الثلاثاء 23 مايو 2017 م - ٢٦ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / الصرخة ، لـ “محمد المعمري”

الصرخة ، لـ “محمد المعمري”

الفن رسالة، وعلى مدى التاريخ كان الفن بمختلف مجالاته واحداً من أقوى وأنبل الوسائل وأكثرها تأثيراً على المشاعر والمواقف ودعم الأخلاق وإدانة النزعات الفاسدة وكانت قوته تكمن في مدى تأثر الفنان بمجتمعه وقدرته على التعبير بأسلوب بسيط معززاً تجربته الشخصية بالقيم الجمالية التي يحملها معه في كل موقف، كما أن قلة من الأعمال الفنية الناضجة التي تتوفر فيها أساسيات الابتكار والصنعة الفنية المحكمة والقدرة على التأثير على المتلقي بشكل متوازن وفعال ودائم، لتصبح تراثاً خالداً لا يفقد وهجه وقيمته مع مرور الزمن، بعكس ما ذهب إليه الفيلسوف الألماني (كارل ماركس) الذي كان يرى أن الفن مجرد حالة مرحلية ستزول بتقدم الإنسانية، وهو ما أثبتت تعاقب الأيام عكسه. وجولتنا في هذا العدد سنزور من خلالها البستان الوارف للتشكيلي المبدع والمذهل بتجاربه الفنية المتألقة فكراً ومضموناَ الفنان محمد المعمري الذي قدم خلال مسيرته التشكيلية العديد من الأعمال الفنية الواقعية والتعبيرية التي استوقفت المتلقي المحلي والدولي من خلال مشاركاته الخارجية لسببين أولاهما مهارة البناء وثانيهما جمال الموضوع فهذا الفنان يمتلك في داخله حساً فنياً عالياً مَكَّنهُ من تبوء مكانة تشكيلية مشرفة بين أقرانه، ولا أود أن أطيل التعريف بهذا الفنان فمن شاهد أعماله سيلمس جلياً ومن الوهلة الأولى ما أشرت إليه .
فأحببت أن أستعرض للقارئ الكريم هذا العمل المتميز من جملة روائعه الأخرى الذي يحمل عنوان (الصرخة) وفيه يستجدي الفنان الكثير من معاني الرعب والخوف الشديد والألم النفسي والوحدة بشكل مكثف وإبداعي مؤثر، فهذه الحالة عاشها العديد من البشر في أصقاع الدنيا منذ بدء الخليقة وحتى الآن، وكانت حالة الصرخة هذه هي النتيجة الطبيعية لما شاهدوه أو سمعوه أو استشعروه من آمال رجوها ولم تتحقق أو آلام نزلت عليهم بغتة فأخذت معها سعادتهم المرجوة، أو معاناة تكررت وكان الصبر سلوانهم لفترة ولم يطيقوه، أو أنهم يصرخون ويتمزقون في داخلهم ولا أحد يراهم أو يستشعر معاناتهم، ويا لكثرة ما نتألم منه في زمننا هذا، فنحن بِتنَا لا نسمع المفرح من الأخبار بل كل ما يصل إلينا عبر وسائل الإعلام قتل ودمار ونكبات وويلات وحروب فتت الكيان الإنساني وأوهنت روحه، فالمعمري هنا يوجه هذه الصرخة التي مزقت الجسد في وجه كل اعتداء ويدين بها كل طغيان. كما أنه لم يجسد العدو الذي تسبب بهذه الصرخة المخيفة وقد تعمد تغييبه إمعاناً في احتقاره وإدانته ، وأبقى لنا آثاره على جسد هذا الكائن الذي من المفترض أن يكون مليئا بالأحاسيس والمشاعر الرافضة لحياة الألم والمعاناة. وكان للخلفية وما حملته من ألوان داكنة رمزاَ آخر يعبر عن قتامة الحياة قبل حالة الصراخ هذه، فهي جاءت كأثر طبيعي لما سبق من تفاعلات جسده، كما نفذ المعمري في خلفية العمل بعض النقاط الدائرية الشكل المختلفة في حجمها وبعض الخطوط المتقاطعة بخفة وضبابية فلربما وجودها في ذلك المكان يرمز إلى عالم التقنية والتكنولوجيا فهذه الدوائر والتقاطعات تشبه قطع الصفائح الداخلية في الأجهزة الألكترونية الحديثة، ولعله هنا يريد أن يلفت نظرنا إلى أن هذه التقنية برغم ما وصلت إليه من تطورات لم تساعد هذا الإنسان على تحقيق السعادة التي نتخيلها بل لربما صارت وبالا عليه بما تم اكتشافه من أجهزة تسببت في تعاسته وشقائه وقرنها كمصدر قادم من فجوة ربما أحدثها قصف في جدار فبدلاً من أن تشعرنا بالسكينة لسعتنا، وكأن وجودها مقرون بوحشة الموت، أو قد تشير إلى مدى تخلف وتراجع وانحطاط الإنسان المفتخر بتقدمه وحضارته المزيفة حتى خفت نوره المزيف في ظلام القتل والدمار، أو لربما هي إشارة إلى ذلك الألم الخاص بالحياة الحديثة، وقد أصبحت أيقونة دالة على العصاب والخوف الإنساني من هذه الطفرة التكنولوجية الحديثة وإفرازاتها التي لا تنتهي.
عموماً التفسيرات للوحة الواحدة تتعدد بحسب رؤية كل منا، وكلٌ يرى شيئاَ قد يكون مختلفاً ، ولكن يبقى المعنى العام لهذه اللوحة محدداً بمكوناتها الأساسية، التي تبرزها هنا معاني الرعب والخوف الشديد والألم النفسي والوحدة بشكل مكثف وإبداعي مؤثر .

عبدالكريم الميمني
al-maimani@hotmail.com

إلى الأعلى