الثلاثاء 24 أكتوبر 2017 م - ٤ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / أين الجديد في البلاغة الجديدة ؟!

أين الجديد في البلاغة الجديدة ؟!

لا أهدف من وراء سطوري التالية افتعال معركة مع أحد، فأنا مجرد قارئ، والمعارك الأدبية إن اشتعلت فأطرافها صناع الأدب ونقاده، فإن كان ثمة دور للقارئ فلا شيء غير المتابعة، لكنها حيرتي إزاء حالة الفوضى غير الخلاقة التي أصابت المشهد النقدي العربي، وأحد مظاهر تلك الفوضى حديث بعض المنظرين عن “البلاغة الجديدة “، وهو مصطلح يصطدم بأذني من حين لآخر، وتعبيرات أخرى شبيهة لا أدري إن كان هذا التشابه يرجع إلى صلة رحم أم لا! وأحيانا يتحول الارتطام إلى اشتباك يفشل فيه قاذفو المصطلح في إرغام أذني على أن تفسح له الطريق إلى وجداني، هل هو عناد الشيخوخة الذي يجعلني أتكئ على حائط قرار مسبق برفض كل ما هو جديد من الطعام إلى الأغاني إلى الأفلام إلى النقد الأدبي، وأن أقتات على أنستولوجيا طرح الماضي، رافعا شعار ليس قي الإمكان أبدع مما كان ؟
والقصة تعود إلى عقدين أو أكثر، حيث يروعني ما كنت أسمع في منتديات النقد، حتى من كبار نقادنا، إن تعرضوا لعمل روائي يقولون كل شيء وأي شيء، حتى البقال الذي يشتري منه المؤلف طعام أسرته، كل شيء يتحدثون عنه إلى حد الثرثرة، إلا ما أتوق إليه ويثملني حين أقرأ، جماليات اللغة، فقط يجري الحديث عن جماليات اللغة حين يكون بيت القصيد القصيد! ، أما الرواية فلتكتب ولو بقلم موظف الأرشيف في أي مصلحة حكومية ،وليحتفى بها، لمكنوزها من جماليات البناء والشخصيات، ولا شيء عن جماليات اللغة، وهي ملاحظة أبداها أيضا الناقد المغربي مصطفى الورياغلي في كتابه “الصورة الروائية ” والذي يشكو من أن النقد الروائي العربي بصفة عامة، والنقد الروائي المغربي بصفة خاصة لم يلتفت إلى الصورة الروائية بشكل منهجي دقيق، بل كان يحاكم النصوص الإبداعية الروائية والقصصية في ضوء مقاربات مرجعية وإيديولوجية، أو يفككها في ضوء مقاربات بنيوية وسيميائية نصية. لذلك أغفل جمالية الصورة الروائية وفنيتها في النصوص الإبداعية. ،ويزيد “الورياغلي” بأن النقاد لم يكلفوا أنفسهم عناء دراسة جمالية الصورة الروائية في ضوء سياقها النوعي والجنسي والذهني، بعيدا عن مقاييس البلاغة الكلاسيكية التي انصبت على دراسة الصور الشعرية بطريقة جزئية، تقتطعها من سياقها النصي في شكل جمل أو عبارات أو أمثلة أو أبيات شعرية .
ويستشهد الباحث المغربي بآراء لنقاد وباحثين كبار عن أهمية الصورة الروائية كأحد المكونات الأساسية للسرد الروائي من هؤلاء: بيرسي لوبوك في كتابه “صنعة الرواية”، وميخائيل باختين في كتابه “شعرية دويستفسكي”، وستيفان أولمان في كتابه “الصورة في الرواية”، وجابر عصفور في كتابه “الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي عند العرب”، وحميد لحمداني في كتابه ” أسلوبية الرواية”.
ورغم أنني لم أقرأ شيئا من تلك الإصدارات التي استشهد بها الباحث المغربي إلا أنني تلقيت دعما عظيما من قبل الناقد الكبير الدكتور محمد عبد المطلب عبر كتابه “بلاغة السرد” الصادر عام 2001 من الهيئة العامة لقصور الثقافة، حيث يقول “الخطاب الأدبي -عموما – خطاب لغوي بالدرجة الأولى، ومن ثم فهو في حاجة إلى إجراءات تحليلية تكشف عن لغويته ودور هذه اللغوية في انتاج النصية الروائية، وهذا يعني أن الإجراءات التي مارستها على الشعرية – بوصفها فنا لغويا – صالحة لأن تمتد – بكل فاعليتها إلى الخطاب الروائي”.
والآن يفاجئنا بعض النقاد بمصطلح البلاغة الجديدة أو الفصاحة السردية الجديدة، وهو التعبير الذي جرى على لسان الناقد العراقي الدكتور عبد الله ابراهيم عضو لجنة التحكيم بجائزة بوكر العربية خلال المؤتمر الصحفي الذي نظم في العاصمة الأردنية عمّان يوم 10 فبراير الماضي للإعلان عن روائيي القائمة القصيرة، وقد شرح ما يعنيه بالمصطلح في بحث بذات العنوان “الفصاحة السردية الجديدة” نشر في جريدة الرياض السعودية عدد 22 مارس من نفس العام ،
وفي بحثه يقول الناقد: إن للسرد وظيفة أساسية، هي القيام بتمثيل المرجعيات الاجتماعية والتاريخية والدينية والثقافية التي يتصل بها، وليس نسخها، إنما رسم صورة متخيلة قابلة للتأويل المضاعف عنها، فهو نظام رمزي يستبطن المرجع، ويجعل المتلقّي يتوهّم بأنه يتصل به، لا بقصد تصويره كما هو، إنما بهدف منح المعنى الخطابي له، ولكي ينجح السرد في ذلك عليه أن يراعي “الفصاحة”، أي الإفصاح عن مقتضى الحال، الذي هو الإبانة الفائقة عن المعنى المرجعي للخطاب الأدبي، ولتوضيح القصد من كل ذلك – يستطرد الناقد – أستعين بجانب من التركة الاصطلاحية العربية للفصاحة مؤكدا على أن “الفصاحة السردية الجديدة” لا تقوم على اللغة بذاتها إنما على قوة التمثيل، حيث تكون اللغة عنصرا في منظومة أشمل للتمثيل العام.
ويشرح الناقد ما تعنيه الفصاحة عند العرب من سلامة الألفاظ من اللّحن والإبهام وسوء التأليف، وذلك هو البيان عن المقاصد بألفاظ دقيقة. والفصيح هو الطليق في القول، والقادر على استخدام الألفاظ القادرة على إظهار المعاني. وقد اشترط العرب لفصاحة الكلمة خلوّها من تنافر الحروف، ومن غرابة الاستعمال، ومن مخالفة القياس، ومن الكراهة في السمع. أما فصاحة الكلام فتشترط فصاحة كلماته المفردة، وعدم تنافرها مجتمعة، وقوة التأليف فيما بينها، وخلوّها من التعقيد اللفظي والمعنوي، وتجنّب تكرار الكلمات، والابتعاد عن الإضافات المتتابعة والمتداخلة، وهي الشروط نفسها لفصاحة الخطاب المكتوب.
والباحث كما نرى يتحدث عن الفصاحة فما علاقة حديثه بالبلاغة ؟
هما الشيء نفسه،هذا هو جوابه حين يقول: إذا تحقّق كل ذلك يكون الخطاب بليغا، لأن البلاغة، هي الوصول إلى المبتغى والكشف عنه، أي أنها القدرة على بلوغ المعنى المرجعي بأفضل الاحتمالات الممكنة. وفي العربية تترادف الفصاحة مع البلاغة، وبهذا فالفصيح هو البليغ في قوله، لأن قاعدة البلاغة هي الإبلاغ ، والعالم الافتراضي للسرد بحاجة لمن يبلغ عنه بطريق جديدة، أي بتمثيل سردي يستثمر إمكانات اللغة العربية، لكنه يضع في حسبانه ابتكار عالم مواز للواقع يفوقه قدرة على الإيحاء والدلالة، تلك هي وظيفة السرد الجديد.
وينتهي الناقد إلى أن فصاحة السرد في شكلها الجديد “ليست فصاحة اللغة بحد ذاتها، كما طرحها القدماء، وإن كان أحد شروطها اللغة، فليس لهذا المصطلح وظيفة لغوية مباشرة إنما وظيفة تمثيلية، ودوما كنت أحد المتحمسين لبلاغة اللغة في السرد، لأن السرد في النهاية إبداع ،جنس أدبي، وأداته الكلمة، ولا يعقل، وهذا حاله أن أضع كل مكونات السرد من معمارية وشخصيات ودوافع نفسية واجتماعية تحت مجهر النقد وأتغاضى عن المادة الخام التي صنعت منه كل هذه المكونات، الكلمة، إلا أن موقفي هذا لا يصل بي إلى حد التطرف في التعامل مع البلاغة كمحور قائم بذاته، بل بمدى قدرة المبدع على توظيفه في تشكيل بنية النص وبعفوية، فلا يعقل مثلا أن تكون بطلة رواية ما فتاة أمية بسيطة، وتجري اللغة على لسانها بجزالة وبلاغة، لا لشيء إلا لإظهار المؤلف عبقريته البلاغية ! هذا عوار، فكل الشخوص ينبغي أن تجري اللغة على لسانها بما يتناسب مع ثقافتها ومستواها الاجتماعي، وإذا كان ألبرتو مورافيا قد رد على منتقديه حين أنطق بطلة روايته “امرأة من روما” بلغة أعلى من بيئتها الاجتماعية، بقوله أنه هو الذي أنطقها ! فرده هذا ليس حجة على أهل السرد مبدعين ونقادا ومتلقين،
والاحتفاء بالبلاغة كركن محوري في السرد يجري توظيفه توقا للوصول إلى سلامة وجمال الشكل النهائي لمعمارية النص أمر ليس جديدا، نلمسه في كثير من الكتابات السردية العربية والعالمية ،القضية وكما ألحظها كقارئ ويلحظها مصطفى مصطفى الورياغلي كباحث أن النقاد لا يولون هذا الجانب أهمية كبيرة، في تنظيراتهم، وها هم يتحدثون الآن عن البلاغة الجديدة ، فماذا يعنون بمصطلحهم هذا ؟
منذ عدة أسابيع قادتني قدماي إلى دار نشر حيث كانت تجري مراسم توقيع لرواية جديدة لمؤلف شاب، وأظهر أكثر من ناقد احتفاءه بالرواية لازدهار حدائق صفحاتها بصور من البلاغة الجديدة، لم أكن قد قرأت الرواية، لكن المؤلف وآخرين تداولوا قراءة صفحات عجزت مملكة التذوق داخلي إلا إذا كان قد أصابتها الشيخوخة بالعجز عن التقاط أية صور جمالية تنتمي للبلاغة كما عهدتها عبر عقود، فهل للبلاغة الجديدة “كود سري” استعصى على فهمي ؟ إن كان الأمر كذلك فما هو !
طرحت السؤال على صديق التقيت به في قاعة المناقشة تلك، بينما كنا نهم بمغادرة المكان ،فضحك، ثم قال: هذه دار نشر، كل إصدار تنظم له حفل توقيع، وتستدعي له نقادا يرتبطون بها بمصالح، فيقولون ما يرغب صاحب دار النشر في قوله، ولن تفاجأ بعد عدة أسابيع بخبر منشور في الزوايا المنسية للثقافة في بعض صحفنا عن أن الطبعة الأولى من الرواية نفدت، وصدرت طبعة ثانية، فثالثة، لتشيع دار النشر أن هذا العمل كان الأكثر مبيعا، وفي حقيقة الأمر كل عدد نسخ الطبعة الأولى لايزيد على 300 نسخة، وكل طبعة تالية مئة أو مئتي نسخة، رغم أن العقد الذي وقعه الكاتب مع الناشر ينص على ألفين أو ثلاثة آلاف نسخة، والكاتب لا يدري، أو ثمل بالحدث الكبير ـ صدور رواية له ـ!
ولا أتفق مع تفسير صديقي، فثمة ناقدة كانت تعتلي المنصة أعرف عنها أنها تخوض حربا بلا هوادة لتطهير الساحة النقدية من الفاسد والمتكلس والبالي، ولا تقوى إغراءات أي دار نشر على أن تستنطقها بما لا تؤمن به، لكنها أيضا تحدثت بما بدا لقارئ محدود الثقافة مثلي مبهما لي، البلاغة الجديدة في الرواية التي كانت تناقشها، فما هي أبعاد تلك البلاغة الجديدة ؟
في ذات البحث – أعني بحث الدكتور عبد الله ابراهيم – ثمة فقرة تلقي الضوء على ماهية البلاغة الجديدة في السرد، حيث يقول: “ومن الضروري أن تكون للرواية نواة سردية صلبة، تنتهي إليها، أو تصدر عنها، وظائف العناصر السردية كلها. لا أقصد بالنواة الصلبة حدثا جامدا يبنيه السرد بتدرّج، كما هو الأمر في البناء المتتابع للحدث في الرواية التقليدية، رواية القرن التاسع عشر خاصة، إنما أقصد بأن يقوم السرد بتشكيل كتلة سردية من الأحداث المتلازمة التي تصبّ في مجرى كبير يضم الوقائع والشخصيات، فلا مكان للوهن في المفاصل الرابطة فيما بينها، ولا مكان للإسهاب الإنشائي الذي يخرّب قيمة المشهد السردي، أو يعيق حركة الشخصية، إنما يتيح حركة حرة ورشيقة لها ولسواها من الشخصيات أن تعبّر عن مواقفها وأفعالها ورؤاها، بأفضل طريقة ممكنة، وبلغة مقتصدة ولكنها كافية، فالتركيز ينبغي أن ينصبّ على الأحداث والأفعال والمواقف والأفكار، وليس على الوصف والاستسرسال والتغنّي بالعواطف المائعة، والتأملات التي تعيق حركة الحدث، ولا تثري أعماق الشخصية، فحذار في “الفصاحة السردية الجديدة” من الانبهار بلفظ، والاشتياق الشخصي لجملة، وينبغي تجنّب الاستسرسال الإنشائي الذي يفضح عجز الروائي عن حبك الأحداث، وابتكارها، ولا يفيد في إثراء النواة الأساسية في روايته، التي هي مدار السرد.
إلا أن هذا الذي يقوله الباحث العراقي لا يروي نهمي لحقيقة البلاغة أو الفصاحة الجديدة، فحديثه عن اللغة المقتصدة وتجنب الإسهاب الإنشائي وتحذيره من الانبهار بلفظ والاشتياق الشخصي لجملة ، كل هذه التحذيرات كان نجيب محفوظ على وعي بها حين كتب ثلاثيته منذ ستة عقود، والطيب صالح حين كتب رائعته موسم الهجرة إلى الشمال، والطاهر بن جلون في روايته التي يستعصي على الذاكرة لفظ سطر منها “ليلة القدر” واليوسفان، إدريس والشاروني ، في مجموعتيهما الخالدتين “أرخص ليالي” و”العشاق الخمسة”، فماذا لدى مبشري البلاغة الجديدة غير ما وعاه شيوخنا هؤلاء وغيرهم من مقتضيات اللغة وجمالياتها التي كانت دوما نصب أعينهم وهم ينجزون أعمالهم العظيمة ! مجرد سؤال من قارئ يريد أن يعرف، فهل لدى أحد إجابة ؟!

محمد القصبي

إلى الأعلى