلب، فيستقر في حنايا القلب، وزوايا الفؤاد، وبؤرة الشعور: (أقم الصلاة).

* كلية دار العلوم ـ جامعة القاهرة بجمهورية مصر العربية
Drgamal2020@hotmail.com

إلى الأعلى