الأحد 17 فبراير 2019 م - ١٢ جمادى الأخرة ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / ما بعد انتصار العراق على “داعش”!

ما بعد انتصار العراق على “داعش”!

كاظم الموسوي

لعل من أبرز الدروس الأخرى ما بعد الانتصار العسكري يكون في العمل المتفاني في الحفاظ على النصر، ولا يكون ذلك إلا بخطط استراتيجية تشمل كل الصعد والمجالات، تبدأ بالجوانب الفكرية والثقافية المستندة إلى الوحدة الوطنية التي عززت الانتصار وكرست دروبه عمليا، مستفيدة من تجربة قاسية وصعبة وآلام حادة تقتضي الرد عليها بالإخلاص في العمل..

مرت الذكرى الأولى لإعلان العراق الانتصار العسكري على ما سمي واختصر باسم “داعش” وجرت احتفالات رسمية بهذه الذكرى، يوم العاشر من كانون الأول/ ديسمبر، بما فيها الوقوف دقيقة صمت في كل أنحاء العراق. في هذا اليوم تقف استعادة الأيام التي تمكن بها تنظيم “داعش” من احتلال والسيطرة على مدن كبرى ومساحة واسعة من شمال وغرب العراق أمام الجميع، بشكل لا بد من دراسته والخروج منه بما يحمي الانتصار ويحقق الأهداف، ويمنع أية إمكانية أخرى للعودة أو الإعادة أو تجديد ثيابه، تحت أية واجهة أو عنوان، ومن أية جهة أو مظلة أو محاولة ما، كما يشاع أو تشي به مصادر عسكرية أو إعلامية أجنبية أو من مصادر التأسيس والدعم للتنظيم الإرهابي والأهداف منه.
أول الدروس من تلك الأيام استذكار دماء الشهداء وتكريمهم والاحتفال بهم وتحية دورهم وتمجيد ذكرهم على طريق النصر. وهو ما لا يمكن الصمت عليه. فبدون هذه التضحيات الجسام، هذه الدماء الزكية لما أنجز الانتصار، ولما هزم التنظيم الإرهابي، ولما استعيدت الأرض ولظلت رايات التنظيم والكراهية باقية دون معرفة بالنتائج والأخطار والأضرار. فالدماء سجلت موعد النصر وأرخت له. وفي أية حسابات لا بد من الإشادة بها والإشارة لها.
هذه التضحيات ما كانت لولا مشقة ما حصل وما جرى، وهي إذ تسجل عنوانها تكشف ما قبل وما بعد أو ما سيأتي. ولهذا كانت الفتوى الرشيدة وإصرار القوات الأمنية بكل صنوفها وتشكيلاتها وقياداتها على التضحية والانتصار حاسمة الموقف العسكري وراسمة خطوات النصر، ومعلنة معنى الثمن الذي دفع، معنويا وماديا. إذ تجمعت حينها عوامل النصر أو أصبح العمل له ضرورة وواجبا، بعد أن تمكنت أسباب الغزو والعنف والكراهية والغلو والاستعمار والمصالح الإمبريالية من كسب جولتها واحتلال الأرض والسكان، وصناعة فتنة ونزوح وهجرة وتشرد واضطهاد. ما جرى ليس غزوا عسكريا وحسب، وليس احتلالا فقط. لقد جمع الغزاة بالغلاة بالمصالح وبالتخادم والارتهان والاستهانة بالأرض والشعب، واستطاع الأعداء من تنفيذ مخططات مرسومة ومدعومة عسكريا وسياسيا وإعلاميا.
أجل.. تمكن الأعداء، الغزاة والبغاة، ومن تخادم معهم ومن كل الاتجاهات من التغلغل داخل المدن والتعشعش في الأحياء، ونجحوا في التفتيت والتفرقة والتهميش. واستطاع الأعداء من تمرير مخططاتهم وعدوانهم على هذا الشعب وهذا الوطن.. وهذا لم يحدث دون توفر ظروف وحواضن وتسهيلات وخدمات. إلا أن قوى الشعب الخيرة لن تهدأ ولن تستكين.. فتكاتفت وسعت إلى إسقاط الأوهام والخرافات وانتصرت الإرادة الشعبية والدعوة للإصلاح والتغيير. وكانت تلك السنوات من أكبر الدروس والعبر للجميع، الذين خضعوا أو تشردوا أو واجهوا وصمدوا وقرروا النصر.
ولعل من أبرز الدروس الأخرى ما بعد الانتصار العسكري يكون في العمل المتفاني في الحفاظ على النصر، ولا يكون ذلك إلا بخطط استراتيجية تشمل كل الصعد والمجالات، تبدأ بالجوانب الفكرية والثقافية المستندة إلى الوحدة الوطنية التي عززت الانتصار وكرست دروبه عمليا، مستفيدة من تجربة قاسية وصعبة وآلام حادة تقتضي الرد عليها بالإخلاص في العمل والوفاء للضحايا، ومحاربة الأعداء بكل السبل والوسائل دون هوادة أو استرخاء، والتصدي لكل عوامل التخريب من الفساد والهوان والارتهان. ولعل التهاون في أية مسألة منها بفتح ثغرة لا يسهل التخلص منها وإعادة الأمور إلى وضع أفضل مما كانت عليه. كما أن بوس اللحى وسياسة عفا الله عما سلف والتزلف والنفاق لا تعطي غير صورة مشوهة وسلبية. كما أن إضعاف القانون والتغاضي عن ارتكاب أو التساهل مع المجرمين والإرهابيين ومن ساعدهم أو وفر أو هيأ لهم فرصا أو مساحات انتشار، والسماح لهم في الإفلات من العقاب، اشتراك في الجريمة أو ارتكاب لها معهم سوية.
وتطرح قضية الفساد السياسي والإداري والمالي أهمية كبيرة في المعالجة الضرورية لها بقوة وحسم وإدارة مركزية لا تتوانى ولا تجامل، ولا تقول عكس ما تفعل أو تتغافل عما حصل ويحصل. كما أن اللجان التي شكلت والتقارير التي رفعت لم تكن بمستوى المسؤولية ولا تعبر عن حرص وطني ومثال يشهد له أو نموذج يدرس ويعمم محليا ودوليا. وما عليه الوضع في هذه القضية يفضح السياسة المتبعة والشعارات المرفوعة بشأنها. ومعروف أن تصريحات كثيرة صدرت في محاسبة الفاسدين ومحاكمتهم وظلت كلاما في شبك، انتهى مع غياب صاحبها أو تغير موقعه. وقضية الفساد لا تختلف بل ترادف الإرهاب بمعناه العام وأخطاره المتعددة. وواقع الحال يشي بما هو أكثر إضرارا ودمارا من خلال انعكاساته على الأصعدة الأخرى، لا سيما في قضايا الخدمات الأساسية والمصالح العامة. ومن يشاهد ويسمع فيديوهات اليوتيوب. لنواب أو وزراء سابقين يقشعر بدنه من الطروحات والإهمال وحتى التواطؤ والمشاركة في الجرائم القانونية والأخلاقية والسياسية والاقتصادية وبالتالي الإنسانية والثقافية.
ما تعرضت له المدن وما أصاب السكان خلال احتلال تنظيم” داعش” من خراب كبير، وبنسب مرتفعة في البناء والعمران والنزوح والتقصير الصارخ في الخدمات والتسهيلات، والتباطؤ البيروقراطي في إعادة الإعمار والتنمية والإسكان، يبين وقائع مؤلمة في سوء إدارة والتخطيط وإهمال حقيقي يضعف بناء الأمل وروح المواطنة الحقة.
العراق غني بثرواته، المادية والبشرية، وجدير بمكانته الاستراتيجية في المنطقة والعالم، ويمكن أن يكون قويا ومؤثرا بوحدته الوطنية ورجال دولة مخلصين وعاملين بإيمان صادق لبناء وطن حر وشعب سعيد حقا. ولا تبنى دولة برجال لا يشعرون فعلا بها وبدورها ولا يقدرون أسسها وعملها ووظيفتها، بل ويمارسون أفظع الممارسات الفاضحة لوعيهم وجديتهم ومصداقيتهم وأخلاقهم وقناعاتهم. فما حدث لم يكن ولم يحصل لولا فشل الإدارات وعطب السياسات وغياب أو ضعف القيم والمبادئ، والارتهان دون بصر أو بصيرة. ومهما نتج وجرى فإن عجلة التاريخ لن تتوقف.. ولعل تجارب قريبة مثل التطورات التي حصلت في بعض البلدان كماليزيا أو جنوب إفريقيا أو رواندا فيها الكثير .. الكثير من الاعتبار والدرس، فهل من يعتبر؟!

إلى الأعلى