الإثنين 17 ديسمبر 2018 م - ٩ ربيع الثانيI ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / رأي الوطن: مؤشرات تدق ناقوس الخطر

رأي الوطن: مؤشرات تدق ناقوس الخطر

تشكل المنظومة الصحية إحدى الأدوات التي تعبر عن مدى تقدم الأمم، فالدول المتقدمة تسعى إلى تقديم خدمات صحية لمواطنيها ذات جدوى عالية، وذلك ليس لما تملكه من أدوات حضارية وعلمية متطورة فقط، لكنها من منطلق اقتصادي وتنموي بحت، يؤمن بأن الكادر البشري هو أهم أدوات التنمية، والفاعل الأول في منظومة التقدم والرقي، وهو الثروة الحقيقية والمورد الذي لا ينضب الذي يسعى العالم المتحضر إلى تنميته جسديًّا وعلميًّا، وثقافيًّا…إلخ، لذا فالحرص الدائم على تحقيق أعلى معدلات السلامة الصحية هو المنطلق للنهوض الوطني، والغاية التي تسعى إليها هذه الدولة أو تلك، حتى تحقق من خلالها كافة الغايات الأخرى، فالإنسان السليم بدنيًّا هو القادر على العمل الذي يحقق الفارق في النمو الاقتصادي والاجتماعي، وأن توطن الأمراض في مجتمع ما تحرمه من ثروات بشرية بفعل مرضها، وتجعل جزءًا كبيرًا من مقدراته تهدر في السعي للحفاظ على حياة هؤلاء، بدلًا من رفدها في فروع التنمية المختلفة.
ومع انطلاق عصر النهضة المباركة جاء التأكيد السامي لحضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ بأن الصحة حق لكل مواطن، وأخذت الرؤية السامية التي تؤمن بأن الإنسان أداة التنمية وغايتها، تفتح المشاريع الصحية في بلد كان يفتقر لأبسط المعايير الصحية، وتوسعت لتصل السلطنة لأرقام في مجال الصحة تقارع بها دولا متقدمة في الطب، وهي إنجازات متلاحقة بفعل التخطيط السليم والتقدم بحرص مرحلي، يراعي الإمكانات ويعظمها لتحقيق أكبر قدر من الفائدة الصحية، فمع بداية النهضة المباركة انتهجت الحكومة سياسة عصرية متطورة من أهم أولوياتها نشر مظلة الخدمات الصحية في كافة ربوع السلطنة، وإيصالها إلى كافة التجمعات السكانية المنتشرة على طول البلاد وعرضها، وذلك من خلال نشر شبكة من المؤسسات الصحية في كافة الولايات والنيابات والتجمعات السكانية.
ومع تحقيق تلك الأهداف بدأت السلطنة في مواجهة الأمراض المعدية، واستطاعت بأن تكون خالية إلى حد بعيد عن تلك الأمراض بفضل الجهود التي تبذل، وسارت السلطنة في تحقيق أهدافها لتطوير المنظومة الصحية الواحد تلو الآخر، ليكون التوجه الطبيعي نحو إيجاد نمط حياة صحي، يقلل من خطورة الأمراض غير المعدية التي تعد الأشد خطرًا مثل البدانة والسكري والضغط…إلخ، وحتى يتسنى للحكومة إعداد الخطة المناسبة للحالة العمانية، سارعت بإجراء المسح الوطني الصحي للأمراض غير المعدية وعوامل خطورتها والذي نفذه مركز الدراسات والبحوث التابع لوزارة الصحة، والذي أعلنت الوزارة أمس الأول عن مؤشراته الأولية، التي جاءت لتدق ناقوس الخطر لهذا النوع من الأمراض التي أكدت وزارة الصحة أنها الأشد خطورة وتهديدًا للتنمية الصحية والاجتماعية والاقتصادية.
فالمسح الذي تم على عينة الأسر العمانية وغير العمانية من كل محافظات السلطنة والذي يعد أكثر شمولية وتوسعًا في المشاكل الصحية وعوامل الخطورة للأمراض المزمنة؛ كزيادة الوزن والسمنة المفرطة والسمنة، وتم تصنيفها كمرض وليس كعامل لأمراض أخرى، أكد أن نسبة الإصابة بالسمنة في السلطنة قد بلغ 66%، كذلك ارتفعت نسبة المصابين بالسكري من العام 2008 وحتى 2018 أكثر من 3%، وهناك أكثر من 7500 مريض سكري في السلطنة سنويًّا، وأوضحت بيانات ومؤشرات الدراسة أن 41.6% من العمانيين و30.6% غير العمانيين لا يمارسون نشاطًا بدنيًّا كافيًا، وترتفع هذه النسبة بين العمانيات الإناث لتصل إلى 50.6%؛ أي تقريبًا نصف العمانيات لا يمارسن نشاطًا بدنيًّا كافيًا. وأشار المسح إلى أن 14.1% من الذكور العمانيين يدخنون حاليًّا مقابل 0.4% فقط من العمانيات اللائي يدخن حاليًّا، وأن 38.6% من العمانيين يتعرضون للتدخين السلبي سواء في المنزل أو مكان العمل، وغيرها من النتائج التي تؤكد أن الوضع الصحي يحتاج لكثير من الخطط ليس من وزارة الصحة فقط، لكنه جهد مطلوب من كافة أطراف المعادلة، بدءًا من الأسرة والمدرسة وحتى المؤسسات التشريعية والتنفيذية المختلفة، فنحن نحتاج لجيل جديد متوازن الغذاء، يحافظ على صحته، ليضع بيديه لبنات نهضة بلاده المتواصلة المستدامة.

إلى الأعلى