الأربعاء 24 مايو 2017 م - ٢٧ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / أسئلة “الهُدْنة”

أسئلة “الهُدْنة”

جواد البشيتي

بين إسرائيل وقطاع غزة الآن “هدنة شاملة متبادَلَة”، بدأت بوَقْفٍ “متزامنٍ” لإطلاق النار، بعد اتِّفاق الطَّرَفيْن، في نهاية المرحلة الأولى من مفاوضاتهما غير المباشِرة، في القاهرة، والتي قادها الوسيط المصري، وسانَدَه آخرون، في مقدمِهم الولايات المتحدة، على جُمْلَة من النِّقاط، التي منها أنْ تُسْتأنف هذه المفاوضات، قبل انقضاء شهر على سريان (ورسوخ) الهدنة، تَوَصُّلًا إلى اتِّفاق على ثلاث نِقاطٍ متبقيةٍ، هي: “الميناء البحري”، و”المطار”، و”الأسرى”.
إنَّها هدنة، “مُدَّتها” غير معلومة؛ ومصيرها مِنْ مصير التفاوض في شأنْ تلك النقاط الثلاث، والمتَّفَق على استئنافه، ومِنْ مصير ما يُبْذَل (أو ما قد يُبْذَل) مِنْ جهد في مجلس الأمن الدولي لاستصدار قرار في شأن هذا النزاع؛ ورُبَّما يكون مصيرها مِنْ مصير ما يُبْذَل (أو ما قد يُبْذَل) مِنْ جهد، أيضًا، للتأسيس لصلةٍ بينها وبين تسوية للنزاع العام بين إسرائيل والفلسطينيين.
الفلسطينيون في قطاع غزة يحتاجون الآن إلى “التقاط أنفاسهم”، أيْ إلى هدنة، في أثنائها يُعالَج الجرحى، وتُرْفَع الأنقاض، ويُصْلَح ما تشتد لديهم الحاجة إلى إصلاحه سريعًا، وتُدْخَل المعونات الإنسانية (من غذاءٍ ودواءٍ..) ومُسْتَلْزمات إعادة البناء، ويَتَزَوَّد الناس بالوقود والكهرباء، وتُدْفَع الرواتب، ويُسْتعاد شيءٌ من الحياة الاقتصادية الطبيعية، ويُعَدُّ سَكَنٌ مؤقَّت للناس المُدمَّرة بيوتهم؛ وإلى هذه الهدنة تحتاج أيضًا الأذرع العسكرية للمنظمَّات الفلسطينية؛ فثمَّة خسائر تكبَّدتها، ولا بد من تعويضها في الهدنة.
إذا استمرت الهدنة، وثبتت، فالطرفان سيَستأنفان تفاوضهما غير المباشِر في القاهرة قبل انقضاء شهر على سريان الهدنة؛ وفي أثناء تفاوضهما يُفْتَرَض أنْ تستمر الهدنة؛ لكن ليس من إجابة عن سؤال “كم من الوقت سيَسْتَغْرقه تفاوضهما غير المباشِر في شأن النِّقاط الثلاث مدار الخلاف؟”
“إعادة البناء المُقَرَّة والمُنَظَّمَة دوليًّا” لن تبدأ قبل أنْ يتأكَّد المَعْنِيُّون بها دوليًّا، أو مانحو الأموال، أنْ لا حَرْب جديدة يمكن أنْ يشهدها قطاع غزة بعد سنتين، أو بعد سنوات عدة، أو مستقبلًا؛ فـ”المُمَوِّلون الدوليون” لن يُقَدِّموا الأموال إلاَّ خِدْمَةً لسياسةٍ لهم مصلحة فيها؛ ولن يُقَدِّموها إلاَّ بما يسمح باستعادة السلطة الفلسطينية نفوذها (ولو تدريجًا) في قطاع غزة. حتى معابر القطاع البرية مع إسرائيل، ومع مصر، أيْ معبر رفح، لن تُشَغَّل على نَحْوٍيُنْهي الحصار البري للقطاع، إلاَّ إذا قاد هذا التشغيل إلى النتيجة نفسها، وهي استعادة السلطة لنفوذها في قطاع غزة.
حركة “حماس” لن تَعْتَرِض على ذلك ما دام الطَّرفان على توافقهما في كل ما يتعلَّق بـ”الحكومة”، و”المنظَّمة”، و”الانتخابات (التشريعية والرئاسية)”، وبمسائل وقضايا أخرى كانت مدار نزاع بينهما. وفي هذا السياق ليس ثمَّة ما يمنع السلطة من نقل مقر رئاستها من رام الله (التي تبقى مقرًّا للحكومة) إلى غزة.
“الهدنة” يمكن ضمانها دوليًّا بقرارٍ من مجلس الأمن الدولي، قد يتضمَّن نَشْر قوَّة (مراقبين) دولية على الحدود بين قطاع غزة وإسرائيل؛ على أنْ تكون للهدنة، القابلة لتمديدٍ مُتَّفَق عليه بين الطَّرفين، نهاية زمنية؛ فإنَّ “إنهاء حالة الحرب” هو ما يمكن أنْ يحل محل الهدنة؛ ولا إنهاء لهذه الحالة قبل التَّوصُّل إلى “اتفاقية سلام”. وهذا “التدويل (بقرارٍ من مجلس الأمن)” للهدنة يجب ألاَّ يكون قبل التَّوصُّل إلى حلٍّ (يَرْضى عنه الفلسطينيون) لمشكلتي “الميناء البحري” و”المطار”؛ كما يجب أنْ يأتي القرار الخاص به غير مُتَضَمِّنٍ لمطلب إسرائيل نَزْع سلاح المقاومة.
وفي يد المقاومة الفلسطينية (في أثناء الهدنة) ورقة ضغط قوية هي “ميناءٌ بميناءٍ، ومطارٌ بمطارٍ”؛ فالفلسطينيون، وفي موازاة المفاوضات غير المباشِرة في القاهرة، يجب أنْ يُعِدُّوا العدَّة لبناء الميناء البحري، ولإعادة بناء المطار؛ فإذا اعتدت إسرائيل عليهم عسكريًّا لمنعهم من المضي قُدُمًا في ذلك، اعتدوا عليها بالمثل؛ فـ”ميناءٌ بميناءٍ، ومطارٌ بمطارٍ”.
وإذا أرادت إسرائيل أنْ تَجْعَل الفلسطينيين أقل احتياجًا إلى الإسراع في بناء الميناء البحري، وإعادة بناء المطار، فإنَّ عليها ألاَّ تعود إلى سياسة تشديد الحصار.
وأحسبُ أنَّ خير حلٍّ لهذه المشكلة، وللمشكلات المتفرِّعة منها، هو أنْ يَعْتَرِف مجلس الأمن الدولي، في قرارٍ له، بقطاع غزة على أنَّه أوَّل جزء من إقليم “دولة فلسطين”، رُفِع عنه الاحتلال الإسرائيلي، ويحقُّ لهذه الدولة بسط سيادتها الكاملة عليه.

إلى الأعلى