الإثنين 25 مارس 2019 م - ١٨ رجب ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار : شتاء فرنسا “ربيع عربي”!

باختصار : شتاء فرنسا “ربيع عربي”!

زهير ماجد

ليس من قبيل الصدفة أن يتحرك أصحاب السترات الصفر في فرنسا ثم في بلجيكا وهولندا في وقت واحد.. ففي موسم التنبه من الظواهر لابد من معرفة الأسباب التي تكونت لتضع فرنسا ضمن كابوس، لابد أن القيمين عليها باتوا يعرفون من يقف وراء المشهد، وماذا يريد، وعلى ماذا يخطط ليصنع ماهو أبعد من حضوره.
يهجس الفرنسيون في هذه الأيام الحبلى بما لايطيقونه، أن اختيار منطق القوة الذاتية الأوروبية كأنه لعب مع الأبالسة، وأنه انتحار بطيء دفعت مثله فرنسا في السابق(1968)، رغم ماكان للجنرال شارل ديجول من حضور وجهوزية لحكم قوي.. كان على الرئيس الحالي ماكرون ألا يتلفظ بجملة إنشاء جيش أوروبي، في الوقت الذي ينتظره فيه الأميركي عند كل منعطف.. كما يهجسون، أن الصدام بين الاتحاد الأوروبي الذي شرطه الاستقلالية الأوروبية والأميركي، سوف يقع إن عاجلا أو آجلا، إما دفعة واحدة أو بالتقسيط. فأوروبا الموحدة القوية، يعني الخروج من عباءة الأميركي، بما يعني أيضا، تكسير مفهوم القارة العجوز التي يرددها الأميركي وليس غيره.
في يوم واحد، تحرك الصفر الفرنسيون ومن ثم البلجيك والهولنديون والحبل على الجرار، رسالة قوية إلى أوروبا التي لم تنس وحدتها لكنها مازالت تعمل على صيانتها وزيادة مناعتها، فإذا بها غير قادرة، وإذا بالأميركي يتمكن منها دائما ليأخذ الشارع إلى حيث يريد ويسعى لتجديد حضوره، على أنه في الوقت الذي تتمظهر الدولة الأوروبية بالإمساك بشارعها، ينتصر ذلك في إخراج هذا الشارع من عقاله ليبني من خلاله دائرة وجوده الدائم، فحرام على الأوروبي أن يتمتع بوحدته وأن يبحث عن قوته، وأن يحلم بجيش أوروبي يخرج به على الحلف الأطلسي، بمعنى التمرد على القوة التي تحكم هذا الحلف.
يقول الفرنسيون إن أصعب مايواجههم في تلك المظاهرات فقدان الرأس الذي يقودها، تماما كما حصل العام 1968 حين فجر يهودي أقوى مظاهرات في تاريخ فرنسا ثم انسحب وتلاشى ولم يعد معروفا من يكون وأين هو.. يومها ردت أميركا وإسرائيل على موقف ديجول من موقفه من الحلف الأطلسي ومن دعمه لمصر والعرب إثر حرب العام 1967.. واليوم يقال لهذا الشاب ماكرون قليل التجربة في الحكم، القادم من لعبة المال والمصارف، أنه يمكن للتاريخ أن يتكرر، لكنه سيأخذ شكلا جديدا لابد أن يوحي دائما بمن يقف وراءه.. أليس ملفتا وباعثا للعجب كيف تأمنت عشرات الآلاف من السترات الصفر دفعة واحدة ومن غطى أثمانها بل من دفع لاحتياجات المتظاهرين على مدار الساعة.. هو ما يشبه تماما ما جرى مثلا في ليبيا التي نام فيها الليبيون بلا أعلام ثم أفاقوا على أكثر من عشرين ألف علم تملأ الشوارع والأماكن العامة إبان جحيمهم الذي مزق بلادهم، وهي العلم الذي صار لاحقا علم ليبيا الجديد.
لقد بات معروفا أن أصحاب السترات الصفر بكل ماطرحوه حول أسباب تظاهرهم إنما هو إخفاء للسبب الحقيقي الذي تظاهروا من أجله.. فكل ما فعلوه يشبه ماجرى في سوريا.. طرحوا في البداية تنزيل أسعار النفط وبعض الملاحظات البسيطة غير المهمة، ثم وصلوا إلى طرح رحيل ماكرون وغدا لتغيير فرنسا.. وهذا مايؤكد أن من خطط لبلادنا أراد استعادتها في فرنسا وبلجيكا وهولندا وغيرها مما سيلحق غدا.. فقد تقرر الهجوم وعلى الفرنسي وبقية أوروبا أن تفهم وقد فهمت، وما خروج بريطانيا من الاتحاد سوى جزء من واقع أوروبا المقبل.

إلى الأعلى