الأربعاء 23 يناير 2019 م - ١٦ جمادي الأولي١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / شراع : نيكي هايلي.. مشروع قرار فاشل يختم مسيرة الخيبة

شراع : نيكي هايلي.. مشروع قرار فاشل يختم مسيرة الخيبة

خميس التوبي

لطالما أرادت نيكي هايلي سفيرة الولايات المتحدة إلى الأمم المتحدة أن تعكس أعماق مشاعرها تجاه كيان الاحتلال الإسرائيلي، ومدى الهيام الذي ينضح بنفاق غير مسبوق لترسيخ الصورة المنطبعة بأن المهاجرين إلى بلد العم سام أشد ولاء للصهيونية عن ذوي الأصول الأميركية، إلا أنها مع ذلك لم تنجح طوال مسيرتها العملية التي أرادت من خلالها أن تجعل من الأمم المتحدة منصة متقدمة للدفاع عن الصهيونية، وعن كيان احتلالي قاتل الأطفال والنساء، وناشر للفتن والحروب والكراهية، وهادم دعائم الأمن والاستقرار ليس في المنطقة وحدها، بل في العالم أجمع. فكل تاريخها الذي قضته في أروقة الأمم المتحدة المرصع بنياشين الحقد والكراهية والتحريض والتشويه والتأليب وحرف الحقائق كان عنوانه العريض والثابت “الخيبة والفشل”. فذات الأصول الهندية لم تبلغ النضج السياسي، وبقيت طوال مسيرتها العملية بين أحضان المراهقة السياسية، ومن تابع جلسات مجلس الأمن الدولي لا بد وأنه قد لفتت انتباهه القبلات الحارة بين المراهقة الشبقة هايلي وسفير روسيا الاتحادية لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا، على سبيل المثال.
السفيرة هايلي أرادت أن تختم مسيرتها العملية في الأمم المتحدة بشيء تضعه تذكارًا على دورها في الدفاع عن القتلة والسفاحين، وتعبِّر به عما يجيش بداخلها وتعزز به ثقتهم فيها، خصوصًا وأنه يتردد أنها تتهيأ في المرحلة القادمة لأن تخوض غمار المنافسة للفوز بمنصب رئيسة للولايات المتحدة، لذلك تجتهد لكي تذخِّر سيرتها الذاتية بما يرفع أسهمها لدى الناخب الأميركي، وتحديدًا لدى اللوبي الصهيوني، وأباطرة السلاح والنفط لتقدم نفسها على أنها قادرة على فعل شيء يستحقه هؤلاء جميعًا، ويهدفون إلى تحقيقه عبر من يأتون به إلى سدة الرئاسة.
مشروع القرار الأميركي الذي تقدمت به السفيرة الأميركية نيكي هايلي إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة لإدانة المقاومة الفلسطينية وتجريمها أرادت هايلي منه أن يكون مسك الختام، إلا أن قوة ريح الحق كانت أقوى من قوة ريح باطلها، فكان فشل المشروع والخيبة والحسرة خاتمة مسيرتها، إيذانًا بالرحيل بعد أن حزمت أمتعتها من المنظمة الدولية التي تستعد لاستقبال سفيرة جديدة لا تقل مراهقة عن نيكي هايلي وهي المتحدثة باسم الخارجية الأميركية هيذر ناورت. فقد أيدت مشروع القرار الأميركي 87 دولة، وعارضته 57 دولة، بينما امتنعت 33 دولة عن التصويت.
وعلى الرغم من الضغوط الأميركية المبذولة لدعم مشروع القرار وحصوله على الأصوات اللازمة لتمريره والتي أثمرت دعمًا بالإجماع من دول الاتحاد الأوروبي في تأييد نادر، فإن فشل المشروع له دلالات كثيرة منها:
أولًا: إن الولايات المتحدة لم تعد في تلك المكانة التي تؤهلها لأن تملي شروطها ومواقفها على دول العالم، فقد تراجعت مكانتها جراء السياسات الرعناء التي تتبعها إداراتها، لا سيما الجمهورية في تعاملها مع دول العالم، والتي أساءت بصورة فجة إلى صورة الولايات المتحدة، وهو ما يؤكد أن العالم يشهد تحولًا حقيقيًّا نحو تعدد الأقطاب، وأن عصر القطب الواحد يطوي خيمة رحيله، فضلًا عن أن سياسة القطيع لم تعد صالحة مع دول تعتز بقيمها ومبادئها وكرامتها وسيادتها واستقلالها، فالعالم يتغير وهذا ما يجب أن تدركه الولايات المتحدة، وفشل مشروع القرار ـ رغم وجود علاقات من تحت الطاولة وفوق الطاولة مع كيان الاحتلال الإسرائيلي، ووجود تحالفات علنية وأخرى سرية مع المحتل الإسرائيلي ـ دليل على ذلك.
ثانيًا: يعكس فشل مشروع القرار الأميركي حقيقة كيان الاحتلال الإسرائيلي وقادته لدى المصوتين، سواء الذين صوتوا بالرفض أو بالامتناع، فلم ينطلِ عليهم ما يروجه المحتلون الإسرائيليون من أكاذيب وافتراءات ضد الشعب الفلسطيني الأعزل، علاوة على أن منطق الأشياء والعقل والفهم السليم لا يستقيم معه مساواة قوة عسكرية جبارة وغاشمة بأفراد محاصرين داخل كيلومترات مربعة بسيطة في قطاع غزة، منع عنهم كل شيء، ولو بمقدور المحتل الإسرائيلي أن يمنع عنهم الهواء لمنعه رغم تلويثه بالغازات وباليورانيوم المنضب، ويمتلكون وسائل بدائية للدفاع عن أنفسهم، وفي كل مرة يفرض عليهم العدو الإسرائيلي عدوانه الإرهابي، لحسابات سياسية وانتخابية داخلية وخارجية، فيكونون ضحية لذلك.
ثالثًا: فشل المشروع الأميركي يعني انتصارًا للمقاومة الفلسطينية، وانتصارًا للحق الفلسطيني، ويوجِّه صفعة سياسية إلى كيان الاحتلال الإسرائيلي، لا تقل عن الصفعات التي تلقاها على أيدي أبطال المقاومة الفلسطينية.
رابعًا: فشل مشروع القرار الأميركي يؤكد أن هذه الأمة لا تموت، تتراجع وتضعف، ويتراجع دورها؛ لكن لا يزال فيها الخير، وتملك أدوات قوتها ووحدتها، فها هي دولة الكويت تقدم موقفًا عروبيًّا وقوميًّا مشرفًا تجاه القضية الفلسطينية ومقاومتها، ففشل المشروع جاء بعد أن نجحت الكويت بأكثرية ثلاثة أصوات فقط في تمرير قرار إجرائي ينص على وجوب حصول مشروع القرار على أكثرية الثلثين لاعتماده، وهي أغلبية تعذّر على واشنطن تأمينها.
ما من شك أن هناك من بين ظهرانينا من ساءه فشل مشروع القرار الأميركي، وكان يُمنِّي النفس أن يجد المقاومة الفلسطينية بين أقفاص الإدانة والتجريم، مع أنه يعي خطورة تمرير مشروع القرار وتبنيه بما يترتب عليه من جرائم حرب، واستهدافات واغتيالات وتهجير ونهب ما تبقى من أرض فلسطين المحتلة، حيث سيتخذ كيان الاحتلال الإسرائيلي من ذلك تشريعًا وصكًّا مفتوحًا يبرر به جرائمه، ويحقق مشروعاته الاستعمارية والاحتلالية والإجرامية، وفي الاتجاه الآخر يتساوق مشروع القرار وينسجم مع ما يسمى بـ”صفقة القرن” التي تقف المقاومة الفلسطينية عقبة أمامها.

khamisaltobi@yahoo.com

إلى الأعلى