الثلاثاء 28 مارس 2017 م - ٢٩ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / الصحافة بين الحدود والحرية

الصحافة بين الحدود والحرية

دورها أصبح إصلاحيا وتنويريا وتثقيفيا
عرض ـ حسام محمود
تلعب الصحافة دورا تنويريا في ثقافات الشعوب ومستقبلها , ولعل الصحافة قد تخطت دورها في عالم اليوم إلى آفاق واسعة من الرؤى الناضجة لعصر العولمة والحرية في التعبير عن الآراء . لهذا استوعبت كافة المتغيرات السياسية والاقتصادية والثقافية المعاصرة . ورغم صراع الصحافة الدائم مع بعض القوى خاصة المظلمة منها إلا أن هذا الصراع ينطوى على رغبة في التحرر من الحدود والبحث عن فك القيود والتطلع للإصلاح وتقويم المعوج من الأمور .
صحافة الحرية
علي قدر ما تمتع به الصحف من حرية في نشر الآراء والأخبار على قدر ما يكون أثرها في المجتمع ، كما أن حرية الصحف هي المؤشر الأول لمدى تمتع أفراد المجتمع بالحرية , والتي تعد حرية الرأي عقل هذه الحريات كما أن الرقابة على الصحف تمثل قدرا ما تتعرض له من قيود . أما الحرية , وإن كنا نعيشها في عالم اليوم إلا أنه من الصعب أن نذكر تعريفا محددا لها ، فالحرية لها جوانب متعددة فهناك الحرية الاقتصادية والحرية الفكرية وحرية العقيدة وحرية الصحافة تمثل عقل الحرية من جسدها ولسان حالها . وتتوقف أهمية الصحافة وكفاءة دورها على ما تنعكس عليه من إشاعة جو من التفاعل المجتمعي , والحوار حول قضايا الرأي العام ، فمن الأقوال المأثورة أن عجائب الدنيا سبع أولها بناء الأهرام , ولكن يبدو أنها ثمانية ، ثامنها وأعجبها مشكلة الحرية . يتضح صعوبة مفهوم الحرية من أن جميع من حام حول حماها أوصلنا إلى مفهوم جديد لها ، وأوضح لنا قيمة من قيمها او صفة من صفاتها , وإذا كان هذا المعني هو ما اصطلح عليه فلسفيا إلا أنه ليس المعنى الوحيد ، فالمعاجم الفلسفية تحمل من المعاني ما لا حدود ولا حصر لها ، إلا أنها تدور حول عبارة انعدام القسر الخارجي . وكثير من الفلاسفة المعاصرين وفي مقدمتهم جاسبرز وجبريل مارسيل يميلون إلى القول باستحالة تعريف الحرية خاصة بالنسبة للصحافة , ووسائل الإعلام ، باعتبار أن حرية التعبير شيء لا نهاية له ، فالحرية شيء منيع صعب النيل منه أو وضع حدود وقيود وحواجز له . ويقول مارسيل إن الحرية خاصة حرية الصحافة هي روح الروح كأساس أن الحرية هي اسم لجميع ممتلكات الإنسان , وإشاع تحرر آماله المختلفة المادية والروحية على حد تعبير جون لويز , وهو ماركسي النزعة , كما سار مفكرو القانون خطوات في سبيل الوصول إلى تعريف جامع منيع للحرية ، إلا أن هذه الخطوات أوصلت إلى النتيجة السابقة التي تقرر صعوبة تعريفها أو الاستغاء عن مفاهيمها .
روح التعبير
يذكر مونتسكيو في كتابه روح القوانين أن الحرية هي الحق في كل ما تجيزه القوانين , وتسمح به , ومعنى ذلك أن حرية التعبير ليست شيئا محدد المفهوم والإطار والصياغة , وليست لها تعاريف على نسق العلوم التقليدية والتقنية . والحقيقة أننا لا نستطيع تحديد معني الحرية بدقة , وأن ما نستطيعه هو أن نعيشها ، وأننا لا نتمكن من تفسير الحرية وصفاتها , ولكن يمكنا أن نذكر تجاربها , ونحس أحاسيسها , ونشعر بدفئها , وهي تنبع من وجدان الإنسان وشخصيته ، وأنها أهم الصفات المتسلطة على الفرد لا حيد عنها على مدى الدهر ، ومهما تطورت المدنية. ويرى اتجاه آخر أن الحرية تدور حيث تدور السلطة ، فالحرية تنطوي على مكانات الفرد في اقتصاء امتناع السلطة من الإتيان بعمل في بعض مجالات النشاط الفردي ، وتلتزم السلطة إزاء هذه المكانات بأن تغل يدها عن التعرض للفرد في نواحي نشاطه المادي والمعنوي وأن تفسح له المجال للتعبير عن ذاته . الحرية لا حدود لها , ولا تعريف معين لها , وهي معين لا ينضب ينطوي على التعبير بلا قيود , ولا يمكن وصف الصحافة سوى بأنها القدرة على التعبير بدون حواجز أو خطوط حمراء . وعلى نحو ما اختلفت الأمم والشعوب في قضية الدين اختلفت في عالم الحرية , وتعريف مضمونها وحدودها , وكيفية استثمارها في صناعة أطر صحيحة للمستقبل تستقر به عند كيفية الجمع بين الديمقراطية والحرية الفاعلية والنافذة التي تصنع المجد لأصحابها كى لا يعيشوا في أوطانهم كالعبيد تتقاذفهم أمواج الظلم والبغي والعدوان . وحرية الصحافة تجعل أقلامها تصنع قضايا العصر والوطن من خلال نزعة الضمير التى تراعي كافة تحولات الأمم , وهي تصارع من أجل نهضتها , وتقبل الصحافة الواعية القلوب , وتصبغ العقول بإطار من كيفية البحث عن الأهداف الثقافية والعملية لكي تصير وجهين لعملة واحدة هي صناعة مستقبل مشرق لأمم ترزخ تحت وطأة أوجاع الظلم .
رسالة الصحافة
تبدو الصحافة في رسالتها للبحث عن حرية الرأي كركيزة للعقل تعتمد على شحن الرأي العام نحو قضية معينة لإثبات كيفية تغليب رأي الغالبية علي الأقلية , وتحرير الألسنة من قيود التسلط السلطوى , ونصرة الأقليات إذا واجهت اضطهادا ثقافيا أو دينيا أو سياسيا أو اجتماعيا . وهناك حريات المعارضة , وتتجلى هذه الحريات عندما يسمح للدولة بالتدخل , ويكون للأفراد حق انتفاء سياسة الحكومة بحيث تصبح سلطة الدولة غير مطلقة , بل ومقيدة بالرأي العام , ولهذا تتميز هذه الحريات بأنها تمكن الأفراد من مقاومة طغيان الدولة , وغالبا ما تكون هذه الحريات سياسة متمثلة في حرية الصحافة والاجتماع والتظاهر , ويكون الأحزاب وتكوين الجمعيات أحد روافدها , وتعد حرية الصحافة مرتبطة ارتباطا جوهريا بحرية الرأي , وخاصة في النظم الديمقراطية حيث تعتبر حرية الصحافة إحدي صور حرية الرأي . فحرية الصحافة لا يمكن ممارستها عمليا إلا إذا كانت هناك ضمانات متوفرة لحرية الفكر , والحريات الاقتصادية التي تجعل الأفراد قادرين ماديا علي إنشاء جهاز يقوم بإصدار الصحيفة ، كذلك فهي ترتبط بالحريات التجارية في التسويق وحرية الانتقال لتحقيق الانتشار . وتستند الصحافة على حرية الرأي العام وتوجهاته , والرأي العام قد يكون ظاهرا تشارك فيه أجهزة الإعلام المختلفة والمنظمات السياسية والاجتماعية والثقافة ، وقد يكون كامنا بكون يظاهر في شكل همسات نبرات خانقة , ولكنها قوية إذا ما انفجرت , وما حدث من ثورات تحررية عبر التاريخ ما هو إلا نموذج ممتد للرأي العام الكامن , وهناك عوامل لتكوين الرأي العام أهمها العوامل الحضارية , والميراث الثقافي , والأحداث العامة والاتصال , ووسائل الاعلام , والشائعات , والاتصالات الشخصية بين الأفراد . وتنخرط حرية الصحافة من منطلق الرأي الثقافي والسياسي والاقتصادي المؤثر في الرأي العام والتوجه المجتمعي والشعبي , ولعل هناك خلط بين الرأي وحريته ، ومفهوم الرأي العام , حيث أن قادة الرأي العام هم الصحفيون والإعلاميون , أما حرية الرأي فتكون من خلال عدة قنوات للاتصالات من أجل استمالة الجماهير لتأييد الفكرة والدفاع عنها . ومن هنا يظهر لنا أن حرية الرأي تقوم بدور حيوي في الرأي العام تكوينا وكيانا قاصرا رأيه على ذاته أو تكون أراؤه بمعزل عن الجمهور.
بقي أن نعرف أن كتاب “الصحافة بين الحدود والحرية” الذي نحن بصدد عرضه، تأليف الدكتور محمد الأمين أبو هجار، ونشرته الهيئة المصرية العامة للكتاب في 255 صفحة.

إلى الأعلى