الأحد 23 يوليو 2017 م - ٢٨ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / اللاجئ الفلسطيني ,,, مأساة إنسان وغربة شعب

اللاجئ الفلسطيني ,,, مأساة إنسان وغربة شعب

محمد بن سعيد الفطيسي

”بدأت المأساة التاريخية للشعب الفلسطيني، مع احتلال القوات الإسرائيلية الإرهابية، بقيادة إسحاق رابين الذي أصبح فيما بعد رئيسا للوزراء، مدينة اللد العربية في أواسط العام 1948م، ومما قيل في وصف تلك الكارثة الإنسانية والحضارية في وقتها، ما كتبه جون 0ج0 مكدونالد بتاريخ 17 / 10 / 1948م، وهو ممثل الولايات المتحدة الأميركية في المستعمرة الإسرائيلية الكبرى،”
ــــــــــ
نحن شعب فلسطين، نقف أمامكم بملء ألمنا، وفخرنا، وتوقعاتنا، ذلك لأننا كنا نكن لوقت طويل، توقا إلى السلام، وحلما بالعدالة والحرية، لوقت طويل لم يلتفت أحد إلى الشعب الفلسطيني، بل تم إسكاته ورفضه، فها هي هويتنا تنكرها النفعية السياسية، ونضالنا المشروع ضد الظلم يعاب عليه، ووجودنا الحاضر يخضع للمأساة الماضية لشعب آخر، لذا فإنه قد حان الوقت لكي نروي قصتنا.
(عن موفد فلسطيني في مؤتمر مدريد، ـ أنتون لاغارديا، أرض مقدسة، حرب غير مقدسة).
إنها حكاية عقود من الألم والغربة والعذاب، والشوق إلى الوطن، والحنين إلى الأرض الغالية، ساهم عالم الرجل الأبيض الحر الديموقراطي، ” كما يدعي” بأسره في كتابة فصولها القاسية الحزينة منذ البداية، وقصة أجيال متعاقبة تتوق لتقبيل ثرى الأم الرؤوم التي سمعوا عنها في المنفى، ولكن ـ وللأسف الشديد ـ لم تكتحل عيونهم بمشاهدتها على ارض الواقع، فهم مبعدون عنها في الخارج تحت أسماء وهويات مختلفة حتى قبل ان يولدوا، ومنهم من يعيش فيها ولكن في غربة هي أقسى من ألم الغربة بعيدا عنها.
هذه هي مأساة شعب مسلم عربي عظيم، شاء الله أن يكون ـ أي ـ الشعب المسلم العربي الفلسطيني، خط الدفاع الأول عن الإسلام والعروبة في عصرنا الحديث، وضد عدو سرطاني شرس وهمجي، لم تشهد البشرية مثيلا له في الإجرام والإرهاب والعنصرية من قبل، بل وكان هذا العدو جزءا من مخطط عالمي صهيوني قذر، يراد من ورائه تفتيت وتقسيم وتجزئة الأمة الإسلامية وكيانها العربي بأسره، فكان هذا الشعب، وهذا الوطن هو الضحية، فنال ما نال أبناؤه من التشريد والتهجير والطرد والنفي والعذاب، ونال الوطن العزيز والأرض الكريمة، نصيبهما من ذلك الإرهاب بالتقسيم والتجزئة والدمار.
فقد بدأت المأساة التاريخية للشعب الفلسطيني، مع احتلال القوات الإسرائيلية الإرهابية، بقيادة إسحاق رابين الذي أصبح فيما بعد رئيسا للوزراء، مدينة اللد العربية في أواسط العام 1948م، ومما قيل في وصف تلك الكارثة الإنسانية والحضارية في وقتها، ما كتبه جون 0ج0 مكدونالد بتاريخ 17 / 10 / 1948م، وهو ممثل الولايات المتحدة الأميركية في المستعمرة الإسرائيلية الكبرى، وفي تقرير مستعجل ومباشر إلى الرئيس ترومان، حيث قال (ان مأساة اللاجئين الفلسطينيين تتخذ بسرعة أبعادا كارثية، وينبغي ان تعالج بوصفها كارثة، … سوف يقتل الشتاء المقبل بأمطاره الغزيرة الباردة، ما يقرب من مائة ألف من المسنين والنساء والأطفال الذين لا مأوى لهم ولا طعام لديهم إلا القليل منه، وهؤلاء من مجموع اللاجئين الذي بلغ عددهم ـ في وقتها ـ 400 ألف).
وتعود هذه القضية في بعدها التاريخي إلى مراحل ثلاث كان أولها ما بين عامي 47 ـ 1948م ، ـ أي ـ مع قرار التقسيم الظالم الذي أقرته الأمم المتحدة، أما المرحلة الثانية من موجات النزوح الفلسطيني، فقد جرت أعقاب حرب يونيو من العام 1967م، وجاءت المرحلة الثالثة عام 1982م، إبان الغزو الإسرائيلي للبنان وترتب عليها موجة محدودة من النزوح، هذا بخلاف موجات التهجير القسري والطرد الفردي والجماعي، والإبعاد وغيرها من أشكال العدوان الإسرائيلي على أصحاب الأرض، والتي ما زالت مستمرة حتى يومنا هذا، ـ انظر في هذا السياق مقالنا: إلا حق العودة للوطن الفلسطيني.
لذا فإننا ومن خلال هذا الطرح سنحاول التركيز على عدد من النقاط الرئيسية في تاريخ هذه الكارثة الإنسانية، نقاط لم يلتفت لها البعض، وهمشها البعض الآخر، وتجاهلها آخرون، وأولها ان هذه الشريحة من الشعب الفلسطيني الحر العربي المسلم لم تهرب طواعية من أرضها كما تروج بعض المصادر الغربية والصهيونية المزيفة لذلك، فتقلل من الأفعال الإجرامية والإرهابية العنصرية التي ارتكبها برابرة العصابات الصهيونية وقتها لطرد سكان القرى الفلسطينية من أرضهم بالقوة والعنف والإرهاب، فعلى سبيل المثال وعندما سأل ييغال ألون وهو من ابرز الذين شاركوا في حرب العام 1948م اسحق رابين، ماذا يصنع بسكان اللد العرب؟ كان جوابه ” اطردوهم”، وفي وقت لاحق كتب رابين نفسه في كتابه ـ تاريخ إسرائيل ـ مقولة (ان الطرد عبارة ذات رنة قاسية على الصعيد النفسي، كان هذا أصعب الأفعال التي قمنا بها، فلم يغادر سكان اللد بطوع إرادتهم) ـ انظر في هذا السياق كتاب The ArabـIsraeli War of 1948 ـ ـ لـ أدغار أوبالانس.
أما النقطة الثانية والتي لا يجب ان يتجاهلها العالم بشكل عام، والعالم العربي والإسلامي على وجه الخصوص، هي حق عودة هؤلاء المطرودين من وطنهم وأرضهم في العودة إليها من جديد بعد كل هذه السنوات من الغربة والألم والشتات والمعاناة، فما عانته هذه الشريحة من أبناء الوطن الفلسطيني على مدى عقود من الزمن، لتستحق وقفة تقدير وإكبار، فليس من السهل على المرء ان يعيش مبعدا عن أرضه ووطنه، يعيش على أمل العودة إليه، لذا فأقل ما يمكن أن يقدمه العالم وتحديدا تلك الدول التي تدعي العدالة والحرية والديمقراطية، هو عودة هؤلاء اللاجئين المغتربين إلى وطنهم الأصلي فلسطين بعد كل هذا الوقت الطويل.
نعم .. يجب ان يعترف العالم سريعا بحق هؤلاء الكرماء الشرفاء في عودتهم إلى الوطن، بل ومما لا بد منه أن يتحمل العالم بشكل عام والعرب تحديدا تلك المسؤولية الأخلاقية والإنسانية التي كلفت هذه الشريحة سنوات من الحرمان والغربة، فيتم الضغط على كيان الإجرام الصهيوني ليقوم بالاستجابة لهذا الحق المسلوب بقوة الإجرام والإرهاب، وعمالة وخيانة البعض في بلاد العرب، بل وتسترد كل حقوقهم المسلوبة من وقتها بأثر رجعي، ومقاضاة المجرمين الصهاينة على ذلك، فلا يحق لأي كان وفي أي مكان وزمان أن يسلبهم ذلك الحق الشرعي والإنساني في العودة إلى وطنهم وأرضهم.
فالحق الفلسطيني في هذا الشأن ثابت وشرعي بحسب بنود القانون الذي تتمسك به إسرائيل وأعوانها في كل مكان، بل وتتغنى به دول العالم المتحضر اليوم وعلى رأسها الولايات المتحدة الاميركية ودول الاتحاد الأوروبي، أم هي تتمسك فقط بما يرضي الطرف المحتل الجاني الإسرائيلي على حساب الضحية؟ فأين تلك الدول الديموقراطية؟ وأين الأمم المتحدة وهيأتها العاجزة؟ أم ان مستعمرة الإجرام والإرهاب الصهيوني فوق القانون، وفوق الأمم المتحدة؟ أو ليست الأمم المتحدة هي من اصدر القرار 194 والذي يقضي بحق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى أرضهم؟ والقرارين 237 و2252 / 67، فأين هي من كل تلك القرارات المتردية التي أطلقتها؟ أم هي فقط حبر على ورق تذروه رياح الصهيونية العالمية وإرهاب مستعمرة الإجرام الإسرائيلية في وجه الجبناء والخونة والمداهنين؟
إن اسرئيل اليوم لا تملك أي حق في إطالة أمد بقاء هؤلاء المحرومين من أرضهم من العودة إليها، وما ذلك سوى دليل على عنصرية هذه المستعمرة وإرهابها وتطاولها على القانون الدولي، وفي هذا السياق يقول الرابي مارك اليس، أستاذ الدراسات الأميركية اليهودية في جامعة بايلور الاميركية، في مقال له نشر في العام 2001م، بعنوان ” مكان للفلسطينيين في صلوات الفصح ” (بماذا أجيب أولادي حين يسألونني السؤال البسيط والصعب الذي أمروا بأن يسألوه عندما نجتمع لنخبر قصة أصولنا قبل آلاف السنين؟ ان مدافع الطوافات هي مثل انفلاق البحر؟ وان رئيس الوزراء الإسرائيلي ارييل شارون هو مثل موسى ـ عليه السلام ـ يقودنا عبر أزمنة الصحراء والتمرد الصعبة؟ لست املك بعد الأجوبة على أسئلتهم، ولكنني سأجيب كيهودي بالطريقة الوحيدة الممكنة اليوم، ان الفلسطينيين جزء من قصة تحررنا، وإلى ان يتحرروا هم، فنحن لسنا أحرارا).
ومما يجب ان تختم به هذه القضية الإنسانية التاريخية، ضرورة ان يتنبه العالم العربي تحديدا إلى هذه المأساة، فهؤلاء هم أخوة لنا في الدين والعروبة، شاء الله ان يكون وطنهم وأرضهم ارض رباط وكفاح ضد مستعمر محتل غاصب، وسرطان يرزح في قلب هذه الأمة العظيمة، وخنجر يهودي في قلبها العربي، والتي يشكل الفلسطينيون فيها جزءا لا يمكن تجزئته او تقسيمه، بل الحق بأن لهم الفضل على هذه الأمة، فقد كانوا وما زالوا يقدمون الكثير من الدماء الطاهرة الزكية فداء لحريتها ومجدها وعزتها ورفعة شأنها، أو ليس ذلك يستحق بعض رد الجميل من قبل الشعوب العربية وحكوماتها؟، وأي جميل هو أفضل من المساهمة في إعادة الطيور الفلسطينية المهاجرة إلى أوكارها، واستعادة حقوقهم التي سلبتهم إياها مستعمرة الخوف والإجرام الصهيوني أمام أنظار العالم ومؤسساته الحقوقية والديمقراطية.
ونختم هذا الطرح بما أشار إليه الكاتب الفلسطيني الكبير الراحل الأستاذ ادوارد سعيد بقوله: (لا يكفي لشعب حسن النية ان يتكلم عن الحاجة إلى السلام، على السلام ان يقام معنا، لا مع ” مشكلة بشرية وديموغرافية ” وعلى الاحتلال ان ينتهي، ردوا على ما يطرحه الفلسطينيون كفريق مضطهد، ناقشوه، غيروه، اطرحوا البدائل، ولكن لا تتخلصوا منه ، كما لا تؤيدوا طرد الفلسطينيين من أرضهم).

إلى الأعلى