الإثنين 19 أغسطس 2019 م - ١٧ ذي الحجة ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / (التعويض عن الخطبة وعن الطلاق فى محور فقه العصر فى مجال الأسرة) (4 ـ 8)

(التعويض عن الخطبة وعن الطلاق فى محور فقه العصر فى مجال الأسرة) (4 ـ 8)

الخطبة لا تعدو أن تكون تمهيداً لعقد الزواج ولذلك تعتبر وعداً غير ملزم لكلا طرفيها
اعداد ـ علي بن صالح السليمي:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جاءت ندوة تطور العلوم الفقهية في عُمان من خلال عنوانها:(فقه العصر .. مناهج التجديد الديني والفقهي) والتي عقدت خلال الفترة من 15 إلى 18 جمادى الأولى 1436هـ، الموافق 5 إلى 8 ابريل 2015م في نسختها الحادية عشرة من قبل وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بتوجيهات سامية من حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه.
ومن ضمن ما قدم خلال الندوة من بحوث وأوراق عمل كانت لنا هذه القراءة في بحث بعنوان:(التعويض عن الخطبة وعن الطلاق فى محور فقه العصر فى مجال الأسرة) .. للاستاذ الدكتور نبيل ابراهيم سعد أستاذ القانون المدنى كلية الحقوق ـ جامعة الاسكندرية.
يقول الباحث في المبحث الثانى: العدول عن الخطبة: فى هذا المبحث سنعرض لمسألتين على التوالي: أولاً: طبيعة العدول، وثانياً: أثر العدول عن الخطبة.
فالمطلب الأول: طبيعة العدول: تتوقف طبيعة العدول على طبيعة الخطبة ذاتها والغرض الذى شرعت من أجله. وقد انتهينا إلى أن الخطبة لا تعدو أن تكون تمهيداً لعقد الزواج . لذلك تعتبر الخطبة وعد غير ملزم لكلا طرفيها.
يترتب على ذلك أن يكون لكل من الطرفين حق العدول، وذلك ليتوافر لهما حرية الاختيار كاملة لما فى ذلك من مصلحة للعاقدين وللمجتمع، لأن عقد الزواج، عقد حياة والتروى فيه أمر لابد منه، لكن إذا كانت الخطبة وعد غير ملزم قضاءً إلا انها فى الأول والآخر وعد يترتب عليه آثار معينة . فإذاً يكون من مستلزمات عدم اللزوم حق العدول لكل من الطرفين، وإن هذا العدول يتوقف على محض إرادة الطرف الذى قرر العدول دون انتظار موافقة الطرف الآخر. كما لا يجوز أن يحل أى شخص محله فى تقدير العدول أو عدم العدول، ففي المقابل يعتبر هذا العدول تعبيراً عن الارادة لا يلزم فيه شكل معين ، ويجوز أن يكون صريحاً أو ضمنياً، لكن يلزم فيه كتعبير عن الارادة لكى ينتج أثره فى التحلل من الخطبة أن يتصل بعلم الطرف الآخر ويعتبر الوصول قرينة على العلم به، كما يجب أن يكون هذا التعبير عن الارادة خالياً من عيوب الارادة الغلط أو الإكراه أو التدليس.
والمطلب الثانى: آثار العدول: نبحث هنا عن أثر العدول عن الخطبة على هدايا الخطبة والمهر، ثم نتساءل عن مدى جواز التعويض عن العدول.
1ـ بالنسبة لهدايا الخطبة: سبق أن رأينا انه أثناء فترة الخطبة، ولدواعى تعزيز المودة والألفة بين الطرفين، يتبادلا الهدايا فى جميع المناسبات الاجتماعية .. وغيرها، والسؤال الذى يفرض نفسه الآن ما هو أثر العدول عن الخطبة على هذا الهدايا المتبادلة؟ حيث اختلف الفقه الاسلامى حول جواز استردادها من عدمه: فذهب الحنفية إلى تطبيق قواعد الهبة على ما قدم من هدايا من جانب الخاطب أو من جانب المخطوبة. هذا يعنى جواز الرجوع فى الهبة إلا لمانع من الموانع، ومن هذه الموانع خروج العين من ملك الموهوب له أو استهلاكها أو تغيير وصفها أو صورتها، وإن لم تهلك مادتها.
وتطبيقاً لذلك يكون حكم الهدية المقدمة أثناء الخطبة على النحو التالى:
ـ إذا كانت الهدية قائمة بعينها لم يحصل تغيير فيها وهى فى ملك المهدى إليه، فإن للمهدى أن يستردها بعينها.
ـ أما إذا حصل تغيير فى الهدية أو هلكت أو استهلكت فإن المهدى لا يرجع على المهدى إليه بشيء لحدوث مانع من موانع الرجوع.
ـ وذهب الشافعية فى بعض أقوالهم إلى أن للمهدى أن يسترد هديته كاملة بعينها إن كانت قائمة وبعوضها إن كانت هالكة أو استهلكت . وذلك لأن الاهداء كان على أساس تمام الزواج وقد أبعد ، فزال السبب الذى حمل على الاهداء ، وإذا زال السبب كان له الاسترداد .
ـ المفتى به فى مذهب مالك التفرقة بين هدايا من يعدل عن الخطبة ، وهدايا الآخر . فإذا كان الذى أهدى هو الذى عدل عن الخطبة فليس له أن يسترد شيئاً من الهدية ولو كانت قائمة حتى لا يجمع على الطرف الآخر ألم العدول وألم الاسترداد، ولأن إبطال العمل تم من جانبه ومن سعى فى نقض ما تم من جهته فسعيه مردود عليه.
وإن كان المهدى هو الطرف الذى لم يعدل فله أن يسترد كل ما أهدى، سواء أكان قائما، أم كان هالكاً أو مستهلكاً، ويرد القائم بعينه، والهالك أو المستهلك بعوضه.
ونحن نميل إلى الأخذ بمذهب الإمام مالك على أساس أنه إذا كان العدول تعبير عن حرية الاختيار الكاملة فى المضى فى إتمام الزواج أو عدم اتمامه فى مواجهة طرف آخر وليس فى المطلق ، فإنه ينبغى أن يكون لممارسة هذه الحرية الكاملة ثمن فى مواجهة الطرف الآخر الذى لا حول له ولا قوة . فالحرية مسئولية، والإنسان الحر هو الذى يسأل عن تبعات أفعاله، وهذا هو الأقرب للعدالة، وقد تم التفكير فعلاً فى مصر فى الأخذ بمذهب مالك مرتين (إحداهما) فى المشروع الذى قدم فى سنة 1915 فقد كان فيه هذا النص (والثانية) فى المشروع الذى اعده المكتب الفنى لرياسة جمهورية مصر فى عام 1956، وقد نص على ذلك فى المادة السابعة عشرة منه.
2 ـ بالنسبة للمهر: إذا كان الخاطب قد دفع المهر كله أو بعضه ثم عدل عن الخطبة . فإن له باتفاق الفقهاء أن يسترده وذلك لأنه دفعه على أساس أن يتم العقد ، ولم يتم فيسترد المهر، لأن وجوب المهر بالعقد والخطبة ليست إلا مجرد وعد بالزواج حتى ولو صاحبها الاتفاق على مشروع عقد الزواج، فمشروع العقد غير العقد ذاته.
3 ـ مدى جواز التعويض عن العدول عن الخطبة: إن جواز التعويض عن العدول عن الخطبة من عدمه مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالتكييف القانونى للخطبة، فإذا كانت الخطبة عقد ملزم لطرفيه فإن العدول عنه لا يوجب الوفاء بالإلتزام عيناً أى اجراء التعاقد النهائى، وهو الزواج، إلا أن العدول عن الوفاء بهذا الالتزام يوجب التعويض، أما إذا كانت الخطبة ليست إلا تمهيداً لعقد الزواج ، وبالتالى تعتبر وعد غير ملزم، فإن العدول عنها لا يوجب التعويض على النحو السابق بيانه.
.. وللموضوع بقية.

إلى الأعلى