الثلاثاء 24 يناير 2017 م - ٢٥ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / أفريقيا .. كانزو يا أووماني

أفريقيا .. كانزو يا أووماني

لم تكن رحلتي التي قضيتها في ربوع القارة الأفريقية كغيرها من مراحل حياتي ، فقد كانت سلسلة متصله حلقاتها وشائقة بما فيها من مفاجآت مدهشة وبعض المشاهد الأنيقه وحوادث ومواقف ومستطرفات وهي أقرب إلى الحقيقه بعد ما تركزت في المناطق المأهوله من أبناء وطني وبالتحديد في جزيرة زنجبار والجزيرة الخضراء .
في هذه الرحلة سوف أتطرق في سياحتي إلى ما لفت انتباهي في هذه المناطق حول ارتدائهم أزياءنا الوطنيه وإن دل على شيء فإنما يدل على عروبة هؤلاء الناس وعمانيتهم بإشراقتهم الجميله والعظيمه . كما أنني سأفرد لاحقا عددا من الحلقات عن رحلتي إلى الديار الإفريقيه والتي فرغت جل وقتي وسعتي نحو تدوينها ومتى ما انتهيت منها سأقوم بنشرها للملأ بجزئياتها وتفاصيلها بما فيها من استهجان ونزاهة ولزاما علي أن أكون جرئيا في بعض الوصوف ، وهي الرحله التي شملت عددا من الدول بعد ما تخللتها مجموعه من الفوائد والتي سجلتها كزيارة مآثر الأجداد والمساجد وتقوية أواصر المحبة مع إخواننا وأعياننا هناك ممن تبقى منهم أضف إلى أنني قد تشرفت بلقاء ومعرفة كثير من الأسماء العمانيه بقبائلها ، ولم أكن أعلم أن الزمان لم يزعزع ويغير من حالهم شيئا .

دار السلام إلى جزيرة زنجبار

عند وصولي إلى ميناء ( ماليندي ) في زنجبار كان ذلك عصرا بعد رسو قارب الإكسبريس قادما من ( دار السلام ) حيث اشتدت المزاحمة عند النزول فيما رأيت بين ثنايا وجوه الركاب البشر والسرور بحسن الوصول ، في الميناء جلست أنتظر بعض الإخوان وهم سواحليي المولد وعمانيي الأبوين ولباسهم كلباسنا وهم يسألون عني ولم أعلم إن أحدا علم بمقدمي في ذلك التوقيت سوى عندما وردني اتصال بأن أحدا قد رآني وأنا أنزل من الإكسبريس في الميناء ، وهم من حسبوا أني سوف آتي بالطائرة حيث رسموا لديهم خطة نحو استقبالي في المطار .
في هذه البلاد يمكن للزائر أن يرى كثيرا من القواسم المشتركة بدءا من سواحل كينيا وجزيرة زنجبار والجزيرة الخضراء وانتهاء بجزر القمر وبروندي وأوغندا التي يجمعها الإحساس والوئام بعد ما بحر الأجداد باتجاه هذه الجزر مخلدين تاريخ وحضارة لم تفك رموزها بعد وهي التي ارتبطت بالإسلام والعروبة حيث إن العماني والزنجباري لم يتنكر من أصول أبائه وأجداده الذين قدموا إلى هذه الجزيرة في ذلك الوقت عن طريق المراكب في ذلك الزمان .
إن تلك القواسم التي نجتمع فيها سويا هي الدشداشة والكمة والبشت والجوخة السلطانية (العمامة السلطانية) والمصر والشال والسيف وهي التي أصبحت من السمات العمانية التي يرتديها أهل زنجبار في مناسباتهم كالأعياد والأعراس وهي من أصول عمانية ، وكم من مرة دعيت إلى هذه المناسبات حيث رأيتهم يتفننون في لبسها بين أوساط المجتمع .
لكن اللافت في الأمر انتشار ارتداء زينا الرسمي حيث رأيتهم يرتدون (الدشداشه العمانية) بلمساتها الجميله وهم يطلقون عليها بلهجتهم السواحليه ( كانزوا ) مثال على ذلك كانزوا يا أوماني بمعنى الدشداشه العمانيه ومنهم من يطلق عليها كانزو يا وارابوني بمعنى الدشداشه العربيه ، هذه الدشداشه والتي تتصف ببساطتها وتكيفها هي عباره عن ثوب طويل وتكون مستديره عند العنق بعد ما يحيط بها شريط رفيع يتدلى على الصدر (الفريخه أو الفراخه) حيث منهم من يحبذ أن يتركها مشدوده ومنهم من يتركها مفتوحه عند العنق حتي يدخل النسيم الكافي إلى جسده ، هذه الدشداشه قد لاقت رواجا كبيرا بين الأفارقه بعد ما رأوا اخوانهم من العمانيين المقيمين في هذه الجزيره يرتدونها ، كل ذلك قد زادني فخرا حول تاريخنا الموغل في القدم.
إن أزياءنا العمانيه باتت لها مكانه خاصة ومميزه في هذه المجتمعات وهي التي تتصف ببساطتها وأناقتها وخصوصيتها التاريخيه ، وذلك من خلال موقعنا الجغرافي والتواصل الحضاري والتي آثرت وتأثرت باقي الشعوب التي كان يرتحل إليها العمانيون حيث نتاج ذلك التواصل عبر هذه السنين هذه الأزياء بما فيها الدشداشه العمانيه .
أما طيلة مدة تواجدي بينهم كان يستوقفني بعضهم بعد رؤيتهم لي مرتديا الدشداشة والمصر ، وأذكر ذات مره عندما تلقيت دعوه لحضور إحدى المناسبات ، لم يسعني إلا إجابة هذه الدعوه وليس للكريم أن يرد الكرامه فقد تحولت إلى فرجة بين الناس والذين اجتمعوا عليّ من رجال ونساء وهم يتفرجون على ملبسي الأنيق وقد بدا عليهم الابتهاج بعد ما علموا أني قادم من ( عمان ) حيث يطلقون عليه ( موارابو ) بمعنى عربي من عمان أو أعرابي حيث يبدأ الاهتمام بي .
كل هذه الأزياء من الدشداشه والكمه وغيرها ما هي سوى موروثات عمانية الأصل بعد ما نقلها الرعيل الأول من الأجداد إلى هذه الجزيرة بعد اعتزازهم بتراثهم وهويتهم العمانية التي ورثوها عن أبائهم وأجدادهم في الشرق الأفريقي ، كما إنه عندما علم أحد التجار بسياحتي في الجزيرة دعاني إلى مكتبه مرتديا الدشداشه والكمه حيث سرد لي قصته في عالم التجارة وهو من أبوين عمانيين الأصل لكنهم لم يستطيعا الخروج أثناء أحداث 1964 م ، لذلك آثروا البقاء بعد ما تقطعت بهم السبل حيث حكى لي عن تجارته منذ بدايته إلى الآن ، أضاف لى أنه كثير التردد عندنا وله كثير من الأخوة والأعمام ، ويقوم بزيارتهم بين الفينة والأخرى .
كما ذكر لي محاسنه بعد ما سخر أمواله وشروعه في بنائه أكثر من ( 12 ) مسجدا على نفقته الشخصيه وعدة مدارس وتكفله برواتب معلمي مدارس القرآن حيث منهم من أنهى تعليمه في الأزهر الشريف ، عندها أخذني إلى إحداها بعد ما استوقفتني المدارس الدينية لتعليم القرآن حيث دخلت إحداها فإذا بي أمام مدرسة بها ثلة من الصبيان جلوسا على الأرض مرتدين ( الزي العماني ) الدشداشة والكمه وهو زي غالبية مدارس القرآن الكريم ، وذلك حتى يتأقلموا مع هذا الملبس منذ الصغر ، أما في علمهم فهم مجتهدون نحو تعلم اللغة العربية وهم يتلون ويرددون آيات القرآن الكريم ترتيلا وتجويدا والتزاما خلف معلميهم حيث إن لديهم مشروعا نحو تخريج حفظة القرآن ، وذلك كي يحافظوا على لغة اللسان العربي وهي لغة القرآن الكريم ، وكم من هؤلاء الأطفال عندما يقرأون القرآن الكريم تقف تحية لهم حيث لا يسع للزائر سوى أن يرفع القبعة إجلالا وتقديرا لقراءتهم ، إعجابا بتلك التلاوات العطرة التي يتلونها.
هذا المشهد يكاد لا يمر على من يستمع إليهم سوى أن تذرف العيون بالدموع ، كما أنهم ذكروا لي أن الإمكانيات الشحيحه لا تساعدهم نحو بناء مدرسه لولا الهبات التي يحصلون عليها من هنا وهناك ، إنها مدارس بسيطة ، لكنها استمدت من الروح العمانية القديمه الخالصة في التعليم ، هذه المدرسة وغيرها يتحمل نفقاتها مع معلميها أهل الخير ومن ضمنهم هذا التاجر .
هذا التجوال والمرور بين عامة الناس والأزقة كان ضروريا والذي أتاح لي رؤية كثير من المساجد وسط زخم المباني التي بين الأزقة ، ومن زقاق إلى زقاق وسط الحارات الضيقة إلى أن وصلت إلى تلك المساجد والذي يرتفع منها صوت الأذان للصلوات الخمس ، فالدين الإسلامي لا يزال حيا يجري في دماء الأفارقه ، هذه المساجد انتشرت في كل أرجاء المدينه حيث دخلت أحدها بعد ما توضأت بعد ما لحقت بالجماعة عند الركعة الأولى بعد الصلاه ، كنا بضعة أنفار من المصلين قبل أن يزداد العدد ، وذلك ( بدشاديشهم العمانية ) وقبل أن أخرج حياني شيخ المسجد عند الباب قال إنه عماني المولد ، لكنه سواحلي الإقامة وهو ( منذري ) القبيلة وهم إباضيون ومحافظون على لباسهم ولغتهم العربية منهم من يتحدثها بطلاقة ومنهم بصورة أقل ، كما إنه يمكن ملاحظة ذلك التجانس واضحا في الأزياء من خلال الملابس حيث ملابسهم هي عمانية الملبس ويمكن رؤية البعض يلبسون بداخلها السراويل الطويله بدلا من الإزار وشيئا ما يعتمر الرأس ( الكمه ) ومنهم من يلبسها مع الدشداشه ، فالدشداشة هي نفسها لم تحاك فيها أي خيوط أو تغيير معالمها وهي تنتشر بشكل واسع في هذه البلاد وما جاورها ، وكم من مسؤوليهم ومسؤولي الدول التي تجاورهم عند زيارتهم للسلطنة رأيتهم وقد ارتدوها ، هذا المشهد أثر وأبهج النفس بي ليس اندهاشا ولكن إعجابا في ذلك .
ما وددت قوله إني لم أستطيع أن أخفي ضعفي نحو كبح وكتم إعجابي للملأ نحو هذه البلاد ، وذلك بعد ما رأيتهم وقد حافظوا على هذا الزي من رياح التغيير التي هبت على جزيرتهم منذ فترة من الزمن حيث لم يغير فيهم الزمان شيئا .

مغادرة الجزيرة

أما عند مغادرتي لهم لم يغب عن ذاكرتي اليوم الذي رحلت فيه عن هذه البلاد الجميلة وأنظار ممن عرفتهم من الرفاق والمودعين تشيعني ومناديلهم تخفق نحوي حيث غصت شرفة المطار بهم وبعض الوجوه السمراء بعد ما علت رؤوسهم الكمة العمانية ، وهم الذين لم يقصروا معي في الإحسان والإكرام وهو من خصال العماني أينما ترك أثره ، كل ذلك كان في غاية الإكرام حيث شكرتهم مبديا لهم سروري ومكررا لهم مرة أخرى ثنائي وعظيم شكري حول ذلك الاستقبال اللائق من حفاوة ومعامله حسنه ومروءة وشهامة من قبل إخواني في الدم والعروبه والتي تفوق الوصف قائلا لهم :
إن الوشائج والصلات والتي تربطنا لا تبعدنا عن بعض فأنا وسط أهلي وأهلكم أهلي فالتاريخ يشهد أنتم العمانيون الصامدون هنا وسط هذا المحيط بجزره الغارقه في هذه البحار الشاسعة ونحن هناك في تلك البقعه اليابسة التي تحيط بنا الجبال ، فكلنا أحفاد وأبناء أولئك الأبطال العظام ممن سطروا التاريخ بأمجاده حتى وصلوا إلى هذه البقعة من أفريقيا حيث لم يتركوا لي فرصة لإكمال حديثي فقد سمعت منهم المديح عن بلادي وعن سلطاني وهو بمثابة عظيم الفخر بالنسبة لي .
عندها ما لبث إلا أن اختفى مشهد المدينة بمطارها وراء الأفق بعد ما أقلعت طائرتي فعفا عن أنظاري كل شيء وما سوى تلك إلا زرقة السماء وقد شابتها الغيوم المتقطعة وهي التي اختلطت بزرقة مياه البحر في المحيط والذي يعلوها بياض الأمواج وهي تتلاطم بعضها البعض .

خالد بن سعيد العنقودي
Kld_qudi@hotmail.com

إلى الأعلى