السبت 25 مايو 2019 م - ١٩ رمضان ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / رحاب: القدر موكل بالمنطق

رحاب: القدر موكل بالمنطق

أحمد المعشني

قرأت أن طالبا عربيا كان يدرس في الولايات المتحدة في مرحلة الماجستير. كان يحضر مع مجموعة صغيرة مكونة من اثني عشر فردا، كان أفراد المجموعة يناقشون ويتبادلون الأفكار. لكنه لم يجرؤ على مشاركتهم نقاشاتهم، فكان ينسحب من المواقف التي تتطلب تفاعلا لفظيا لأنه لم يكن يثق بلغته الإنجليزية، فضلا عن شعوره بأنه ملون بين مجموعة من الطلبة البيض المتحدثين بالإنجليزية أصلا، وقد لفت ذلك الموقف أستاذه المشرف على البرنامج، فاستدعاه إلى مكتبه، وقال له (عادل) ما بك؟ فأجابه: أنه يشعر بالتردد والخجل من الحديث بالإنجليزية إلى هؤلاء الزملاء لأن لغتهم أفصح منه.
فقال الأستاذ: من شهد لهم بذلك؟ فرد عادل: أنا أشعر بهذا! فأجابه الأستاذ: أنت وحدك تشعر بهذا لكنهم يثنون عليك لأنك قطعت هذه المسافات الشاسعة وانتقلت من بلد إلى آخر، وأنفقت أموالا، ودرست لغة غير لغتك التي نشأت عليها، وخالطت ثقافات ومجتمعات أخرى غير تلك التي هيأت لزملائك، هذا هو رأيهم ورأيي أنا أيضا. يجب أن تمزق عن نفسك شرنقة الوهم، يجب أن تنطلق يا عادل إلى رحاب تفوقك، وكل هذا يمكن أن يتحقق في حال تعلمت كيف ترفع ثقتك بنفسك. سأله عادل وماذا تريدني أن أفعل؟
أجابه الأستاذ: ابدأ الآن، الآن ابدأ، واكتب كلمتك الأولى إلى نفسك بخط كبير وباللون الذي تحبه، وخذها معك كاتفاقية، اعقد ثقة بينك وبين ذاتك “أنا أثق بنفسي” رددها أمامي يا عادل: فنطق عادل الكلمة على استحياء، قال له البروفيسور: ارفع صوتك، وانظر إلى أعلى، وقل موجها كلامك بقوة إلى نفسك: أنا واثق من نفسي .. أنا واثق من نفسي .. أنا واثق من نفسي. وبعد أن اطمأن إلى جرأة عادل وتحسنت ثقته بنفسه، سأله: هل تعتقد بأن أيا من زملائك الأميركيين يعرف اللغة العربية؟ رد عليه عادل: لا!
خاطبه البروفيسور: إذن أنت فعلا متميز لأنك وحدك تجيد أكثر من لغة! أنت متميز يا عادل!
ويجب أن تقر وتقتنع بهذا التميز. خرج عادل من عند أستاذه، وفي منزله كان يقف أمام المرآة وهو يخاطب نفسه ويراقب حركة شفاهه، وتحركات كتفيه وعضلات وجهه: أنا واثق من نفسي، كان يكررها مرة في اليوم، واستمر يفعل ذلك بشكل مستمر، ويرددها مع ذاته قبيل النوم وقبيل مغادرته لفراش النوم.
صار عادل يوما عن يوم يتطور نحو الأفضل حتى صار فعلا يشعر بالثقة بالنفس. وأصبح يشارك في حلقات النقاش، بل ويقدم محاضرات، حتى تخرج بتفوق، وعاد إلى بلده الأردن وتم تعيينه في منصب مرموق.
اعتبر نفسك عزيزي القارئ بأنك عادل، ومن الآن فاكتب لنفسك عبارات التأكيد الإيجابية التي ترفع معدل ثقتك بنفسك، وقبل أن تبدأ هذا التدريب أريد منك أن تجلس وحيدا، هادئا، وأن تصمت فترة نصف ساعة على الأقل، وخلال هذا النصف ساعة أتمنى أن تستمع وترى وتحس بما يدور في عقلك من أصوات وصور ومشاعر، وأخرج الصور السلبية من عقلك إلى ورقة، اكتبها بالترتيب، يمكنك أن تكتب جميع الأفكار السلبية التي تشعر بها، وتسمعها من الناس الذين تخالطهم، وتتعايش معهم. اعلم جيدا أن ما تقوله لنفسك وتكرره وإن كنت لا تعنيه ما يلبث أن يصبح قدرك فالحياة، فقدرك مناط بمنطقك.

إلى الأعلى