الأربعاء 24 مايو 2017 م - ٢٧ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / العنصرية الجارفة في الكنيست والشارع

العنصرية الجارفة في الكنيست والشارع

علي بدوان

إن الإسرائيليين وعلى المستويات في قمة القرار السياسي والأمني والعسكري، ومعهم الشارع العريض من الغوغاء والرعاع، وصلوا لدرجة الحضيض في سلَّم العنصرية والكراهية والانتقال من التعصب الخطابي والكلامي إلى العنف والاعتداء العنفي المباشر على المواطنين على العرب، وعلى ملاحقة ممثليهم المُنتخبين في البرلمان، وسن الإجراءات العقابية بحقهم.

في سياق العملية العسكرية الهمجية غير المسبوقة على قطاع غزة، وقبل أن يقف أزيز الرصاص وغارات سلاح الجو “الإسرائيلي” في الاستهداف البشع للمدنيين، اتخذ البرلمان “الإسرائيلي” قرارًا بإبعاد النائبة العربية عن حزب التجمع الوطني الديمقراطي (حنين زعبي) عن أعمال الكنيست (البرلمان) لمدة ستة أشهر، في أعقاب مساهمتها في تنظيم بعض الفعاليات المُنددة بالعدوان الفاشي على قطاع غزة داخل “إسرائيل” وتحديدًا في المدن الكبرى كمدينة حيفا، وفي بعض البلدات العربية.
جاء ذلك بعد أن كان رئيس الكنيست (البرلمان) يولي إدلشتاين (من حزب الليكود) قد تقدم بشكوى ضد حنين زعبي، زاعمًا بـ”أنه تلقى العديد من الشكاوى من مواطنين اعتبروا تصريحات حنين زعبي تحريضية وداعمة للمنظمات الإرهابية” على حد تعبيره. مضيفًا بالوقت نفسه “أن حنين زعبي دعت في تصريحاتها إلى المقاومة الشعبية ولمقاطعة إسرائيل بدل التفاوض معها”.
وبالفعل تم اتخاذ القرار بحرمانها من حضور ومتابعة نشاطات البرلمان (الكنيست) لمدة ستة شهور، وهو أول إجراء من هذا النوع يُصيب عضوا من أعضاء البرلمان (الكنيست) في تاريخ البرلمان “الإسرائيلي”. فقد صوتت اللجنة المعنية في الكنيست على إبعاد النائبة حنين زعبي عن مداولات هيئة ولجان الكنيست لمدة نصف عام.
رئيس الكنيست يولي أدلشتاين، يعتقد كما غيره من غالبية أعضاء الكنيست “أن هناك من المواطنين العرب من يريد كسر قواعد اللعبة مع إسرائيل” على حد تعبيره. لذلك كانت سلسلة الإجراءت التي تنال في كل مرة أعضاءً من الكنيست من النواب العرب. فتلك ليست المرة الأولى التي يتم فيها اتخاذ إجراءات عقابية بحق عضو من أعضاء البرلمان (الكنيست) من النواب العرب الذين يمثلون نحو (20%) من السكان من المواطنين أبناء البلد الأصليين. فقد سبق في مرات سابقة أن تناولت الإجراءات عددًا من النواب العرب وعلى رأسهم النائب الدكتور أحمد الطيبي، والنائبة ذاتها حنين زعبي حيث كانت الكنيست السابقة قد صوتت بالأغلبية على تجريد النائبة حنين زعبي من ثلاثة امتيازات برلمانية، على خلفية مشاركتها في أسطول الحرية وسفينة مرمرة عام 2010 التي وصلت إلى قطاع غزة بهدف المساعدة على إعلاء الصوت العالمي من أجل فك الحصار عن الشعب الفلسطيني هناك، حيث تَقَرر في حينها سحب جوازها الدبلوماسي، وتقييد حرية سفرها خارج “إسرائيل”، وحرمانها من تكاليف المرافعات القانونية.
الناشطة والنائبة الفلسطينية العربية حنين الزعبي عن حزب التجمع الوطني الديمقراطي، والمعهود عنها صوتها الجريء وتحديها لإرادة الاحتلال، عقّبت على قرار إبعادها عن الكنيست لمدة ستة أشهر، وفي إشارة منها لدورها في مناصرة شعبها المظلوم في قطاع غزة، قائلة بأن “نضال الفلسطينيين ليس إرهابًا بل دفاعًا مشروعًا عن حقوقهم وعن حركة تحرر وطني، وأن قرار اللجنة هو قرار فاشي يُمثل رغبة الأكثرية في إسكات الصوت العربي الفلسطيني”.
وعليه، إن قرار إبعاد النائبة العربية الفلسطينية عن أعمال الكنيست (البرلمان) لمدة ستة أشهر، قرار عنصري بامتياز، اتُّخِذَ في أجواء حربٍ مُستعرة على الشعب الفلسطيني، وهو يحمِلُ في طياته توجهًا فاشيًّا، وقد تصرفت ما يسمى بــ”لجنة الآداب” البرلمانية “الإسرائيلية” بشكل منافٍ للآداب ولحدود وجوهر صلاحياتها، إذ من المفروض أن تُدافع اللجنة عن حق النائبة حنين الزعبي في التعبير والعمل البرلماني، لكنها بدل ذلك عملت وبمثابرة في محاولة لمعاقبتها سياسيًّا، جراء موقفها المناهض للحرب الإجرامية على قطاع غزة، في نفس الوقت الذي تتجاهل فيه سلوك أعضاء كنيست صهاينة من عتاة وزبدة المجرمين والمتطرفين، كالمتطرف أفيغدور ليبرمان وجدعون ساعر، وغيرهما الذين يُنادون بقتل النواب العرب، وترحيل فلسطينيي الداخل المحتل عام 1948 بعمليات ترانسفير جديدة، ومواصلة حرب الإبادة على قطاع غزة. وهم ذاتهم أيضًا الذين يطلقون ليل نهار، دعواتهم الصريحة لقتل الفلسطينيين، و”التخليص عليهم”، و”قتل الأمهات الفلسطينيات اللواتي يلدن أفاعي” كما قال أحدهم من نواب أحزاب اليمين المتطرف.
لقد سن البرلمان “الإسرائيلي” خلال السنوات الأخيرة عدة قوانين مست النواب العرب بشكلٍ رئيسي، وفيها تراجع الحريات السياسية، وتحديد الشروط المفروضة على المشاركة في الانتخابات البرلمانية أمام المواطنين العرب أبناء البلاد الأصليين. وفيها أيضًا الحد من التواصل الحر لأبناء الداخل الفلسطيني مع الأمة العربية. كما زادت في تحديد مسألة الولاء للدولة والاعتراف بها كدولة يهودية. وشكّلت هذه القوانين تعبيرات حادة عن رد فعل “إسرائيلي” على نشوء قوى سياسية عربية قومية وإسلامية تُجاهر بموقفها الوطني المتمسك بالهوية العربية والمعترض على طبيعة “إسرائيل” الصهيونية، ومحاولات تحويلها لدولة يهودية على حساب شعبها الأصلي وما تبقى منه داخل حدود العام 1948، وبدعمها لحق الشعب في مقاومة الاحتلال في الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة، وتأييدها لحق العودة لفلسطينيي الشتات.
إن الإسرائيليين وعلى المستويات في قمة القرار السياسي والأمني والعسكري، ومعهم الشارع العريض من الغوغاء والرعاع، وصلوا لدرجة الحضيض في سلَّم العنصرية والكراهية والانتقال من التعصب الخطابي والكلامي إلى العنف والاعتداء العنفي المباشر على المواطنين على العرب، وعلى ملاحقة ممثليهم المُنتخبين في البرلمان، وسن الإجراءات العقابية بحقهم. فالعنصرية في “إسرائيل” ليست جديدة على الإطلاق، لكنها تطل اليوم لتصبح أكثر خطرًا، وتنذر بالمزيد، وقد تجاوزت الأوساط السياسية والدينية إلى الشارع.
وعليه، إن “إسرائيل” العنصرية، التي سقطت في الاختبار القيمي والأخلاقي في العدوان الأخير على قطاع غزة، تواصل عمليًّا سياساتها التي تقول بنفي الآخر، ونفي حقوق المواطنين من أبناء البلاد الأصليين، وخاصة حقهم في التعبير عن رأيهم، وإعلاء صوتهم في التضامن والتعاضد مع أبناء شعبهم المنكوب في قطاع غزة.

إلى الأعلى