الثلاثاء 19 سبتمبر 2017 م - ٢٨ ذي الحجة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / نظرة إلى سوريا المستقبل في إطار العروبة والمستقبل

نظرة إلى سوريا المستقبل في إطار العروبة والمستقبل

علي عقلة عرسان

لما كانت سوريا في القلب أو هي القلب من مستقبل العروبة، وفي بؤرة الحدث الذي أراه “ربيع الشجون العربية” وهو يدمي أقطارًا عربية مؤثرة في تكوين الأمة وحراكها، ويشغلها عن الكثير من الشؤون الجوهرية والتحديات الرئيسة للعصر والعلم والتقدم .. فإن الحديث عن مستقبل سوريا يدخل في صلب موضوع “العروبة والمستقبل”، بل يشكل جوهره ويحتل مكانة خاصة ومتميزة فيه، ومن ثم فله أبعاده وتأثيره وما يستدعي التدبّر الحكيم عند مقاربته لمعالجته واتخاذ تدابير سليمة بشأنه .. لا سيما بعد كل ما أصاب عمران سوريا من دمار، وما حل بشعبها من قتل وتمزيق ومحن، وبإنسانها من خرابٍ جسدي وروحي، مادي ومعنوي، في أثناء نكبتها الراهنة بالحرب/الفتنة، وما لحق بمجتمعها من تفكك وتخريب أصاب الأخلاق والسلوك والبنى الاجتماعية والصلات والعلاقات والقيم الوطنية والقومية والدينية، بعد أن كان أنموذجًا للتعايش والتآلف والتسامح .. مما أدى إلى أحقاد وكراهية ورعب وفوضى عارمة، وأفضى كل ذلك إلى صراعات دامية وإرهاب وحشي واقتتال جنوني، وإلى تشرد الملايين من أبناء الشعب في داخل الوطن وخارجه، وإلى معاناة رهيبة مما يصعب وصفه وحصره .. وخلَّف ذلك من المآسي والجراح والذل والضعف والأمراض والانقسامات والأحقاد والعقابيل .. ما الله سبحانه به أعلم.
وسوريا المستقبل التي ننشدها تسهم بقوة في رسم مستقبل العروبة أو في رسم صورة العروبة في المستقبل، وتبقى من أهم أركانها وأقوى بؤر الوعي القومي فيها .. فهي مهما نفَش فيها ريش أعدائها وأعداء الأمة من طواويس الشعوبيين والمتآمرين والأيديولوجيين المفلسين والمتطرفين والفاسدين المفسدين والطغاة وقصار القامات القاصرين عن رؤية النهار في غَبَش الصبح، ومهما لحقها من دمار وأذى بسبب مظالم وسياسات داخلية وممارسات غير مسؤولة، وبسبب مؤامرات وسياسات عدوانية لأقطار عربية شقيقة وبلدان إقليمية وغير إقليمية ذات استراتيجيات وأطماع وأهداف سياسية وأمنية واقتصادية تريد أن تمررها عبر الصراع عليها وفيها وهو على حسابها بكل تأكيد .. فإنها تبقى قلب العرب وفي الصميم من العروبة المتجذرة المتجددة المتطلعة بثقة إلى استعادة الحضور واستشراف المستقبل، في ضوء ماضٍ مجيد تفخر به، ماضٍ وصلت فيه عاصمتها دمشق إلى أن تكون عاصمة الدنيا في أكبر إمبراطورية عربية ـ إسلامية في تاريخ العالم، حيث بلغت تلك الذروة عام 720م على يد الأمويين الذين تنهشهم اليوم جهالةٌ حاقدة تنغرس في تطرف مذهبي أعمى لن يعود على أهله ولا عليها ولا على الأمتين العربية والإسلامية إلا بالضعف والخسران، وبمزيد من الدماء والكراهية وأشكال الصراع التي ينفذ منها أعداء الأمتين إلى قلب كل منهما .. ولن يغير تاريخَ سوريا الطبيعية/بلاد الشام، ولا تاريخ سوريا السياسية التي أسس لها الاستعماران الفرنسي والإنجليزي عبر سايكس ـ بيكو عام 1916 أحدٌ من المتنطعين للحكم والمتطرفين والجاهلين والمتآمرين والمستبدين القاصرين عن الرؤية ببصيرة والتصرف بحكمة، ولن يشوه وجهها الثقافي والحضاري الأعداءُ والحاقدون والقابعون في ظلمات عصور وفي كهوف رؤى وأفكار وبواتق وكراهية وسقم اعتقاد، يجترون مواقف في تواريخ غابرة، أو أيديولوجيات خاسرة، وآراء مرجعيات قاصرة عن استيعاب فقه الدين/ الإسلام الحق وأبعاد اجتهاد مؤسسي المذاهب التي قامت على الإيمان والفكر والحق، وبذل أربابُها الجهد والاجتهاد بصدق ووعي ومنهجية رفيعة وأخلاق عالية وإخلاص واقتدار، من أجل فهم أفضل وممارسة أقوم ولمنفعة الأمة وفقه الدين وترسيخ التسامح وإعلاء شأن السلوك القويم والقيم السامية للرسالة الخالدة رسالة الإسلام وتجليات تلك الرسالة وتمثلها في العبادات والمعاملات والاجتهادات البناءة.. لن يفعل أولئك شيئًا من ذلك لأنه ليس لهم من نور الإيمان ولا من فوائد المعرفة وقيمها ومناهجها وأهدافها ولا من معاني العدالة ومبانيها ما يجعلهم قادرين على القيام بشيء من ذلك فضلًا عن أن يكونوا قدوة، ولن يكونوا هم المستقبل بالتأكيد ولا مرآة له بأي حال .. كما أنه لن يستطيع أن يُنقِص من دور سوريا “الشام” أو أن يحولها عن المبادئ والثوابت والصالحات من قيمها وخياراتها ومقومات نهجها القومي قاصرون وانتهازيون وحسيرو نظر يسوسونها بجهل وجاهلية وكراهية قديمة عقيمة، وعنجهية استبدادية ظلامية، وتعصب يضاعفه ضلال، ورغبة في الانتقام يغشّيها ما يغشيها وتعبر عن نفسها بوحشية، وتغذيها ماضوية مذهبية/ اعتقادية دموية الأساليب، أضعفتنا ومزقتنا وقتلتنا وأكلتنا على مدى قرون .. بذريعة أنها تدعي تنتصر للمظلوم وتحيي السلف وما سلف، بينما هي وأفعالها وأساليبها في حكم المرفوض من السلف الصالح وممن تدعي أنها تنتصر لهم بالسيف والحقد والتطرف والتعصب .. لأنه ما بهذا آمن، ولا لهذا دعا، ولا بشيء مما يدّعونه ويدعون إليه عُرف السلف الصالح واشتهر .. وكل الأعلام الأوائل يرتفعون بجدارة نبراسًا للأمتين العربية والإسلامية وليس لنفر منهما يدعون أنهم الأمتان وأنهم يمثلون العقيدة والعقل والعدل والإيمان فيهما..؟؟ وقد آن لذلك الفهم والتعصب والتصرف أن ينكفئ ويختفي، وأن يصبح في حكم ما أكل عليه الدهر وشرب .. لأنه إثم وتمزيق وتخلف وظلمة، وفيه من الظلم للدين وللسلف والعقل والحكمة ما فيه. وعلى من ينتصرون للإسلام عبر المذاهب وللخلفاء الراشدين وللمظلومين عبر الكراهية والسيف أن يتنافسوا ـ إذا كان لا بد من التنافس ـ على خدمة الإسلام وحسن فهم رسالته وقيمه، وأن يتباروا في اتباع الراشدين والسلف الصالح في العلم والخُلُق والعمل لخدمة الدين وإعلاء شأن الحق والعدل والإنسان الذي كرمه الله وحرم إزهاق الروح إلا بالحق .. والحق عدل ووعي مسؤول بما يبني الإنسان والحياة، ولا يجوز احتكار الشرع وادعاء الشرعية وانتاك الحرمات واستباحة المحرمات باسم الحق والعدل والدين، فلذلك أصوله وأسسه ومناهجه ومرجعياته!؟..
ومن خلال التجربة والمتابعة وتمحيص أفكار وأقوال وأفعال نقول إن الذين يثرثرون اليوم عن بناء سوريا واستعادتها لدورها القومي بكلام وسلوك ينال من الإسلام في الشام ومن العروبة فيها ومن مكانتها التاريخية الراسخة في الفتح والفقه والعلم والمدنية الغارسة لجذورها في تربتها الحضارية الضاربة في عمق الزمن، حيث أداء العرب الأكاديين والكنعانيين والآراميين والسريان وغيرهم من الأقوام المنضوية في كيان واحد أسس في هذه الأرض، تلك التي شكلت جميعًا الجذر البشري والثقافي ـ الحضاري والإنساني في العراق والشام من شط العرب إلى ساحل الفينيقيين “أي الكنعانيين” شرق المتوسط، عبر دجلة والفرات ونهر العاصي وبردى، أي الحوض الحضاري العربي القديم الذي أوجد الكتابة المسمارية والأبجدية الفينيقية والملحمة والأسطورة والميثولوجيا والتشريعات والقوانين، وارتاد حضاريًّا في العالم له للعالم .. إن أولئك لا يملكون فقه التاريخ ولا القدرة والأهلية والكفاءة والمصداقية التي تؤهلهم للقيام بشيء مما يدعون، وأنهم بالتأكيد لا يستطيعون أن يحولوا دون إمكانية استعادة الأمة العربية، بطلائعها ومنها الطليعة السورية/الشآمية، لدورها القيادي والريادي في المستقبل، ومن نفَل القول أن نقول: “إنهم أعجز بكثير من أن يجتثوا جذرًا واحدًا من جذورها الضاربة في العميق الإنساني والحضاري، فكيف بهم يدعون إلى اجتثاث وجودها عبر اتهامات وتحالفات مع أعدائها وسلوك أقل ما يقال فيه إنه مفلس باعتراف ذويه؟!
كثيرة وكبيرة وخطيرة هي الخسائر التي أصابت مَقاتل في سوريا الدولة والمجتمع، وقد أصابت العمران والإنسان في الصميم، وفتكت بالاقتصاد والبنية التحتية والإيرادات الوطنية التي كانت تأتي من الزراعة والصناعة والثروات الطبيعية وعلى رأسها النفط والغاز وغير ذلك من الموارد. وإن مواجهة ذلك بشجاعة، وتحمل الأطراف السورية المنخرطة في الأزمة/ الكارثة/الحرب لمسؤولياتها عن كل ذلك .. ومن ثمَّ الإقرار، في إطار النقد الذاتي البناء وجرأة الرجال الشجعان على الانصياع للحقيقة وتجاوز المحن، بأن كل ذلك الذي اتبعوه ومارسوه لم يعد بالخير على الوطن والأمة، وليس هو النهج الراشد القويم الصالح لمعالجة الأمور وممارسة السياسة وحل الأزمات .. هو بداية الوعي والخطوة الأولى على طريق التوجه السليم لوقف القتل والتدمير وبناء السلم والأمن والبدء بالإعمار، إعمار الإنسان وإعمار البلد في تزامن وقَرَن واحد، يقوم به مقتدرون وليس من يملك الادعاء العريض والفكر المريض والسلوك المشوب بكل النواقص وعلى رأسها انعدام القيم والأخلاق وموت الوجدان. ومن المؤكد أنه يمكن إعادة بناء ما دمرته الحرب المروِّعة، فكل بلد تعرض للعدوان والدمار أو ثارت فيه حروب أهلية، تجددت عزائم أهله لرد ما فرض عليهم من عدوان ولإعادة إعمار بلدهم والنهوض بكل ما يحميه ويقويه ويجعله يحقق تقدما في محالات الحياة والحضارة .. وسوريا ليست استثناء من ذلك، وهي التي بقيت وأشادت بعد غزو هولاكو وتيمور لنك، وردَّت مع أبناء الأمة العربية والإسلامية، لا سيما أبناء مصر، عدوان الفرنجة/الصليبيين وأخرجتهم من بلاد الشام بعد مئتي سنة تقريبًا من الاستعمار الاستيطاني ومحاولات محو الشعب والعقيدة والهوية واقتلاع كل ذلك .. وسوريا نالت الاستقلال ودحرت الاستعمار الأوروبي، وما زالت تقاوم الاحتلال الصهيوني وتسعى لتحرير الأرض .. لقد بنت سوريا ما دمره الأعداء وأضافت إلى بناء من بنى بناء .. وسوف تبني نفسها وتعيد إعمار ما دمرته الحرب/الكارثة، وستفعل ذلك بقوى السوريين وخبراتهم وأدواتهم وعزائمهم، وستحتاج إلى خبرات ومساعدات أخرى، عربية وأجنبية، وهي خبرات لا بد منها لإعادة الإعمار .. وستكون بأمس الحاجة إلى مساعدات دولية متعددة الأشكال والأنواع والوجوه: سياسية ومالية وفنية وتقنية .. ولا أعدُّ هذا منَّة من أحد عليها لأن من واجب الذين موّلوا تدميرها والتخريب فيها وساهموا في شن الحرب عليها أن يتحملوا مسؤولية عملهم وأن يسهموا في مساعدة السوريين على إعادة إعمار بلدهم .. إن هذا يحتاج إلى توفّر المال والخبرات والتجهيزات والآليات والأدوات والمواد الأولية، وإلى التعاون مع دول ومؤسسات وجهات قادرة على المساعدة، ضمن برنامج زمني يطول مداه أو يقصر بمقدار ما يتحقق من إرادة وتصميم وتفاهم وسياسات حكيمة وأموال، ولا بد لذلك من رفع الحصار المفروض على البلد بطبيعة الحال .. وهذا يعني أن للخيارات والعلاقات السياسية بين سوريا وأطراف دولية أخرى دورا مباشرا وغير مباشر في ذلك، وأنه أمر لا بد منه ويحتاج إلى سياسات وعلاقات سياسية مغايرة لما هو قائم .. ويحتاج إلى تعاون جميع أطراف الأزمة السورية في الداخل، لا سيما القادرون منهم عند تبيّن الحق أن ينهجوا منهجًا يدعم الحق ويبني الوطن ويحقق للإنسان عدالة وحرية وكرامة، ويضع مصلحة الوطن فوق كل مصلحة .. وليس من أولئك من تسربلوا بالدم وباعوا أنفسهم للشيطان.
ومن المسلم به أن هذا لا يمكن أن يبدأ ولا أن يستمر بجدية ومنهجية وشمول ونجاح .. إلا بعد توقف الحرب المجنونة، وتخلي السوريين والذين يستثمرون في الحرب على سوريا وفيها عن النزوع المدمر بكل صيغه وأشكاله، وتوقف الاستعمار والمستثمرين في القتل والدمار عن استثماراتهم الإجرامية، وبعد التخلص من كل شكل من أشكال الإرهاب والعنف والنهب والفساد والإفساد ومن أمراء الحرب وقطاع الطرق والنَّهابة، ومن الاستبداد والظلم والغطرسة والشخصنة وكل ما ومن ساهم بتدمير بلده وتآمر عليها وسخر قدراتها لخدمة شخصه ومشاريعه الخاصة وجنونه النوعي. وبعد أن يستتب السلم الأهلي والأمن الوطني على أرضية التفاهم والتعاون “سوريًّا وعربيًّا وإقليميًّا ودوليًّا”، وتحقق التزام سوريين هم أطراف في الأزمة/الحرب، ودول عربية منخرطة فيها، وكذلك بلدان إسلامية مجاورة وأخرى غربية معادية بسلم عام في سوريا، تؤدي إليه حلول سياسية عادلة وحكيمة ومسؤولة لا تنطوي على خداع، وترسخه معالجات عاجلة وعادلة لكل ما حصل خلال سنوات الحرب المدمرة من مآسٍ والتخفيف من وقعها على الناس، وإنهاء ملفات قديمة عالقة تسبب الأزمات وأوضاعًا وممارسات وسياسات ومظالم كانت وما زالت سببًا في خروج بعض الناس على السلطة وفي استثمار أعداء سوريا في خروجهم أو في تجارة من تاجر منهم دمويًّا وسياسيًّا وإعلاميًّا وثقافيًّا بشعبه ووطنه .. وقيام مصالحة وطنية داخلية شاملة عميقة راسخة في سوريا تؤسَّس على المساواة والعدالة والاحترام والثقة المتبادلة بين السوريين، وعلى وأد الفتنة المذهبية وكل ما يتصل بها، والالتزام التام بمصالح الشعب والوطن، وإعلاء شأن الانتماء للأمة مهما صدر من نزوع سلبي من أفراد وحكام، في تلازم عضوي واعٍ بين العروبة والإسلام، تعززه استراتيجية فكرية وثقافة قومية تبنى على ذلك وتأخذه بالاعتبار .. وإعلاء مصلحة الشعب وخياراته فوق كل مصلحة ضيقة، ورفع الخيارات الوطنية ـ القومية التي تنبع من تكوين سوريا الاجتماعي والثقافي والتاريخي ومن مركزية مواقفها في العمل العربي ودورها السياسي والحضاري إلى المرتبة التي تستحقها، بوصفها خيارات عليا حيوية ومستقبلية، واتّباع مناهج تربية وتثقيف وعمل وإدارة وتدبير وسياسات تحافظ على الثوابت الوطنية وتعلي من شأن القضايا المصيرية والعلاقات الأخوية بين أبناء الأمة في أقطارهم، وترسيخ مبدأ المواطَنة بكل واجباتها وحقوقها والتزاماتها وشروطها وقيمها وأبعادها الاجتماعية والقانونية والأخلاقية، والعمل على إقامة دولة سورية مدنية دستورية قوية ذات مؤسسات راسخة محترمة حاكمة ومؤثرة في البناء والقرار، لا يملكها ـ بمعنى لا يحكمها ولا يستغلها أشخاص على أنها أملاك أو تبعيات أو مزارع خاصة لهم ـ وتقوم تلك المؤسسات بعملها باستقلالية في إطار دولة بسلطات ثلاث: تشريعية وتنفيذية وقضائية، متكافئة في الاستقلال والحصانات ومتكاملة في المهام والأداء وفق ما ينص عليه دستور دولة ذات نظام جمهوري ـ برلماني بمجلسين مجلس للنواب ومجلس للشيوخ، لكل منهما مهام وصلاحيات تتكامل هي الأخرى في ضوء مصلحة الشعب والأمة والوطن والمواطن، ووفق ما ينص عليه الدستور ولا ينقض معمار الشريعة، يُنتخَب مجلس النواب ونصف أعداد مجلس الشيوخ من الشعب ويختار النصف الثاني منه من بين أشخاص ذوي كفاءة وتجربة وثقافة وحكمة، وفق أسس ومعايير تراعي القدرة والاختصاص والضرورات الاجتماعية وحاجات الشعب والدولة .. ويتم ذلك كله وفق نظام يحدد الاختصاصات والإجراءات والتفاصيل .. دولة لا ينفرد فيها شخص أو حزب أو طائفة أو كتلة أو شريحة اجتماعية من أي نوع بالسلطة، أيًّا كانت الذرائع والوسائل والصيغ والأدوات ومهما كانت صفة المتطلع إلى التفرّد بالسلطة ومركزه وأيًّا كانت ذرائعه .. دولة لا تجاوز فيها على القانون وصلاحيات المؤسسات، يكون كل فرد فيها شريكًا في القرار والمصير والبناء، قدر استطاعته، ولا يحرم فيها أحدٌ من حريته ولا يجوز له أن يستغل الحرية ليمارس الفوضى ويصنع بيئة غوغائية باسم ممارسة الحرية، فالحرية وضعية وهي مسؤولية وأخلاق وبناء وليست انفلاتًا من الأخلاق والضوابط الاجتماعية والقانونية، ولا هي إساءات للآخرين وممارسة تدمير لبنى الدولة والمجتمع..!! دولة لا يدفع فيها ضريبة المال خدمة لها وضريبة الدم دفاعًا عنها فريق بينما ينعم بخيراتها فريق آخر، ولا يقع وزر ذلك على فقير دون غني، وعلى مرؤوس يدفعه إلى الموت دفعًا رئيس لا يقدر المسؤولية ولا يمارسها عبر المؤسسات، ولا تتحمل فيها أعباء البناء والدفاع ونفقاتهما شريحةٌ اجتماعية تبقى طول عمرها تدفع بينما تبقى أخرى تقبض وتنتفع وتتاجر وتستغل وترفع الشعارات وتختبئ في مراكز ومواقع تمكنها من الاستئثار بالقرار وجني المكاسب ومن توجيه من تهلكهم المعاناة وتحرقهم النار إلى مزيد من المعاناة وإلى الموت والدمار .. دولة كل من هم فيها متساوون أمام القانون ورؤوسهم تحت سقف الدستور، تحكمهم أحكامه وما تسنه السلطات المختصة في الدولة من تشريعات وقوانين وفق الأصول وبما لا يتعارض مع مصالح الشعب وقيمه وسيادة الوطن ومصالحه، ولا يخالف فيها نص الدستور روحَ الشريعة، وهو دستور يخضع بالضرورة، قبل إنفاذه والعمل به، إلى موافقة الشعب عليه، كما تخضع لذلك تعديلاته أو أية إضافات يُقترح إدخالها على مواده .. دولة يخضع كل مواطن فيها للدستور والقوانين أيًّا كانت مسؤوليته ومركزه ومكانته ومكانه في هرم الدولة/السلطة، ابتداء من رئيس الجمهورية وحتى أصغر موظف ومستخدم فيها .. ولا تقوم فيها مراكز قوى تسيطر على القرار وتجير الدولة لصالح طائفة أو فئة أو فرد.
وسوريا المنشودة تحتاج إلى التخلص من سطوة شرائح اجتماعية وسياسية وتوابع لها، تهيمن على السلطة وتنتهك كل الحقوق والحرمات والقيم أو تتطلع إلى ذلك لتفعل ما فعلت سابقتها، وتستبيح كل الوسائل والأدوات لتدمير خصومها والقضاء على من يتطلع إلى السلطة سواها، وتعيش على/ أو تتغاضى عن فساد وإفساد يدمران الوطن والقيم وتماسك الشعب .. كما تحتاج إلى التخلص من تسلط عقليات وشخصيات وفئات ترى أنها تحيي الشعب وتبني الوطن بتعالٍ يقيمه جهلها وقربها من مراكز صنع القرار، وما ذاك التعالي السلطوي سوى هرم من الزَّبَد إذا ما اختُبر بمعايير العلم والعقل والفهم والوعي والوطنية والإيمان، يخاله كثيرون صّوَّانًا نتيجة التخاذل والخوف والممارسات الرهيبة، وأساليب الانتهازيات العجيبة التي يتعرض لها الفرد حين يستهدفه المتهالكون على السلطة، بالتسلط عليه وتشويه كل ما فيه وما لديه؟! ويتضح مدى تهاوي ذلك التعالي حين يضع أصحابه كل مقاليد البلد بيد قوى خارجية لتحميهم وتمكنهم من أن يحكموا سوريا الشعب والوطن ويتحكموا بسوريا المستقبل .. فتظهر حقيقة أهم مجرد واجهات، وأنه يتم الحكم باسمهم من وراء ستار.

إلى الأعلى