الأربعاء 23 يناير 2019 م - ١٦ جمادي الأولي١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / الخلافات الروسية الأميركية وأثرها على الاستقرار والأمن الدولي

الخلافات الروسية الأميركية وأثرها على الاستقرار والأمن الدولي

محمد بن سعيد الفطيسي

تواجه العلاقات الروسية الأميركية في الفترة الأخيرة ما يمكن أن يطلق عليه بالفترة الحرجة في تاريخهما الحديث، فمن جهة روسيا بوتين تواجه أصعب التحديات والعقبات السياسية والجيوسياسية التي تهدد مرتكزات وثوابت الأمن القومي والمصالح الروسية الوطنية والدولية، خصوصا تلك التي تقع في حدود البيت الروسي القديم والعلاقات الدولية الروسية مع القوى الدولية كالولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي وذلك على خلفية بعض القضايا الأمنية والسياسية، وتحديدا تلك المصالح التي تتباين فيها وجهات النظر وتختلف بين المصالح الروسية ومصالح غيرها من الدول على رقعة الشطرنج العالمية.
من جهة أخرى فإن الولايات المتحدة الأميركية بدورها تعايش أكثر فتراتها اضطرابا في تلك العلاقة مع القوة الروسية وكذلك على مستوى الاستقرار في ثوابت ومتغيرات العلاقات الدولية وكذلك على صعيد القرارات الداخلية الوطنية في ظل إدارة الرئيس ترامب، حيث يتضح تصاعد التوتر وعدم القدرة على التقارب بين هاتين القوتين العظميين، وهو ما ينعكس سلبا وبشكل واضح على الاستقرار والأمن الدوليين.
وباستعراض بعض أهم تلك القضايا نجد أن مجمل تلك الخلافات تدور حول مخاوف كل من الولايات المتحدة الأميركية وروسيا وافتقادهما الثقة في بعضهما البعض، وكذلك حول اختلاف الطموحات والمصالح الجيوسياسية بينهما خصوصا في مناطق التماس وتضارب المصالح، ومن أهم تلك القضايا الراهنة التي فاقمت من تباين وجهات النظر وتلك الخلافات ووسعت من دائرة الصراع القضايا التالية :-
أولا : معاهدة الحد من الأسلحة النووية المتوسطة المدى الموقعة بين كل من روسيا والولايات المتحدة الأميركية إبان الحرب الباردة، والتي تتهم فيها هذه الأخيرة روسيا بالانتهاك الصريح، وحول هذه الاتهامات قال الرئيس الروسى فلاديمير بوتين إن موسكو ستضطر للرد إذا انسحبت الولايات المتحدة من معاهدة القوى النووية المتوسطة المدى. حيث أمهلت الولايات المتحدة روسيا 60 يوما لإثبات براءتها مما وصفته واشنطن بانتهاك المعاهدة المبرمة عام 1987 قائلة إنها ستضطر لبدء عملية انسحاب إذا لم يطرأ أى تغيير.
ويلاحظ حول هذه القضية أنها تسير في اتجاه تصاعدي حتى الآن بين كلا القوتين، في وقت تتصاعد فيه المخاوف في أوروبا من عودة الصراعات الجيوسياسية والعسكرية على الأراضي الأوروبية بعد هدوء دام ما يقارب الثلاثة عقود. حيث وفي حالة فرضية عدم قبول روسيا التراجع، وانسحاب الولايات المتحدة الأميركية من المعاهدة، فإن ذلك سيعني فتح الباب على مصراعيه لزيادة سقف التوسع في التسلح النوعي والصواريخ المتوسطة والقصيرة.
ثانيا: احتمال نشر قوات أميركية على الأراضي القبرصية : حيث حذرت روسيا السلطات في قبرص عبر المتحدثة باسم وزارة خارجيتها قائلة : إن موسكو علمت “بالخطط المعادية لروسيا” والتي تنخرط فيها قبرص مع الجيش الأمريكي الذي يسعى، على حد قولها، إلى إنشاء قواعد لقواته هناك. وذلك من مغبة السماح بانتشار قوات للجيش الأميركي على أراضيها قائلة إن مثل هذه الخطوة سيتبعها رد فعل روسي وتؤدي إلى “آثار خطيرة ومزعزعة لاستقرار” الجزيرة الواقعة في البحر المتوسط.
وتعد حالات التوسع الأميركي عبر مساعي ومحاولات إنشاء قواعد عسكرية لها في مناطق النفوذ الروسي من جهة أو قريبا من مناطق التماس أو المصالح الروسية الدولية من جهة أخرى ذات الحساسية العالية سواء في أوكرانيا أو قبرص أو حتى في اليابان أحد أهم أسباب التوتر بين كل من الولايات المتحدة الأميركية وروسيا، حيث تنظر هذه الأخيرة لمثل هذه السياسات والتوجهات الأميركية على أنها تشكل تهديدا مباشرا للأمن القومي والمصالح الروسية، ما يفترض معه ضرورة رد روسي صريح على ذلك، وهو ما تحقق عبر التهديد المباشر لتلك الدول كما هو الحال مع قبرص، أو عبر التعاطي بقوة مع بعض المعطيات والقضايا ذات التداخل كما هو الحال مع اليابان في قضية جزر الكوريل.
ثالثا: محاولات الولايات المتحدة الأميركية إنشاء كيان كردي مستقل عن دمشق شمال سوريا ما يمكن أن ينعكس ذلك بشكل خطير – من وجهة النظر الروسية – على مصالحها ومصالح حلفائها، خصوصا الدولة السورية التي بدأت تستعيد استقرارها وأمنها الوطني وسيادتها على أراضيها، حيث تحاول الولايات المتحدة وعلى حد تعبير روسيا المراهنة على الأكراد السوريين لإنشاء كيان شبيه بدولة مستقلة عن دمشق شمال سوريا، وتقوم بتشكيل حكومة ما يسمى بفدرالية شمال سوريا الديمقراطية”. وهو ما ترفضه بشكل قاطع العديد من الأطراف في المنطقة كتركيا وإيران وسوريا.
على ضوء ذلك نجد أن مجمل تلك القضايا وغيرها ترسم صورة خطيرة لمستقبل العلاقات الأميركية الروسية، كما تهدد الأمن والاستقرار الدولي بمزيد من الفوضى والاضطراب في حقل العلاقات الدولية، وقد بدأت أولى الإشارات إلى ذلك عبر طلب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من المسؤولين في وزارة الدفاع، التحضير لـ4 آلاف مناورة عسكرية في العام 2019، تزامنا مع تزايد حدة التوتر بين روسيا والولايات المتحدة. ( وتأتي هذه الأوامر العسكرية على وقع تصاعد التوتر بين روسيا والغرب، بعد عدة وقائع منها الهجوم الروسي على سفن أوكرانية، ومحاولة اغتيال العميل سيرجي سكريبال في بريطانيا).

إلى الأعلى