الثلاثاء 18 يونيو 2019 م - ١٤ شوال ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / شـذرات مـن هـدي القـرآن: الـسـلـوك الإسـلامي وأثـره في النفـس (3)

شـذرات مـن هـدي القـرآن: الـسـلـوك الإسـلامي وأثـره في النفـس (3)

ناصر بن محمد الزيدي:
الحـمد لله رب العـالـمين، والصـلاة والسلام عـلى سـيـد الـمـرسـلين، وخاتم النـبيين وإمـام الـمتـقـين، وحجـة الله رب العـالـمين، وعـلى آلـه وأصـاحـبه أجـمعـين، وعـلى التابعـين لهـم بإحـسان إلى يـوم الــدين وبـعـد:
فـلا زال الـحـيث مـوصـولاً عـن الـسـلـوك الإسـلامي وأثـره في الـنـفـس: قال الـشـاعـر:
لا تقـعـدن بكـسـر الـبـيت مـكـتـئـبا
يـفـنى زمـانـك بـين الـيـأس والأمـل
واحـتل لـنفـسـك في شـيء تعـيش به
فــإن أكـــثـر الـنــاس بــــالـحـيــــل
ولا تقـل إن رزقـي سـوف يــدركـنــي
وإن قـعــدت فـليس الـرزق كالأجـل

ولـعـل قـائـلاً يـقـول: هـا هـي فـريضة الـحـج، لـم يـحـدد لـها الـشـارع جـل جـلاله مـيـقـاتا مـعـيـنـا كالـفـرائض الأخـرى، فـمـن ذلـك سـوف الـمـلكـف بها، مـع الـعـزم عـلى أدائـهـا، فـقـد خـرج بـذلك مـن عـهـدة الــتـكـلـيف؟.
والجـواب: أن للـحـج خصـيصة يـنفـرد بـها، لا تـوجـد في سـائـر الـفـرائض الأخـرى، بـل هـما خـصيصـتان اثـنتـان: إحـداهـما تعـود إلى مصـلحـة الـحـاج نـفـسه وتـتـمثـل في اللـطـف به والـتيسـير له، والأخـرى تعـود إلى مصـلحـة الحجـيج إذ قـد يـصادف أن ينـعـقـد شـملـهـم ويـتـكامـل جـمـعـهـم في الـبـيت الحـرام ولا يـسـتـوعـب الـبيـت الحـرام تـلك الأعـداد الـهـائـلة مـن الـبـشـر، وفي مـنى والـبـقـاع الـمـقـدسة الأخـرى ويـسـبب وجـودهـم زحـاماً شـديـداً.
أما تلك التي تعـود إلى مصلحـة الـحـاج، فـبـيـانها ما قـد عـلـمت أن الله عـزوجـل قـيـد هـذه الـفـريضة بالاســتطـاعـة، إذ قال تعالى:(وَلِلَّـهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) (آل عـمـران ـ 97)، وقـد عـلـمـت أن الاسـتـطاعـة تـتكامـل بجــوانـب عــدة كالاسـتـطاعـة الجـسمـية الصحـية، والاسـتطاعـة الـمالـية، والاسـتـطاعـة الـمـتعـلـقة بأحـوال الـطـريـق خـوفـاً وأمـنـاً.
وهـذه الجـوانـب عـرضة للـتفـاوت ما بـين عـام وعـام آخـر، فـربـما كانت وجـوه الاسـتـطاعـة متحـقـقـة في أدنى مـراتـبـهـا لـهـذا الـعـام، ولـكـن الـمـتـوقـع أن تـزداد الـقـدرة وتـرتـفـع درجـتها عـلـواً وقـرباً إلى الـكـمـال في الـعـام الـقـادم، ويـكـون ذلك مـدعـاة لأن يـؤديـها الحـاج عـلى الـوجـه الأكـمـل.
أما مـن حـيث الـقـدرة الجـسـدية الـصحـية، أو الـكـفاية الـمالـية أو الأمـن في الـطـريـق خـوفـا وأمـنـا ، فـكان مـن لـطـف الله بالـعـبـد ومـن مـقـتضى تـقـيـيـد وجـوب هـذه الـعـبادة عـلـيه بالاسـتـطاعـة ، أن يـفـسح له الـمجـال في مـواقـيتها ، وأن يـكـون أمـير نـفـسه في اخــتيـار الـزمـن الـذي يـتـوقـع أن تـكـون جـوانـب اسـتطـاعـته أوفى وأقـرب إلى الـكـمال، عـلى ألا يـسـتـغـل هـذا اللـطـف الـرباني بـه الـذي روعـيـت فـيه مصـلحـته، للتـسـويف الـذي لا غـاية له إلا التسـلل والـتهـرب والـتعـلـيـل مـن مسـؤولـية الـوجـوب.
وأمـا تلك التي تـتـعـلـق بمصـلحـة الحـجـيج إذ يـجـتمـعـون في أمـاكـن الـمناسـك الـمـقـدسـة ومـلـتـقي لأدائها، كـمـكان الطـواف بالـبـيت، والـسـعـي بـين الـصـفا والـمـروة، وحـيـث تـرمى الجـمـرات، فـقـد عـلم الله عـز وجـل أن أداء هـذه الـفـريضة لـو قـيـد بأول زمـان الاسـتـطاعـة لـدى الـمـلكـف، دون تـوسـيـع لـميـقـاتها عـلى الـنحـو الـصـحـيـح الـذي يـريـده الله مـن الـعـبـاد لـك، وإذا لـم يـتـح الـوقـت الـكافي للانـتـظار إلى حـيث يـزداد اسـتـطـاعـة في اسـتـكـمال وجـوهـها كـلها، لأقـتضى ذلك أن تـتـجـه مـن كل بـلـدة وصـقـع جـمهـرة كـبـرى مـن الـناس في وقـت واحـد إلى أداء هــذه الـفـريـضة.
ونـظـراً لـتـوفـر الاسـتـطاعـة لــديـهـم ، فـتـزدحـم بـهـم الأماكـن الـمـناسـك ومـلـتـقـياتها ، بحـيث لا يـتـاح لهـم أداؤهـا بـراحـة نـفـسيـة وجـسمـية، ولا بسـعـفـه ذلك للـتـوجـه الـقـلـبي لها عـلى الـوجـه الـمـطـلـوب، سـيما وقـد عـلـم الله أن الـمـسـلـمـين يـزدادون مـع مـرور الـزمـن ولا ينـقـصـون، وأن الإسـلام سيـنـتـشـر في الـمـعـمـورة كلـها، وكـلـهـم تهـوى نـفـوسـهـم الـتـوجـه لاسـتـكـمال قـواعـد الإسـلام.
فاقـتضـت الحـكـمة الـربانـية الـمـقـرونـة دائـماً باللـطـف والـرحـمة بالـعـبـاد، وأن يـمتـد أمـد الاسـتـطاعـة، حـتى وأن تـكامـلت جـوانبـهـا، إلى حـيث يـتـوقـع الـمكـلـف تـوافـر الـقـدرة وامـتـداد الاىستـطاعـة إلـيه، ضـمـن سـعـة مـن الـسنـوات قـد تقـل وقـد تـكـثر، حـسبما يتـوقـعـه الـمكـلف ويـغـلب عـلى ظـنه.
وبـذلك تـتـكاثـر فـرص الاسـتـطاعـة وتـتـعــدد أزمـنتها، فـتـفـرق الجـمهـرة الكـبري بـينها وتتـقـاسمها الـفـرص الـزمـينة الـمـتـعـددة، وبتيسـر عـنـد ئـذ تـلافي الـمجـمـوعـات الـمـتـفـرقة في أمـاكـن الـنـسـك الـمـقـدسـة، دون كـبـير صـعـوبة ولا حـرج.
غـير أن الـشـارع عـزوجـل تـرك للـعـبـد يخـتـار الـوقـت الـمـناسـب، مـع تقـيـد الطاعـات بمـواقـيت محـددة لها فـرصة للاخـتـيار، أي لاخـتـيـار الـزمـن الـذي يـناسـبـه, فـوسـع لـه في مـواقـيتـها، ولـم يحـصره مـنها في دقـائـق ضـيقة.
فـقـيـدها بأوقـات محـددة، كـي لا يــرك الـعـبـد لـفـتـنـة التسـويـف الـذي قـد يبـدد مـعـنى وجـوبـها عـليـه كـما قـد بيـنت ذلـك سـابـقـاً.
ووسـع الله في الأوقـات الـمـناسبـة للأداء، والـمتــفـق مـع ظـروف الـعـبـد ومشـاغـلـه التي قـيـدهـا بها، كي يجـنـبـه الحـرج الـذي قـد يتسـبب عـن ضـيـق الـزمان والـمـكان والامـكان الـذي وقـته بـه، ويـمـده بـفـرصة اخـتـيار الـوقـت.
ألا تـرى كـيـف تـنـاط بـالـعـبـد فـريضة الـصـلـوات الخـمس في أوئـل أوقـاتها ثـم إنـهـا تمتـد إلى الـقـدر الـذي تقـتـضيه الحـكـمة الـربانية بالنـسبة لـكل منها، كي يـجـد في تـلك الـسـعـة الـعـون الـذي يـنـشـده الـعـبـد، والـزمـن الـذي يـتـفـق مـع الحـال التي يـتـفـق مـع الحـال التي هـو فـييها والـمـشـاغـل الـتي تقـيـده، عـلى أن الأفـضـلـية مـنـوطـة بأدائـها في أوائـل أوقـاتها كـما هـو مـعـلـوم، وإذا وجـب أداء الـفـرض عـلى الـعـبـد في أول أوقـات الـصـلاة، فإنه لا يضـمـن أيـبـقـى حـيا إلى أن يـؤديها في وسـط وقـتها أو في آخـر وقـتـها، قـال الـشاعـر:
كل امـرئٍ صـائـرٌ يـومـاً لـشـيمتـه
في كـل مـنـزلة يبـقى بـها الـرجـل
.. وللحـديث بـقـية.

إلى الأعلى