الإثنين 29 مايو 2017 م - ٢ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / تجليات ..

تجليات ..

كيف يصبح السرد شعرا فاتنا؟
رحلة المخيني من الوطن إلى الحبيبة ..!
’’ حينما يحضر الشعر تهدأ الأنفاس، وتخضرّ الأشجار، وتعود الأمواج لعمق البحر. هذا السكون التأملي ربما يشتعل بشرارة قصيدة غاضبة فتعود الأنفاس للهاث، وتتحرك الأشجار بفزع ويكشف البحر عن أمواجه الغاضبة. الشعر هو السكون الروحي وهو كذلك الجنون الماسوشي ، إنه رحلة نحو الحقيقة التي لا تكشف عن قناعها أبدا غير أنها تُظهر بعض ملامحها في صورة شعرية حالمة أو جملة شعرية خاطفة. وفي قصيدة رحلة الفائزة بالمركز الأول بمسابقة الملتقى الأدبي العشرين للشاعر حمود المخيني سيجد المتلقي من الشعر روحه ومن الموهبة أصالتها ومن الجمال سرّه الخفي ،،

رحله أو ( رح .. له)!!

في هذه القراءة سنتعرّض لأبيات القصيدة علّنا نجيب عن السؤال الفني المهم، كيف كتب الشاعر قصيدته؟ ما الذي يجعلها مترابطة ومتصاعدة ومفاجأة، كيف وظّف الشاعر إمكاناته القصصية السردية في كتابة نص شعري مكثّف الدلالات، عميق المعاني، نص يفجّر عيون السرد الدافئة بماء عذب فرات.

على كرسي المطار المزدحم ب الشوق والغيّاب
……………. جلس، يُطعم عقارب ساعته من موعد الرحله

منذ الوهلة الأولى يحدد لنا الشاعر المكان، بل إن عدسة مراقبتنا التي تتسع على صالة المطار المزدحم بحركة المغادرين والقادمين ما تلبث أن تركّز اتجاهها على دائرة ضوء محددة وهي مكان خروج هذا الصوت الشعري ( الكرسي) على هذا الكرسي أخذ الشاعر يقرأ ذاكرته من جديد فالقصيدة هي قراءة لما قبل الرحلة، ولعل سطوة الأفعال الماضية في كامل القصيدة هي من صعّدت من صوت الراوي وتزاحم الأحداث وتصفيتها في سلسلة مترابطة تتحرك نحو غاية واحدة. في البيت سيستشفُ المتلقي أنه يلج إلى أرض قصيدة بكر، فموهبة الشاعر تتحكم في خيوط القصيدة منذ البيت الأول، وتتجلى هذه الموهبة بوضوح في الشطر الثاني:( جلس، يُطعم عقارب ساعته من موعد الرحلة) إننا إزاء معرفة جديدة يقدمها لنا الشعر، فعقارب الساعة تصبح عقاربا حقيقية تأكل من الزمن؛ وقت الانتظار والترقّب. ما يلفت النظر هو أن من يتحكم بالأحداث هو المسافر؛ فهو من يطعم العقارب السامّة، هي مفارقة يقدمها الشعر وعلينا أن نتخيّل آثارها، كما أن هذا التحكم والسيطرة سيضعفان أمام الوطن وهذا ما سنتبيّنه لاحقا..

أخذ عنده حبيبه واحده واستخلف الأحباب
…………. سرقها من سجون أجدادها الماضين، في غفله

في هذا البيت تبدأ المفاجأة الأولى وهي مفاجأة ساهمت في نمو القصيدة وتصاعدها بل إن فكرة القصيدة ارتكزت عليها حيث نتعرّف على (الحبيبه) التي سرقها الشاعر من سجون العادات والتقاليد التي تسود المجتمع وقد رمز لذلك بـ( سجون أجدادها ). من هي هذه الحبيبة؟ أهي القصيدة؟ أم أنها المرأة؟ أم أنها شيء خر؟ هل سيعرّفنا الشاعر بها في الأبيات القادمة ويترك لنا شيئا من ملامحها؟ كل هذه الأسئلة هي من تخلق القلق لدى المتلقي وتثير ذهنه بالأسئلة المتضادة وهو المصدوم- أي المتلقي- بفعل السرقة الذي يُشي دون شك إلى قيمة الحبيبة وأهميتها لدى المسافر وكذلك قيمتها لدى أجدادها الذين حافظوا على بقائها خارج المكان والزمان حتى أتت لحظة غفلتهم النادرة ليسرقها المتربّص المنتظر ويأخذها معه.. فهي ليست حبيبة الشعراء النمطية..

أخذها دون ما يشعر لأقرب درب وأقرب باب
…………. قبض كفّه عن الدنيا، وأطلق للمدى رجله

بعد كل سرقة يحدث هروب، هروب سريع ومباغت وربما مجازف للبحث عن أقرب الطرق للنجاة، فكيف إن كنّا قد حصلنا على غايتنا، بدون شعور هكذا يفعل المسافر، أن الحواس هي التي تأخذه نحو الأمان، هو لم يعد يشعر سوى بروح الحبيبة. في وسط هذه المشاعر المحتدمة ينقل لنا الشاعر قصته بأسلوب شعري مبهر حري بنا أن نتوقف معه علّنا نستوعب جماله الفني، فمثلا الشطر الذي يقول (قبض كفّه عن الدنيا وأطلق للمدى رجله) يعتمد تركيب الجملة السابقة على المطابقة أي التضاد بين الأفكار، فمثلا قبض كفّه عن الدنيا ترمز للزهد والقناعة بينما ( وأطلق للمدى رجله) تحيل إلى الانعتاق والحرية والسفر البعيد، نلاحظ التضاد بين قبض وأطلق، كذلك كفّه ومقابلها رجله، والدنيا تتضاد مع المدى.. يقول الناقد الشهير عبدالقاهر الجرجاني (الأشياء تزداد وضوحا بالتضاد)، وهذا تماماً ما يشعر به المتلقي أثناء القراءة، إن تأثير التضاد غير المتكلف على النفس يكون كبيرا..

في البيت القادم سيتصاعد النص بمفاجأة أخرى وهي الوطن، الذي سيشكل ثنائية جميلة مع الحبيبة.. فالوطن سيكون هو الحبيبة وأحيانا هو كيان آخر يقترب من الحبيبة ويتقاطع معها.

وطن الشاعر ليس له حدود!!

وكانت له وطن من نور، كانت مأمن المرتاب
…………. بعد نفي الوطن وأهله غدت هي الوطن وأهله

لاشك أن الوطن الذي يقصده المسافر هو وطن الشاعر، وطن آخر يتشكّل مع الحلم ويتماهى مع رؤية الشاعر للأشياء، وإن كان هذا الوطن قد اتحدّ مع الحبيبة في هذه اللحظة غير أنه قوة محرِّكة مختلفة. فالحبيبة التي أصبحت الوطن سنكتشف لاحقا أنها أصبحت روح المسافر وبذلك فإنها حينما أصبحت الوطن فإنها انفصلت عن الوطن كذلك برغم ما تحمله من دلالات نفسية للمسافر:

أخذها الدين والدنيا، لقى في صدرها المحراب
……………… وإذا صلى صلاة الحب يمّم صوبها القبله
لقى فيها الأمل كل الأمل من ثغرها ينساب
…………….. مثل ما الغيم يجتاح الجفاف وينسكب وبله

يسرد لنا الشاعر تجليات الحبيبة، ولعل حضور الأفعال في كامل القصيدة أعطى لهذا السرد الشعري الحيوية والنضارة اللغوية، فاللغة لا تخلو من الرمزية المشحونة بإيحاءات غير مباشرة للحبيبة وكذلك للوطن، ولعل هذا السرد يفسّر لنا أهمية الحبيبة ويقدم لنا تبريرا للسرقة التي تحوّلت إلى حالة كتابة متوهجة تمخضّت عن بيتين كانا ذروة القصيدة .

ذروة القصيدة وقمة توهجها

سقى به جذع أحلامه قبل لا يقطعه حطّاب
……….. قضى عمره يداري ( صرمته) حتى غدت نخله
غرس كفّه ب أصابعها مثل غرسة جذور الغاب
…………….زرع قطعة ذهب بين الأصابع وانبتت دُبْلَه

هذا الترابط المتين بين أجزاء القصيدة يدل على وضوح الفكرة في ذهن الشاعر، وبرغم وضوح الفكرة غير أن لغة القصيدة لم تكن مباشرة أبدا، فالرمز هو القناع الذي يخفي ملامح الصورة الحقيقية، ولعل الإسقاطات اللفظية المعادلة للألفاظ المباشرة قد أضافت للقصيدة عمقاً فكريا ساحراً، فالشاعر يوظّف الرموز لإنتاج دلالات تتوالد من رحم اللغة الخصب، فمثلا جذع الأحلام والحطّاب و(الصرمة) التي تصبح نخلة كلها رموز تهيم في فضاء الفكرة الأصلية؛ السفر وثنائية الحبيبة والوطن، فجذع الأحلام الذي يدل على القوة والصلابة سيتكسّر ذات يوم بفأس الحطاب في إشارة للواقع بما ينضوي عليه من شدة وقسوة وجبروت. في المقابل فأن المسافر قد نجح في غايته الأساس وهي رعاية طفلته حتى تصبح امرأة ناضجة أو رمزيا موهبته حتى تصبح تجربة شعرية متحققة، فالنخلة هي الحبيبة لا غير. إن اللغة الاستعارية في البيتين السابقين أصبحت أكثر تكثيفا، فنحن نقرأ مثلا ( جذع أحلامه، غرس كفها بأصابعها، زرع قطعة ذهب ، …….)، وإن كنا نستطيع بالحس الشعري والذائقة العالية أن نتوقع الأفكار التي احتوتها الأشطر الثلاثة الأولى غير أننا سنتفاجأ بالصورة الشعرية الأصيلة في الشطر الرابع ( زرع قطعة ذهب بين الأصابع وانبتت دُبْلَه )، في هذه الجملة يشع نور الشعر من كل الاتجاهات، فالشعر هو فقط من يجعلنا نستعذب هذه الصورة الخيالية ومن ثم نصدقها ونقوم بتخيلها بمتعة. سنلاحظ في البيتين السابقين وجود أداة التشبيه (مثل) حينما شبّه الشاعر صورة كفّه في أصابع الحبيبه مثل صورة جذور الغابة، إن وجه الشبه بين الحالتين هو الغرس، تشبث الجذور بالأرض، الترابط والحياة التي يستمدها كفّه من الأصابع وجذور الغابة من الأرض، غير أن الصورة يجب ألا تقرأ بهذه البساطة، فالتشبيه يُظهر لنا الاحتياج كذلك، حاجة المسافر للحبيبة التي قضى عمره من أجلها، حتى أصبح متصلا بها بفعل القوة والضرورة. فالأصابع ترمز إلى التواصل الجسدي، كما كانت صلاة الحب ترمز إلى التواصل الروحي..

عودة العدسة لنقطة الضوء والصوت

على الكرسي، جلس يغزل ل عورات الغياب ثياب
…………. ب خيط الوصل وإبره من حنين وْستره وْبدله
على الكرسي قرأ في كل وجوه الراحلين كتاب
…… ……… تأمل في الحبيبه وابتسم واتبسّمت خجله

بعد أن وصلت القصيدة إلى ذروتها الانفعالية والفنية، وبعد أن كنّا قد نسينا حتى المكان الذي تعرفنا عليه في أول القصيدة، أعادنا الراوي بذكاء إلى الكرسي الذي يجلس عليه المسافر، لقد انتهت ثورة الانفعال والهياج، وبدأت دفقة شعورية أخرى تموجُ في داخله. نعود مع الراوي إلى الكرسي الذي جلس عليه المسافر، كما نستشعر وجود الحبيبه بجانب المسافر، نتخيّل لحظات التأمل العميقة من المسافر والابتسامة الخجلة من الحبيبة. المسافر الذي لم ينسَ أن يخلق مبررات رحيله، فها نحن نشاهده يغزل الأعذار والمبررات. لاشك بأن الراوي ينقل لنا أدق تفاصيل هذه الرحلة، حتى حانت لحظة الحقيقة، اللحظة الفاصلة بين الموت والحياة، بين السفر والرحيل، بين الحبيبة والوطن، في هذه اللحظة فقط يجتمع الثلاثة كمواضيع وذوات مختلفة:

ونادوا: حان موعد رحلة المجهول للركّاب
………….وقف، يتّأمّل عيون الوطن وأهدى لها قبله

ما هذه المفارقة الجميلة التي يصدمنا بها المسافر، كيف له أن يتأمل عيون الوطن، ويهدي لحبيبته القبلة؟ ما العلاقة بين التأمل والقبلة؟ لماذا لم يتحدث لأيهما؟ هو صمت الرحيل والوداع الأخير، ولكنه بماذا سيودّع هذا الوطن وكيف سيودعه، هل بالصمت فقط، لنقرأ:

ولوّح للسما الباكية واستحضر الأصحاب
…………….تبسّم، ودّع أصحابه، ترك تحت السما شتْله

صورة حركية رائعة يشكلها الشاعر لنا، فتلويحته للسماء هي تلويحة لكل ما يقع تحت هذه السماء، هي تلويحة للحرية والشعر والجمال، تلويحة للناس والعصافير والأشجار، تلويحة للمطر والوادي والبحر، هي تلويحة لحضن الأم وصوت الأب. وحتى حضور الأصحاب لم يكن إلا استحضارا روحيا فقط، استحضار الذاكرة بتفاصيلها الجليلة، لم يحضر أحد سوى الوطن والحبيبة، فكان توديعا يعصف بالذهن وتضيق به الروح. وبرغم هذا الألم غير أن الأمل بالغد كان هو العزاء لهذه الروح المنهكة، ففي القلب نبضة حلم، حلم بالعودة ذات فجر. لم تنقطع المفاجأة في هذا النص الجميل، فالمسافر يترك للسماء الباكية شتلة صغيرة، هي الأمل والحلم معا..

رحلة تنتهي برحلة !!

وهو في داخله كل اللغة تحكي بصوت عتاب
……….. ولكن ما قدر ينطق على سمع الوطن جمله
وطاردا لآخر الدنيا وهم ب اثنينهم أغراب
…………… وعاشوا وين ما حطّ القدر طيّارة الرحله

بهذا المقطع تنتهي الرحلة وتبتدئ رحلة أخرى، رحلة المجهول والشتات والبحث عن الذات، رحلة البحث عن قصيدة أكثر تحديا وصعوبة وألما، رحلة نحو الحلم والأمل، هي رحلة في الخيال غير أن ظلالها تسود الواقع. فالشاعر ما هو إلا إنسان حالم، يحلم بالربيع وهو في الخريف، ويحلم بثلج الشتاء وهو في حر الصيف، والقصيدة ما هي إلا رحلة بين اللفظ والمعنى. هكذا علينا أن نقرأ الشعر النابت في الغيوم، وهكذا علينا أن نحاول كتابة القصيدة.

حمد الخروصي
twitter: @hamed_alkharusi

إلى الأعلى