الأربعاء 26 يونيو 2019 م - ٢٢ شوال ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / سورة الأنبياء (15)

سورة الأنبياء (15)

اعداد ـ أم يوسف
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم وبعد .. نعيش مع سورة الأنبياء من خلال تفسير الجامع لأحكام القرآن للقرطبي.
سميت ‏‏(‏سورة ‏الأنبياء) ‏لأن ‏الله ‏تعالى ‏ذكر ‏فيها ‏جملة ‏من ‏الأنبياء ‏الكرام ‏في ‏استعراض ‏سريع ‏يطول ‏أحيانا ‏ويَقْصُر ‏أحيانا ‏وذكر ‏جهادهم ‏وصبرهم ‏وتضحيتهم ‏في ‏سبيل ‏الله ‏وتفانيهم ‏في ‏تبليغ ‏الدعوة ‏لإسعاد ‏البشرية‎، وهي مكية من المئين عدد آياتها (112) ترتيبها الحادية والعشرون نزلت بعد سورة (ابراهيم)، وهي تعالج موضوع العقيدة الاسلامية في ميادينها الكبيرة: الرسالة، الوحدانية، البعث والجزاء وتتحدث عن الساعة وشدائدها والقيامة وأهوالها وعن قصص الأنبياء والمرسلين.
قال تعالى:(وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ، وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ، وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ، إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ، قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ، قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ؛ قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ، قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ)
قوله تعالى:(وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً) وحكي عن ابن عباس وعكرمة (الْفُرْقَانَ ضِيَاءً) بغير واو على الحال، وزعم الفراء أن حذف الواو والمجيء بها واحد، كما قال عز وجل:(إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ) (الصافات 6 ـ 7) أي: حفظاً، ورد عليه هذا القول الزجاج، قال: لأن الواو تجيء لمعنى فلا تزاد قال: وتفسير (الفرقان) التوراة لأن فيها الفرق بين الحرام والحلال، قال:(وَضِيَاءً) مثل (فِيهِ هُدىً وَنُورٌ) وقال ابن زيد:(الفرقان) هنا هو النصر على الأعداء، دليله قوله تعالى:(وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عبدنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ) (الأنفال ـ 41) يعني: يوم بدر، قال الثعلبي: وهذا القول أشبه بظاهر الآية ؛ لدخول الواو في الضياء، فيكون معنى الآية: ولقد أتينا موسى وهارون النصر والتوراة التي هي الضياء والذكر، (الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ) أي: غائبين لأنهم لم يروا الله تعالى، بل عرفوا بالنظر، والاستدلال أن لهم ربّاً قادراً، يجازي على الأعمال فهم يخشونه في سرائرهم، وخلواتهم التي يغيبون فيها عن الناس.
(وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ) أي: من قيامها قبل التوبة. (مُشْفِقُونَ) أي: خائفون وجلون
قوله تعالى:(وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ) يعني: القرآن (أَفَأَنْتُمْ لَهُ) يا معشر العرب (مُنْكِرُونَ) وهو معجز لا تقدرون على الإتيان بمثله. وأجاز الفراء (وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ) بمعنى: أنزلناه مباركاً.
قوله تعالى:(وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ) قال الفراء: أي أعطياه هداه، (مِنْ قَبْلُ) أي: من قبل النبوة أي وفقناه للنظر والاستدلال، لما جن عليه الليل فرأى النجم والشمس والقمر، وقيل:(مِنْ قَبْلُ) أي: من قبل موسى وهارون، والرشد على هذا النبوة، وعلى الأول أكثر أهل التفسير، كما قال ليحيى:(وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً) (مريم ـ 12)، وقال القرظي: رشده صلاحه، (وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ) أي: إنه أهل لإيتاء الرشد وصالح للنبوة.
قوله تعالى:(إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ) قيل: المعنى أي اذكر حين قال لأبيه، فيكون الكلام قد تم عند قوله:(وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ)، وقيل: المعنى، (وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ، إِذْ قَالَ) فيكون الكلام متصلاً ولا يوقف على قوله:(عَالِمِينَ)، (لِأَبِيهِ) وهو آزر (وَقَوْمِهِ) نمرود ومن اتبعه، (مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ) أي: الأصنام، والتمثال اسم موضوع للشيء المصنوع مشبها بخلق من بخلق الله تعالى، يقال: مثلت الشيء بالشيء أي شبهته به. واسم ذلك الممثل تمثال، (الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ) أي: مقيمون على عبادتها، (قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ) أي: نعبدها تقليداً لأسلافنا، (قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) أي: في خسران بعبادتها، إذ هي جمادات لا تنفع ولا تضر ولا تعلم، (قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ) أي: أجاء أنت بحق فيما تقول؟ (أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ) أي: لاعب مازح، (قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) أي: لست بلاعب، بل ربكم والقائم بتدبيركم خالق السموات والأرض، (الَّذِي فَطَرَهُنَّ) أي: خلقهن وأبدعهن، (وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ) أي: على أنه رب السموات والأرض. والشاهد يبين الحكم، ومنه (شَهِدَ اللَّهُ) (آل عمران ـ 18) بين الله، فالمعنى: وأنا أبين بالدليل ما أقول.
.. يتبع، والله أعلم.

إلى الأعلى