الإثنين 16 سبتمبر 2019 م - ١٦ محرم ١٤٤١ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / قراءة لغوية تربوية في نصائح لقمان القرآنية (11)

قراءة لغوية تربوية في نصائح لقمان القرآنية (11)

د/ جمال عبد العزيز أحمد:
واللفظ له، وعزاه بعض أهل العلم إلى (المعجم الكبير) للطبراني، ومن طريقه الضياء المقدسي في (المختار) (9/179)، ورواه ابن عدي في (الكامل) (6/111)، ومن طريقه ابن عساكر (49/152)، ورواه الخطيب البغدادي في (الجامع لأخلاق الراوي) (2/275)، الصبر للداعية هو زاده، وهو القوة الدافعة له للاستمرار، وهو الوقود لقلبه، ومتنفس فؤاده؛ ولذلك كانت وصاة لقمان لابنه؛ لتكون خير معين له على تحمل تبعات الدعوة، وتكاليف المهمة، والقيام بمهام الرسالة والوظيفة التي خلق لها الإنسان.
ثم يأتي الختام المتناغم مع كل ما سبق من نصائح وعظات: إن ذلك من عزم الأمور، بأسلوب كله تثبيت وتأكيد وامتلاء بحب الله وحسن الاتصال به، إن ذلك، يشير إلى كل ما تقدم باسم الإشارة الذي وضع للبعيد مكانة ومكانا، ومنزلة ومقاما، إن ذلك يدل على العزيمة والقوة في الدين، وكمال الإيمان وجلال الالتزام، وتمام الصدق، وسلامة التوجه، أي الأمور العازمة، والشؤون الراقية وهو كناية عن رضا الله عن صاحبها، وتزكية سلوكه، وقبول طريقه، إن ذلك يدل على نفس واعية، وذات لطبيعة رسالتها مدركة، وماهية وجودها فاهمة، والحمد لله رب العالمين.
وتتواصل النصائح، وتتتابع العظات، فيقول لقمان ـ عليه السلام ـ لابنه:(وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ، وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِير) (لقمان 18 ـ 19).
عندنا نهيان هنا؛ الأول:(لا تُصَعِّر خدك للناس)، والثاني:(ولا تَمْشِ في الأرض مرحاً)، ثم جملة خبرية مؤكَّدة، وبعدها أمران، والجملة الخبرية المؤكدة بإنَّ هي:(مَرَحًا، إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ)، وأما الأمران فهما:(وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ)،(وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ)، ثم جملة خبرية مؤكدة بإنَّ وباللام معاً، هي:(إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ)، والنهيان غرضهما النصح، والإرشاد، والتوجيه، والتربية، والمصِّعر لوجهه يعني المائل به تكبراً، وتفاخراً، ففيه كناية عن الكبر، والافتخار.
ففي قوله تعالى:(ولاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ) نهيٌ عن تلك الغطرسة، وتنفير من استحقار الآخرين لأن التصعير كما ورد في اللسان: مأخوذ من (الَّصعَر): وهو مَيَلٌ في الوَجْهِ، وقيل: الصَّعَرُ: المَيَل في الخدِّ خاصة، وربما كان خِلْقة في الإِنسان، والظَّليم، وقيل: هو مَيَلٌ في العُنُق، وانْقِلاب في الوجه إِلى أَحد الشقَّين، ويقال: قد صَعَّرَ خَدَّه، وصاعَرَه: أَمالهُ من الكِبْرِ، قال المُتَلَمِّس:
وكُنَّا إذا الجبَّارُ صَعَّرَ خَدَّهُ
أَقَمْنا لَهُ من مَيلِهِ فَتَقَوَّمـا
يقول: إذا أَمال متكبِّرٌ خدَّه أَذْلَلْناهُ حتى يتقوَّم مَيْلُه،وهو كما جاء في آية أخرى للمتغطرس.
* كلية دار العلوم ـ جامعة القاهرة بجمهورية مصر العربية
Drgamal2020@hotmail.com

إلى الأعلى