الثلاثاء 28 مارس 2017 م - ٢٩ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / العرب ضحية لعبة الأمم

العرب ضحية لعبة الأمم

د.أحمد القديدي

فماذا تغير اليوم ونحن نرى الآلاف من الفلسطينيين يسقطون شهداء تحت القصف الأعمى، ونرى آلاف الضحايا العرب يسقطون تحت رصاص الجماعات العنيفة أو الضالة ثم نجد أن لعبة الأمم الصليبية الجديدة تناور حتى يطلب بعض العرب تدخلها العسكري وقد طلبوا ليستقر الاستيطان الصليبي المعاد إنتاجه مطمئنا هذه المرة بأن المسلمين في قبضته وتحت سيطرته بخيراته وطاقاته وعقوله.

نتأكد يوما بعد يوم وباليقين أن العرب سيكونون قريبا الضحايا الأفضل للعبة الأمم ويكفي أن تفتح أمامك يا قارئي العزيز خريطة الكرة الأرضية ونحن في نهايات صيف 2014 لتدرك بيسر أن أمم الدنيا كلها تتكتل وتتجمع، بينما تتهافت هذه الأمم الموحدة وتتداعى إلى قصعة الأمة الإسلامية وإلى قلبها التاريخي العربي وصاحب لغة القرآن الكريم لتلهف فيها ما تبقى من وعي وقوة وإيمان (تذكروا نصيحة الرسول صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع) وهكذا في لحظات غياب العقل وحضور الغفلة يكمل الغرب المنتصر في بداية القرن الحادي والعشرين ما بدأه في بداية القرن العشرين وتحديدا يوم الـ16 من مارس 1916 يوم توقيع كل من (سايكس) وزير خارجية التاج البريطاني و(بيكو) وزير خارجية الجمهورية الفرنسية على معاهدة مفصلية تحمل اسمي الرجلين وهما مزهوان بانتصار الغرب على الغرب أي أنهما يمثلان إمبراطوريتين غربيتين مسيحيتين هزمتا أمبراطورية أوروبية مسيحية هي الألمانية (الجرمانية البروسية)، وكانت الولايات المتحدة في ذلك العهد لا تزال تغفو على فراش المبدإ الولسوني نسبة للرئيس (وودوورد ويلسن) القائل بأن الولايات المتحدة جزيرة موصدة لا يعنيها ما يجري خارجها، فهي قارة مغلقة وبعيدة عن القارات الأخرى، وكان وزيره للخارجية (وليام برايان) يسعى لإعطاء ذلك المبدإ أبعادا أخلاقية ترفض على سبيل المثال المغامرات الاستعمارية الأوروبية ضد الشعوب المستضعفة، وهو ما شكل في الواقع ضربة قاصمة للفكر الاستعماري واغتنمه بورقيبة التونسي ونكروما الغاني وسيكوتوري الغيني وسنغور السنغالي وهوشي منه الفيتنامي. أما اليوم فتقسيم العالم العربي الذي وقع عليه الوزيران سايكس وبيكو انتهت صلاحيته وبات قابلا للمراجعة الأميركية لأن الحرب الكونية الأولى (1914-1918) أعقبتها حرب كونية ثانية (1939-1945) لنفس الأسباب الداخلية الأوروبية تقريبا، لكن هذه المرة لم يكن الحسم مع النازية ممكنا لولا دخول أميركا في الحرب بقوتها العذراء وغير المستعملة لإنقاذ بريطانيا وفرنسا من الهزيمة والاحتلال فتم القضاء على (المحور) المشكل من ألمانيا الهتلرية وإيطاليا الموسولينية واليابان الإمبراطورية بالقنابل الذرية في آخر المطاف (مدينتان يابانيتان هما هيروشيما وناجازاكي مسحتا من سطح الأرض بـ200 ألف ضحية في دقائق في أغسطس 1945) وصعدت واشنطن إلى قمة الغرب الظافر لكنها استوعبت الدرس واستخلصت العبرة، فالولايات المتحدة هي الحامية للقارة الأوروبية العجوز من أخطار العملاق السوفييتي بفضل المظلة النووية الأميركية المنشورة على الأوروبيين خاصة فأدركت أن كل الدول الأوروبية الديمقراطية سمحت بإنشاء أحزاب شيوعية فيها بعضها متطرف ومرتبط أيديولوجيا بموسكو مثل الحزب الشيوعي الأسباني أو الفرنسي أو الإيطالي، في حين شد الغرب وثاق العملاق الألماني واستعمرت الجيوش الأميركية والفرنسية والبريطانية أرض وشعب ألمانيا في عمل مشين ومذل وقسمتهما نصفين نصفا للمنتصر السوفييتي كحقه في الغنيمة بعد مشاركة ستالين وموسكو في الحرب والنصر، ونصفا للحلفاء الغربيين، كما قسمت برلين وتم بناء جدار العار يفصل الشعب الألماني إلى جمهورية فيدرالية ليبرالية تتبع الغرب المنتصر وإلى ألمانيا شيوعية تنتسب للمعسكر الماركسي بالقوة وتحول هذا التفوق الأميركي إلى تغول بعد انهيار القطب الشيوعي مع انهيار جدار برلين في نوفمبر 1989 ثم ابتعد شبح الحرب الباردة إلى حين، فتشكل واقع جديد في لعبة الأمم يسمى ما بعد الحرب الباردة أو مرحلة القطب الأوحد (الأميركي طبعا) استمر ربع قرن إلى أن ظهرت في العالم جيوستراتيجيا جديدة.
اليوم ونحن في 2014 انتقلت لعبة الأمم من أوروبا (موقع الحربين العالميتين) إلى الشرق الأوسط والقوقاز وأوكرانيا وإفريقيا بعد أن بسطت الصين الشعبية بقوة إنتاجها واستقرار مؤسساتها ومخزونها العالي من الدولار نفوذها على كامل القارة الآسيوية تقريبا، وبعد أن خرجت أميركا اللاتينية من أزمات الاستبداد العسكري واختارت شعوبها إما الالتحاق بالليبرالية الأميركية أو مناهضتها بأنظمة شعبية مثل نظام (هوجو شافيز) في فنزويلا. وتحول صراع الأمم إلى حرب باردة جديدة بأشكال مختلفة تنتقل تدريجيا وفي مناطق عديدة من العالم إلى حروب ساخنة بالوكالة، ولا أدل لدينا نحن العرب من اشتعال حرائق سوريا والعراق وليبيا وبدرجة أقل اليمن ومصر، ولكن مأساتنا المستمرة هي في قلب الصراع المرير والجائر والطويل في فلسطين وهو آخر قلعة من قلاع الاستعمار والاستيطان التي انهدمت تحت أقدام المحررين العرب والمسلمين خلال القرن العشرين. ظل الاحتلال الصهيوني آخر موقع استعماري يدينه ميثاق الأمم المتحدة ويبيح قتاله والتصدي له بكل الوسائل لأنه بكل بساطة مريعة يشكل منذ 1948 إحلال شعب دخيل مكان شعب أصيل، ولا أدل على هذه الحقيقة المغيبة في زمن استشهاد 2500 غزاوي من أن أربعة ملايين مستوطن يهودي قدموا من جميع أنحاء الدنيا عوضوا أربعة ملايين فلسطيني هم اليوم إما تحت الخيام أو في شبه محتشدات أو هاجروا إلى بلاد الله الواسعة ونالوا جنسياتها وكبر فيها أولادهم، وظلت أرض الوطن بالنسبة إليهم جرحا نازفا مع تعاقب الأجيال ومع مفاتيح بيت الأجداد المحفوظ في الدولاب.
كيف نقرأ مصير لعبة الأمم ونحن في موقع الضحايا؟ لا حول لنا نحن العرب ولا قوة لمواجهة أمم تخطط وتتكاتف وتتشاور وتنسق فيما بينها مثلما كانت خلال قرون الحروب الصليبية التي بدأت من خطاب البابا (يوربان الثاني) في كاتدرائية (كليرمون) في جنوب فرنسا والحروب الصليبية دامت قرنين من خطاب البابا سنة 1095 إلى مصرع ملك فرنسا لويس التاسع في قرطاج بإفريقيا (تونس) سنة 1270 ونفس الحملات الصليبية عادت مع ظاهرة الاستخراب (المسماة ظلما بالاستعمار) باحتلال الجزائر ثم العالم الإسلامي على فترات متعاقبة والعمل على تنصيره والقضاء على العدو الموحد وهو الإسلام لأنه مشروع أخلاقي واقتصادي وثقافي تحريري يتصدى للطاغوت ويحرر العباد من عبودية العباد ليعبدوا رب العباد. فماذا تغير اليوم ونحن نرى الآلاف من الفلسطينيين يسقطون شهداء تحت القصف الأعمى، ونرى آلاف الضحايا العرب يسقطون تحت رصاص الجماعات العنيفة أو الضالة ثم نجد أن لعبة الأمم الصليبية الجديدة تناور حتى يطلب بعض العرب تدخلها العسكري وقد طلبوا ليستقر الاستيطان الصليبي المعاد إنتاجه مطمئنا هذه المرة بأن المسلمين في قبضته وتحت سيطرته بخيراته وطاقاته وعقوله، وهو ما سمته الإدارة الأميركية في عهد بوش الابن والمحافظين الجدد بالشرق الأوسط الجديد أي مغارة الكنز المطلوب من النفط والغاز والمعبر الأوحد بين كل القارات، وطريق الغرب للشرق الأقصى، والسد المنيع ضد توسع الصين، والتطعيم الناجع ضد عودة روسيا لسالف قوتها. ونقول للعرب ونخبهم ما قاله الله تعالى (إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون “الأنفال22و23″) والبشر أولى بهذه الحكمة الربانية لأن الطبري يفسر الدواب بكل خلق دب على وجه الأرض.

إلى الأعلى