الإثنين 24 يوليو 2017 م - ٢٩ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / مراد السوداني لـ “أشرعة “: الجيل الجديد في معظمه يذهب للنثر لأنه لم يعجم عيدان الإيقاع

مراد السوداني لـ “أشرعة “: الجيل الجديد في معظمه يذهب للنثر لأنه لم يعجم عيدان الإيقاع

يشير إلى أن ” التجربة محرق لروح الشاعر واشتعالاته”
أحاول أن أكون صائد مفردات تخصّني

ليس مطلوبا من الشاعر أن يتنازل عن حريته الإبداعية لصالح قارئ ما

المثقف حارس حلم وسادن الجماليات وثابت على الثابت لا يتلطى ولا ينافق

الثقافة آخر قلاعنا والمثقف المهزوم والمنكسر لن يعطى سوى ثقافة انكسار وهزيمة
دمشق من وحيد تاجا :
في تقديمه لنفسه يقول: ” انا فلاح بامتياز أتقن الحرث والزرع وأنهل من ذاكرة قريتي “دير السودان” التي أنحاز إليها وأرفعها إلى مقام مقدّس. وحول مدى التشاؤم الذي يلف قصائده يبوح في لقاء مع “مؤسسة فلسطين للثقافة” قائلا: أنا حزين ولست متشائماً، الحزن الفعّال الذي يوّلد المقاومة والفرح بالحياة والدفاع عن الجمال وأسبابه. وحول رأيه في قصيدة النثر يقول: أرى أن الجيل الجديد في معظمه يذهب للنثر لأنه لم يعجم عيدان الإيقاع. والشاعر مراد السوداني من مواليد 1973 دير السودان – رام الله..عمل رئيساً لتحرير مجلة (الشعراء) التي صدر عنها (30) عدداً، وهي الفصلية الوحيدة المتخصصة في الشعر في العالم العربي. كما عمل رئيساً لتحرير مجلة (أقواس) التي تعنى بالأصوات الشابة. ورئيساً لتحرير مجلة الأسرى .
يشغل حالياً منصب الأمين العام للاتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين. فضلا عن كونه رئيساً لبيت الشعر الفلسطيني. ورئيس منتدى الشباب الثقافي الفلسطيني صدر له (شعرا) رغبوت ـ إشارات النرجس ـ صداح الوعر ـ السراج عالياً،. وتحت الطبع : غزالة مرقى الخاسر ـ مزاج الكافور .
في الإعداد والجمع والتحقيق :السادن، الناقة، وقصص عن زمن وثني (مخطوطة) للراحل حسين البرغوثي خارج سياق النهر، الأصوات الجديدة في فلسطين ـ شعراء فلسطين في نصف قرن (1950-2000) ـ (إيقاعات برية – مختارات شعرية ) ـ ريشة الذهب وفي النقد: أنا من رأى، أوراق ومقالات في الثقافة الفلسطينية.

* بداية .. هل يمكن إعطاءنا لمحة عن البدايات والمؤثرات التي لعبت دوراً في توجهك إلى الشعر.. ومن هم الشعراء الذين كانوا مصدر إلهامك ؟
** أنا ابن الجبال ومن مشاة طرقها الموحشة، يأخذني البرُّ إلى فضاء الجماليات الرعوية .. فأسند الروح بما يمنحه الوعر الطافح بالخير وفيض البركة .. فلاح بامتياز أتقن الحرث والزرع وأنهل من ذاكرة قريتي “دير السودان” التي أنحاز إليها وأرفعها إلى مقام مقدّس، ففي حواريها تعرّفت إلى البساطة والمحبّة والفرح وانتبهت إلى طاقة الخير العام التي تفيض من بيادر العطاء وغلاّت القمح السماوي والحصيد ومواسمه الباذخة . أغني بالمواويل ودبكات الأعراس وغناء الشجر والطير وأفيد من تراويد أمي في الليالي المقمرة بصوتها الشجي العارم . وإرث أبي من الشعر الشعبي والأزجال وقصص جدي في ليالي الشتاء الباردة . كل ذلك صاغني باقتدار ومنحني حبّاً للحياة والناس والتصاقاً بالتراب الحرّ .
حفظت الكثير من الشعر الجاهلي وتحديداً المعلقات وشعر الصعاليك، أعجبني كبرياء المتنبي وطموحه العميم وروحه الجامحة، وفروسية أبي فراس الحمداني ووجع “الروميات”، ونهلت من أبي تمام الكثير وحكمة المعرّي . وغصت في التراث الشعري العربي بكامل تفاصيله . سحرني الشاعر الراحل محمد عفيفي مطر وشعرت أنه كتب سيرتي عندما قرأته أول مرة، وإيقاعات الشاعر حسن طلب، واقتحمتني شعرية النواب ودرويش إلى أن تعرفت إلى الشاعر والمفكر حسين البرغوثي الذي أثّر فيّ كثيراً وعن طريقه تخلّصت من الأرواح التي سكنت بئري الروحي وآخرها حسين نفسه.
* في تصنيفهم لك. يرى بعض النقاد انك تمثل جيل شعراء التسعينيات في فلسطين، وهو الجيل الذي تتلمذ خلال مرحلتين متناقضتين: انتفاضة 1987 وما مثلته من مرحلة مد في النضال الوطني الفلسطيني، ومرحلة اتفاقيات اوسلو وما افرزته من حالة وهن فلسطينية بل قل مرحلة الجزر العربي عموما والفلسطيني خصوصا. ما رأيك وكيف ترى انعكاس كلتا المرحلتين على شعرك ؟
** نعم أنا من جيل التسعينيات وديواني (رغبوت) الذي صدر العام (1999) ربما كان فاتحة لبواكير جيلي الشعرية . عايشنا الانتفاضة الكبرى (1987) فأخذنا منها سياق المقاومة والعناد المقدس . أما أوسلو الذي هبط بمظلّته الثقيلة فقد أورث الروح عباءة الحزن والإرباك، هنا أصبح انشقاقا في الوعي وبدأت التجربة تأخذ مساراً رؤيويا ًنقدياً وخروجياً . بمعنى أن الانتفاضة الكبرى منحتنا القدرة على التماسك لتفكيك الواقع ونقده .
* أين “ابناء جيلك الان .. أصحاب “ضيوف النار الدائمون”.. وكيف تقيم تلك التجربة ؟
** أنحاز لصديق الشعر الدكتور عبد الرحيم الشيخ، ولشعرية طارق الكرمي كان هذا رأيي الذي أطلقته في جامعة بيرزيت في منتصف التسعينيات وما زلت أصرّ عليه، بعض زملائي بدأوا شعراء وانتهوا روائيين وبعضهم توقف عن الكتابة .وآخرون في الظلّ .
خرج الجيل من عباءة الشاعر والمفكر حسين البرغوثي، حاول الشاعر غسان زقطان أن يخطف الجيل ومازال عبر تقديمه لـ “ضيوف النار الدائمون” وكان ذلك بمكر ثقافي شديد ترك لدى الراحل حسين البرغوثي غصّة لأن الأخير كان قادراً على التقاط اللحظة ومدركاً لها .أنا شخصياً انتبهت لذلك لاحقاً وهاأنذا أردّ الفضل لأهله .فحسين هو الذي حاور الجيل ومنحه الوقت والجهد وتابع تجاربنا في جامعة بيرزيت. وفي بيت الشعر كان حسين رحمه الله هو الذي يتابع اللقاءات مع الجيل الشاب ويوجهه من خلال “نادي الشعر” الذي كان البرغوثي يحاضر فيه على الدوام .
* يرى الشاعر خالد ابو خالد ان مراد السوداني يتميز بجرأة عالية ولديه تقنياته الشعرية الخاصة بحيث ان شعره لايشبه شعرا اخر .. ما قولك؟
** طيلة الوقت وأنا أحاول الخروج على ما أكتب، في سياق التمرّد على الذات . أكتب خطاي وتجربتي بصدق . مازالت القرية تعطيني دفقاً شعرياً ولهذا مازلت أسكن القرية رغم إغواء مدينة رام الله وبهرجها الخلبي .
لي لغتي، لغة أمي وأهلي التي أفتخر بها وأنهل من لسان العرب الكثير لاشتقاق لغة تخصّني وتعبّر عني، هذا ما أجرّبه دائماً.
* هذا يجرنا الى سؤال حول رأيك في تقسيم النقاد الشعر إلى مراحل معينة، شعر السبعينات أو الثمانينات او التسعينات ، وكذلك من ناحية المضمون شعر المقاومة ، شعر الغزل ، وغيره.. كيف تنظر إلى هذه المسألة من وجهة نظر الإبداع وليس التاريخ الشعري؟
** التقسيم هنا للتوضيح والتأريخ، الشعر مراحل وأجيال، أنساق وسلالات . الإبداع الحقيقي هو الذي يبقى قديماً أو حديثاً . والتجربة الشعرية لم تعد مثلما كانت في القديم تخضع للتقسيمات والأغراض الشعرية . التجربة محرق لروح الشاعر واشتعالاته.
* استوقفتني مطولا أسماء كتبك . رغبوت” ، و”إشارات النرجس”. “غزالة مرقى الخاسر”، و”مزاج الكافور”. قبل توقفي عند القصائد والكلمات ومعانيها. كيف تختار الأسماء . وماذا تعني لك ؟
** اختيار عنوان الديوان مسألة شاقة بالنسبة لي، كلّ مرّة أجهد في الاختيار، أحرص على تقديم المختلف والاستثنائي، هذا هاجسي . وكل اسم لديوان يلخص سياقاً ومرحلة وطريقاً عبرتها، وكثيراً ما يتأخر الديوان بسبب العنوان لأنني أرى في العنوان عتبة عالية لعبور النصّ.
* في ذات الإطار دعني أتوقف عند اللغة التي رغم جمالياتها وعنايتك بها، شعرت وكأنك تتقصد “ارهاق” القارئ في بحث عن معاني الكلمات الصعبة . وبالتالي من هو القارئ الذي تضعه في ذهنك والذي ترى انه يرتقي إلى مستوى قصيدتك ؟
** دائماً يدهمني هذا السؤال . ببساطه هذه لغتي التي نحتّها طيلة السنوات السابقة من حياتي، ومازلت أسعى لتطويرها، أحاول أن أكون صائد مفردات تخصّني . لا أتكلّف على الإطلاق، أغرق في الأوراق القديمة وأتزوّد بما يعبّر عن هواجسي ووجعي . لغتي المحكيّة تشابه لغتي المكتوبة . لا انفصال على الإطلاق . فهذه حمولتي المعرفية، وإرثي الأعزّ. المشكلة لدى القارئ يا سيدي. وليس مطلوباً من الشاعر أن يتنازل عن حريته الإبداعية لصالح قارئ ما، أكتب ما يعبّر عني وعن تجربتي، وليتدبر القارئ أمره، فالأنا لغة ولكلٍ لغته، وهذه لغتي التي اجتهدت لأكونها وتكونني.
* في ديوانك ” السراج عاليا ” ورغم فسحة الامل التي اشرت اليها ” السِّراج عندي إشارة للفرح والصعود إلى مرقى عليٍّ حالمٍ. السِّراج انتصار. يليق بنا ونليق به. لتحمُّل شَظَف اللحظة وعصفها الكيَّاد..” الا ان الالم والقلق والتوجس كان حاضرا في كل التفاصيل . ؟
** ربما لأنني كائن خسرواني، الفقد والخسران يجتاحان تجربتي، وهذا ربما جزء من الخسران الجماعي. نحن فقدنا أرضاً وأحراراً وأحبّة. هنا يتداخل الخاص والعام . “أربح خساراتي” بتعبير سليم دولة “نحن لا نزال في الأرض المحتلة وكفى بذلك خسارة يا صديقي، وبين الخسارة في العام والخاص تطفح الروح الشاعرة بفيوضات الوجع والألم الناقع ويعلو هُباب الشعر برماده العميم”.
* لماذا ذهبت في ذات الديوان “السراج عاليا” لتقسيمه الى مدارج. مدارج الصبابة، مدارج السراج، مدارج جامحة، مدارج العتاب. ؟
** إنها حالات روح واشتعالات وجد . تتوزّع التجربة بين الصبابة ولفح العشق والخروج والحزن الكابي. كتابتي هي ما أعيشه وما أشعر به، لا تكلّف ولا ادعاء، الصدق أساس في التجربة الإبداعية.
* أيضا وصفت ديوان “غزالة مرقى الخاسر” بأنه “مستجمع للخسارات” . فهل انت متشائم الى حد الألم الذي يعصر قصائدك هنا وهناك ؟
** مازال “غزالة مرقى الخاسر” مخطوطاً، نعم هو خلاصة الوجع وسدرة الفقد، فقد استنزفني هذا الديوان منذ سنوات فهو جمّاع الخسارات فيه يتحقّق “تشاؤم العقل تفاؤل الإرادة”، أنا حزين ولست متشائماً . الحزن الفعّال الذي يوّلد المقاومة والفرح بالحياة والدفاع عن الجمال وأسبابه .
* يسجل لك إحاطة القارئ لقصائدك بـ”كرنفال الزهور البرية الفلسطينية” فهناك تأثير واضح لطبيعة فلسطين في شعرك . ولكن على حساب غياب المكان في صورك الشعرية. ما رأيك ؟
** سبق وقلت أنني سليل الوعر والبرّ . هو مكاني ومكانتي، الوعر يصير مكانية لأنه يسكنني ففيه خطاي وطرقي الموحشة ورائحة الشجر والأزهار بهبوها اللافح، على العكس المكان حاضر في قصائدي بكل تفاصيله فهو أنا وقد انتثرت شجراً وحجراً ورائحة وصداحا ًإنني كل ذلك.
* وماذا عن طغيان الهم الفكري والفلسفي في معظم قصائدك ؟
** هذا من تأثيرات معلمي الراحل حسين البرغوثي ـ رحمه الله ـ الذي قادني إلى الفلسفة، بين الشعر والفلسفة تتأرجح الروح والشاعر يكتب فلسطين ويتأمّل ذاته والوجود كذلك، باعتقادي هذا هو جوهر الكتابة .
* كيف تقيم تجربة الشعراء الشباب في غزة (جماعة التجريب) “الخارجين عن سياق النهر” على صعيد اللغة او الموضوع او الاسلوب ؟
** انحزت ومازلت لتجربة الشباب وأنا منهم، تحديداً في غزة، فتجربة الشباب في غزة متميزة ونشطة أكثر من الضفة. وأكثر عمقاً برأيي، بعضهم يغالي بتجربته وبعضهم يحتاج لفضيلة التواضع التي هي أساس كل إبداع حقيقي، ثمة لغة جديدة وتجريب مختلف يقترحه الجيل الجديد، إنها تجارب تستحق الدراسة والبحث وشخصياً قدّمت لـِ”خارج سياق النهر” و”بروق خضراء” في انتباه مبكّر لأنه من حقّ الأجيال الجديدة أن تجد الفضاء الوافر لتقديم عطاياها الإبداعية .
* بالتالي كيف ترى قصيدة النثر من خلالهم . وماذا بعدها. لاسيما وان بعض النقاد يرون ان الأشكال الحديثة للقصيدة أصبحت قديمة نسبيا وهي بحاجة إلى تجديد ؟
* أرى أن الجيل الجديد في معظمه يذهب للنثر لأنه لم يعجم عيدان الإيقاع . وهنا مقتل شعراء ما يسمى “قصيدة النثر” الذين لا يتقنون الإيقاع ويتخلون عما يزيد على ألف وخمسمائة عام من التجريب والإيقاع، برأيي هذا يفقد القصيدة العربية الكثير من جمالياتها. على الشعراء الشباب – وهذا أحاوله شخصياً – أن يعيدوا النظر في تجربتهم بما يجعلها تستند إلى إرث عميق وبعيد يعود إلى ما قبل الجاهلية.
* كيف ترى الفارق بين شعر الداخل الفلسطيني وشعر الشتات ؟
** شعر الشتات حنين يستند إلى ثابت العودة وهاجسها، رافضي ومقاوم بامتياز . شعر الأرض المحتلة يشتبك بالواقع والوقائع فمنه من وقع في اللحظة والانكسار وانزوى نحو الهامش والمعتم وآخر مازال يعلي سياق المواجهة. ثمة شعر زائف وشعر يجتاح بصدق وعمق . وهناك من يحاول إيقاع الجيل الجديد في فخّ التجريب نأياً عن شعر المقاومة.
* من خلال مسؤولياتك في بيت الشعر الفلسطيني . ما الذي استطاع هذا البيت تقديمه للشعراء وما هي أهم المعوقات أمام الشعراء في الأراضي المحتلة، سواء في الضفة او غزة او أراضي الـ 48 ؟
** بيت الشعر احتضن منذ تأسيسه جمهرة الشعراء في الداخل والخارج حيث قام بطباعة ثلاثة أضعاف وزارة الثقافة الفلسطينية. والتفت إلى الكثير من الأسماء التي لم تر إبداعاتها النور في فلسطين فربط بين الداخل والخارج وكرّم العديد من المبدعين في الشتات وعلى رأسهم الشاعر الكبير خالد أبو خالد ومحمد لافي، وقام بتكريم عدد من الشعراء العرب مثل ـمحمد بنيس، ومحمد عفيفي مطر، ومحمد علي شمس الدين وآخرين.
وأطلق مجلة (الشعراء) ومجلة (أقواس) للشعراء الشباب، وجمع التراث الشعري والتفت للشعر الشعبي وتوثيقه حفظاً للذاكرة . واقترح بيت الشعر “الأسابيع الثقافية” تقليداً لتكريم الراحلين، بالإضافة لاحتضان بيت الشعر للشعراء الشباب وطباعة بواكيرهم الشعرية، بالإضافة لحراكه وفعالياته في الوطن والشتات انحيازاً للشعراء وسياقهم الإبداعي.
وبعد إصدار الأعمال الشعرية للشاعر الكبير خالد أبو خالد تم التحريض على بيت الشعر من قبل بعض المثقفين الذين تبوأوا مناصب عليا في وزارة الثقافة لتوقف الموازنة الخاصة ببيت الشعر حتى اللحظة، يريد البعض للثقافة الفلسطينية أن تقتصر على غزة والضفة فقط وهو ما نرفضه .
الثقافة الفلسطينية موحِّدة وموحَّدة هذا شعارنا، فتوقفت مجلة (الشعراء) ومجلة (أقواس) والكثير من المشاريع الثقافية “فأهلي كلما وجدوا قلعة هدموها”!
* إذا انتقلنا الى محور اخر . كيف يمكن وصف المشهد الثقافي الفلسطيني اليوم سواء في الداخل الفلسطيني او في الشتات ؟
** الوضع الثقافي الفلسطيني في أسوأ مراحله، فكل ما يقال عن دعم الثقافة الفلسطينية هو محض افتراءات. لا يوجد دعم حقيقي، الثقافة الفلسطينية يريدها بعض الساسة تزيينية فقط. بعد ستين عاماً من الثورة لا يوجد مكتبة وطنية أو دار نشر وتوزيع وطنية، أو فرقة قومية فلسطينية، أو مجلة أدبية . تراجع واستهداف مقصود، هنالك نسيان قصدي لمبدعينا في فلسطين المحتلة العام 1948 والشتات .
* انتقدت اكثر من مرة وضع المثقف الفلسطيني وقلت انه بات معزولاً ومنسياً ومكسوراً ومحبطاً، بل وذهبت للقول إن ثقافة لا تحترم مثقفيها تحتاج إلى إعادة نظر في وعيها وفي سياقها المعرفي؟
** الحكومة الفلسطينية تدعم المثقفين الذين ينضوون تحت جناحها وتدعم مؤسسات بعينها وتغض الطرف عن مؤسسات أخرى. كل موقف ثقافي حقيقي يحارب بقصد وبغير قصد، يريدون المثقف على الأبواب يتسوّل حقّه وهو ما نرفضه، فالثقافة هي آخر قلاعنا والمثقف المهزوم والمنكسر لن يعطى سوى ثقافة انكسار وهزيمة، ونحن نستند إلى ثقافة راسخة لا يمكن أن تقبل التردي والسقوط، إنها ثقافة المواجهة والنزال للعدو واستطالاته وللمقولات الشوهاء الكسيرة .

* ـ بالتالي كيف تنظر الى علاقة المثقف بالسلطة السياسية .. وما المطلوب من المثقف الفلسطيني في هذه المرحلة بالذات ؟
** المثقف الجيد هو المقاتل الجيد بتعبير خالد أبو خالد، والمثقف حارس حلم وسادن الجماليات وثابت على الثابت لا يتلطى ولا ينافق، رأس حربة وهو مشتبك بالضرورة. نقدي بامتياز يصوّب بوصلة السياسي. السياسي ينحاز للممكن والمتاح، المثقف استراتيجيا لذلك هو الأبقى .. الحوارية بين المثقف والسياسي تناحرية في كثير من الأحايين وليست حوارية، السياسي يريد المثقف تابعاً ومتسولاً. والمثقف فيه كبرياء الأبالسة وهو اشتباك قديم جديد.
على صعيد منظمة التحرير مرجعية المنظمات الشعبية تعود لأمين سرّ اللجنة التنفيذية السيد ياسر عبد ربه، النتيجة الاقتصار على الحدّ الأدنى لتقوم المنظمات الشعبية بدورها، أشرف على دائرة الإعلام والثقافة في م.ت.ف منذ ما يزيد على عشرين عاماً النتيجة لا شيء، لا يوجد ذكر لدائرة الثقافة والإعلام. تم تسليمها للدكتورة حنان عشراوي فارغة ومفرغة حتى تقوم بتأسيس دائرة الثقافة والإعلام من جديد كذلك المجلس الأعلى للتربية والثقافة والعلوم ماذا قدّم للمثقفين في الداخل والخارج، الجواب برسم المجلس؟! مؤسسة محمود درويش تم اختطافها كذلك لصالح السياسي ويشرف عليها السيد ياسر عبد ربه .
السؤال كيف يتم وضع سياسي على رأس مؤسسة ثقافية كبيرة تحمل اسم الشاعر الكوني محمود درويش وأين المثقفين في الداخل والخارج من هذا الاستلاب، أو أكل القط ألسنتهم؟ أما بعض المثقفين في الأرض المحتلة فهم يدورون كالخذروف في فضاء هذا الاستلاب، بل يبررون له ويقبلونه بكل رضى.
هذا مثال على استلاب الثقافة من قبل السياسي، لا بدّ للمثقفين أن يستعيدوا دورهم التاريخي ويتحملوا مسؤوليتهم الواجبة وأن يرفعوا صوتهم لأخذ حقوقهم في الوطن والشتات، فالثقافة هي آخر ما تبقى، والعدو يستهدف الوعي والثقافة ويضعها على سياق العصف والتزوير .. لا بدّ من صحوة ضمير.
المثقف اليوم عليه واجب كبير أن يقرع الجرس عالياً ويدق على القلوب ويحرك الساكن، فثقافتنا ومبدعونا هم كتيبة المواجهة التي مازالت تدافع عن الحق والحقيقة على الرغم من الظلمة والظلم الذي يدهم البلاد والعباد .
الصمت يعني القبول والرضى، كيف يكون الصمت والثقافة في تغييب وغيبوبة والمثقف ينخلّه الاغتراب والغربة والجوع والحزن ؟!
* سؤال اخير .. من الملاحظة انه في فترة الأعوام الثلاثين الأخيرة ركزت أو تمركزت في الخارطة الإبداعية بعض الأسماء واحتلت حقل الإبداع وحقول الإعلام . ما المانع أو المعوق لافتتاح المشهد الجديد، المشهد الآخر ؟
** منذ ما يزيد على ثلاثين عاماً وأسماء بعينها تهيمن على الثقافة الفلسطينية في الداخل والخارج وتفصّل مواقفها في الحرب والسلم على مقاس المصلحة والنفعية. فأوصلت الحالة الثقافية إلى شرّ حال، وباتوا معروفين، بل محل تندّر في المشهد الثقافي الفلسطيني .
هؤلاء لا يريدون الاعتراف بعجلة التاريخ ولذلك يحملون معاول الهدم والتخريب وبعضهم يتقن دور المخبر والواشي لتمرير تخريبه وزيفه، ولكنهم يسقطون، لأن ذلك منافٍ لدور المثقف، وهم يدركون أن كل فعل جميل واستثنائي سيفضح تراجعهم ونكوصهم. لا موقف لهم، بل مواقفهم في الاتجاه المضاد، هناك جيل من الشباب يصعد باقتدار إلى سدرة البهاء والحضور ولا ينتظر من يمنحه الدور والمسؤولية، فهو يعرف طريقه ويعرف أن فلسطين كاملة غير منقوصة لن تحمل مقولتها سوى جمهرة الأرواح المقمرة والحرّة التي تحمل أمانة الشهداء والأسرى وبطولة الباقين على قيد الصبر والمواجهة، أرواح تطوّر نصّها الإبداعي بما يليق وإرثنا الثقافي ووجعنا الكظيم الجامح بما يجعل الشعرية الفلسطينية قادرة على المنافسة في الشعرية العربية والكونية وهذه مسؤولية المثقف الكفء .

إلى الأعلى