الإثنين 17 ديسمبر 2018 م - ٩ ربيع الثانيI ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / ويشهد “قوس النصر” ثانية

ويشهد “قوس النصر” ثانية

أ.د. محمد الدعمي

سارع زعيم ألمانيا النازية، “أدولف هتلر”، لحظة تناهي “بشائر” جيشه باحتلال باريس حقبة ذاك، تاركا مكتبة في “الرايخ الثالث” من أجل التقاط صور فوتوغرافية تاريخية له وهو يقف منتصبا تحت “قوس النصر”، بوصفه رمزا لباريس، بل ولفرنسا كاملة كذلك.
لذا، كان قوس النصر المتموقع في قلب باريس هو دائما الموضع الذي يعمد إليه الفرنسيون من كل ذي شأن، حدثا أو شاخصا كان، للتعبير عما يبغون. إلا أن مشهد قوس النصر اليوم ومنذ بضعة أيام إنما ينذر كذلك بتحولات جذرية في فرنسا، تحولات قد تتجاوز رمزية القوس العملاق التاريخية المحدودة باتجاه تغير اجتماعي/سياسي جذري.
عندما بدأت مسيرات وتظاهرات “السترات الصفراء” Yellow Vests، كان الدافع الأساس هو السبب الذي سرعان ما أخذ يتحور وينمو من مقاومته؛ لزيادة الأسعار والضرائب إلى حركة اجتماعية يقال بأنها قد نظّر لها فيلسوف فرنسي معاصر اسمه “جون كلود ميشال”، كما فعل الفلاسفة الذين سبقوه في التنظير لـــ”الثورة الفرنسية”. لذا، فليس من المبالغة الزعم بأن حركة “السترات الصفراء” ما هي إلا فاتحة لثورة، قد تكون شاملة ضد الجمهورية الفرنسية القائمة اليوم، باتجاه جمهورية جديدة، لا يكون رئيسها صنيعة الشركات الرأسمالية الفرنسية الكبرى، كما يوصف الرئيس الشاب “إمانويل ماكرون” المتهم بتقديم مصالح أوروبا والتنافس ضد الولايات المتحدة (لنتذكر دعوته المهمة لتأسيس جيش أوروبا) على حل المشاكل الداخلية وعلى مصالح شعبه الذي يعاني تدهور المستوى المعيشي وهبوط القوة الشرائية على نحو ينذر بشيء أقرب لما حدث يوم 14 يوليو (1787) حين هاجم الثوار الجائعون “الباستيل”، مطلقين “الثورة الفرنسية”.
ولكن في هذه اللحظة الحاسمة من تاريخ فرنسا المعاصر تحدث هذه الانتفاضة الآن، والتي يتهم “اليمين” الفرنسي بقيادة منافسة ماكرون للرئاسة “لوبان”، بإشعالها وإدامتها، يشعر المرء بثمة أيادٍ أخرى غير منظورة تمتد إلى هذه الحركة الرافضة والمتمردة كي تديرها على نحو يؤدي إلى ما لا يتوقعه اليمين ذاته من معطيات، قد تكون أشبه بثورة “البروليتاريا”، من العمال والفلاحين الكادحين الذين يتوقون للإطاحة بسلطة رأس المال ومؤسساتها التي تتهم بوضع الرئيس ماكرون على سدة الحكم، ممثلا لجبروت المال الفرنسي!
أرى أن الوضع في فرنسا غامض بحق، ومرد ذلك إنما يكمن في التحولات والاستحالات التي طرأت على حركة احتجاج، بدأت بسيطة حين أطلق عليها عنوان “تظاهرات السترات الصفر”، ولكنها ما لبثت وأن تضخمت وزاد رصيدها بفعل قوى خفية لا يمكن التكهن بطبيعتها وبأهدافها إلا في آن آخر بالمستقبل، ولكن أن نلاحظ امتداد الحركة في دواخل بلجيكا المجاورة، وتحت ذات العنوان، أي “السترات الصفر”.

إلى الأعلى