السبت 21 يناير 2017 م - ٢٢ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار : أخاف الذاكرة الجميلة في حاضر مشوه

باختصار : أخاف الذاكرة الجميلة في حاضر مشوه

زهير ماجد

ذكرتني جلسة مع إحدى الشخصيات القيادية اللبنانية بأمور شتى مما سبق وعشناه في عصورنا الذهبية .. قال لي إن حصار جمال عبدالناصر ومقاتلته ومن ثم شن حرب كبرى عليه، كان متوقعا دائما، ومع ذلك لم “نفكر يوما أن تنطلق من بيننا همجية تشبه داعش” ..
حقا كان عصرا، إذا ما تم بناء السد العالي، كانت همة شعب، وإذا ما تم تأميم قناة السويس كانت همة شعب أيضا، وإذا ما أقيمت وحدة بين مصر وسوريا كان بهمة شعبين شقيقين .. كل إنجاز في دنيا العرب كان نصرا. لكن ذلك لم يعنِ إطلاقا أن الهجمة على الأمة لم تكن موجودة، ربما كانت أقوى وأفعل من أيامنا، لكن مساحة العشق الشعبي لوطنه العربي جعل منه صدا لأي احتمال تآمري عليه إلى أن وقعت الواقعة في العام 1967، فكان الرد هو أنبل ظاهرة عربية كما سماها عبدالناصر وهي المقاومة الفلسطينية.
صحيح أننا عبرنا كل الظروف الصعبة بفضل شعوبنا، إلا أن حالة من الهيام القومي سددت الضربات لكل عائق بوجه الأمة. وحين انهار الأمل بوفاة عبدالناصر، كانت لا تزال الأرض العربي خصبة ومعطاءة، فالزرع القومي كان نابتا، إلى أن جف عند توقيع كامب ديفيد وبقية الاتفاقات المذلة. وربما بدون مغالاة، تصبح قنبلة “داعش” التي انفجرت بوجه عالمنا وجيل لم يعرف من تاريخه سوى ما وصل إليه من تخريب طائفي ومذهبي، هي الأصعب من كل ما مر، حتى كأن تلك السنوات الجميلة حملت بمولود مشوه فجاء للقضاء على أمته.
ومع ذلك نفرح لمصر في توسيع قناة السويس، لو كان هذا الإنجاز في زمن مضى، لاهتزت الأرض طربا، ولصدحت الأناشيد كما غنى كثيرون للسد العالي ولتأميم القناة، أما وأننا مكلومون، وعالمنا الثقافي والفني تائه وضائع ومفقود في بعضه، فلن نسمع ترنيمة في هذا الصدد.
تذكرت مع هذا القيادي، ما كان يملأ رئاتنا بالأوكسجين ويمنحنا الصحة والعافية، وكيف تهتز الأبدان رعبا من ظاهرة “داعش” و”النصرة” ومشتقاتهما .. هو دخول على إسلام ليس من إسلامنا ولا من عالمنا ولا من قراءتنا التاريخية له ولا من معرفتنا لتفاصيله .. بل لإسلامنا قرآنه الكريم الذي من المؤكد أنه ليس قرآن تلك الهمجيات التي جاءت بغزوتها لتضرب مجتمعاتنا بأقدس مقدساتها الإنسانية والاجتماعية.
كثير من الحنين راودنا ونحن نسترجع بعض الماضي وليس كله .. فماذا فعلت بنا الأيام التي تراكمت حتى انطلق من بين ثناياها ذلك المخلوق المشوه الذي يشوه أيامنا وتاريخنا ومستقبلنا. ترى كيف نرمم يومياتنا والخوف على كل باب ودار. وكيف يمكن لتفكير سوي أن ينطلق فيما سكين الجزار الداعشي تنحر ولا تتوقف والدماء تسيل بلا توقف والعار يركب المنطقة. فماذا نقول لوالد الجندي اللبناني علي السيد الذي ذبحته “داعش” غير طلب الرحمة وهو يريد الانتقام، وماذا يقال للأميركيين الذين شاهدوا ذبح الصحافيين الأميركيين غير الذي تهامسوه حول هذا الإسلام، وهم لا يعرفون الإسلام الحقيقي.
أخاف من الذاكرة الجميلة في حاضر مشوه..

إلى الأعلى