الإثنين 24 يوليو 2017 م - ٢٩ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / درس آرون… ورحلة عريقات!

درس آرون… ورحلة عريقات!

“لقد أنهت الامبراطورية الإسرائيلية توسّعها وباتت تعيش آلام التقلُّص”… مثل هذا الكلام قد لا تكون من جدة فيه. قلنا مثله وقاله الكثيرون منذ انكفاء الجيش الصهيوني من جنوب لبنان هربًا من ضربات المقاومة عام الألفين، وعززه مصيرحربهم العدوانية اللاحقة الفاشلة على لبنان عام الألفين وستة، ثم أكده ما لحق بهم تباعًا من فشل مشابه لاستهدافات حروبهم المتتابعة التي شنَّوها بعدها على غزة وثالثتها كانت الأخيرة المتميزة عن سواها بأنها الأكثر همجيةً والأكثر فشلًا لجهة كافة استهدافاتها المعلنة والمكتومة، والتي تهشمت جميعها على صخرة صمود وتضحيات الشعب الفلسطيني الأسطورية وإبداعات ومفاجآت مقاومته الفدائية المذهلة… لكن لهذا الكلام أهميته لكونه يعود لكاتب صهيوني هو أمير آرون في صحيفة صهيونية هي “هاآرتس”، ولأنه يلخِّص عنوانًا رئيسًا لعله يعد الآن سيدًا بحق لمعمعة لا تنتهي لجدل مبعثه خيبة مريرة مستشرية وعدم رضا ضارب أطنابه لدى كافة مستويات جمهور الكيان الغاضب جراء هذا الفشل، ولأنه يأتي بعد استخلاص لأصحاب القرار فيه لدرس لخَّصه الكاتب ذاته حين قال عن غزة: إنه “ليس بوسع أي قوة عسكرية أن تفكك قنبلة موقوتة كهذه”…
قلنا في مقالنا السابق إن هذه الحرب، أو هذه المحرقة الصهيونية ومقابلها الملحمة النضالية الفلسطينية الأخيرة في غزة، ليست سوى محطة في صراع تناحري مديد، انتهت إلى وقف لإطلاق نار، أي توقف لمعركة لا نهاية لحرب. مبعث تذكيرنا بما قلناه، هو أن مثل هذا الجدل الصهيوني المشار إليه آنفًا يؤكده، ويؤشر على حقيقة لازمت تاريخ وجود الكيان العدو وستظل تلازمه ما بقي في بلادنا، مفادها أنه لم يحترم، ولا في مقدوره بحكم طبيعته العدوانية أن يحترم، أي اتفاق عقد أو سيعقد معه، ولا توفر أو قد يتوفر احتمال لأن يطول أمد أي تهادن اتُّفق أو يُتفق معه عليه. وهو إذ اعتاد فيما سبق على النصر السهل التي تتيحه له في العادة بيئة عربية رسمية منحدرة، ويتحسب الآن من الأسوأ الذي أنذره به فشل استهدافات حربه الأخيرة على غزة، وأي خسارة تعني له أصلًا ما يعادل طرح مسألة وجوده برمتها، فلن يطول كثيرًا انتظارنا لحربه القادمة… قد يشكِّل درس آرون توازن رعب معه، لكنه لن يردع عدوانية هي من طبيعتة كمعتدٍ، وحربه المتوقفة معاركها الآن سوف تستمر متخذةً أشكالها الأخرى… من الآن بدأوا مسيرة الالتفاف والتملص فالتنكر لما وقَّعوا عليه عبر الوسيط المصري، ذلك بحثيث المساعي لربط إعادة إعمار ما دمروه في غزة بعودة السلطة إليها مع التأكيد على أنموذجها المعهود في الضفة، ونزع سلاح المقاومة بقرار دولي يستصدره الغرب، مع إبقاء لنوع من الحصار بشكل أو بآخر، وكله بالإفادة إلى أبعد حد مما يتيحه لهم الراهنان الأسوآن الدولي والعربي، بمعنى محاولة تحقيق ما لم تحققه لهم القوة في حربهم فاشلة الاستهدافات، ناهيك عن مغزى آخر القرارات التهويدية المصادرة لمساحات قياسية في الضفة… يضاف إلى كل هذا، سؤال يتم حتى الآن التغاضي عن الخوض في مفترض الإجابة عليه، هو، وماذا عن معبر رفح؟؟!!
ما تقدم هو برسم الساحة الفلسطينية التي بدأت غيوم الانقسام تتلبد من جديد في أفقها، والتي لم تغادرها فعلًا إثر تلكم المصالحة السطحية، أو تواؤم الضرورة، السابقة على الحرب، وإنما أزاحها غبار المعارك جانبًا وحل محلها. فبدلًا من الانطلاق من منجزات الدم الفلسطيني في غزة، والارتقاء إلى مستواها والبناء عليها، وإعداد كامل الساحة، وطنًا وشتاتًا، للحرب القادمة، عادت الخلافات المكتومة تردفها صغائر الحسابات الفصائلية الضيِّقة إلى العلن، حتى قبل أن يتوقف دفن الشهداء وإخراج من دفنوا تحت ركام ما دمرته الهمجية الصهيونية… لكن الأخطر هو عودة سالف المراهنة التسووية على الأميركان، ومواصلة التلكؤ في الذهاب إلى مؤسسات الأمم المتحدة، والتردد في اللجوء إلى محكمة العدل الدولية… لنتذكَّر، منذ البدء كانت وحدة الحد الأدنى على الحد الأدنى من متواضع المطالب، التي توافق فلسطينيو المساومة والمقاومة عليها، وحملها وفدهم الموحَّد معه إلى المفاوضات غير المباشرة في القاهرة، قد رافقتها الهمهمات الأوسلوية المتباكية على الدم الفلسطيني المراق والمكتفية بأولوية حقنه غامزةً من قناة المقاومة التي قاومت العدوان فتسبب عنادها في سفكه!!! إلى جانب المسارعة إلى قبول النسخة الأولى للمبادرة المصرية التي تنص على وقف إطلاق النار ثم الذهاب للتفاوض على المطالب. لكن الصمود الأسطوري والمفاجآت الإبداعية للمقاومة، وتواتر مظاهر فشل استهدافات الغزاة، دفعت هذه الهمهمات إلى الخفوت لا التلاشي، فكان أن استبشر كثير الفلسطينيين خيرًا بوحدة الحد الأدنى على الحد الأدنى هذه وحلموا بتطويرها، بل وأخذهم حلمهم إلى حيث أملوا انكفاءً مستحقًّا عن مواصلة النهج التسووي المدمر والأشد فتكًا من آلة الحرب الصهيونية التي عجزت عن فل إرادة المواجهة، أو تفكيك قنبلة غزة النضالية الدائمة… أوسلو دفنت تحت أنقاض المدمر في غزة، ورهان أوسلوييها مجددًا على الأميركان لن يعيدها للحياة، أي أن رحلة عريقات حاملًا معة خطته التفاوضية إلى كيري لن تقود إلى المختلف عن حصاد بائد المراهنة عليهم لأكثر من عقدين كارثيين خليا… وكما للصهاينة دروسهم التي يستخلصونها من حربهم العدوانية الأخيرة، فللفلسطينيين أيضًا نصيبهم منها، وأولها، أنه لا من خيار أمامهم لانتزاع الحقوق سوى المقاومة… وأن استنهاض الحالة التحررية الفلسطينية ضرورة وجودية وعامل أساس في استنهاض أمة بكاملها وإعادة الاعتبار لمحورية ومصيرية قضيتها المركزية في فلسطينها…

عبداللطيف مهنا كاتب فلسطيني

إلى الأعلى